ultracheck
  1. قول

ما بين طهران وبيروت: كيف تتشكّل المدن تحت ضغط الحروب

14 مارس 2026
طهران
أعمدة دخان سوداء تتصاعد في سماء طهران (Getty)
عبير داغر اسبر عبير داغر اسبر

منذ أن أصبح شرقنا شرقًا أوسطيًا، لم تمرّ الحروب بنا مرورًا عابرًا. فكل مواجهة راكمت وراءها طبقة أخرى من الذاكرة، وأعادت صياغة العلاقة بين الناس ومدنهم، بل وفتحت الباب أمام تحوّلات ثقافية تجاوز أثرها حدود جبهات القتال وترسيم الحدود، ما بين أخذٍ وردّ، وتوطينٍ وإمحاء. 

وكما في كل صراع، ها نحن، مع اندلاع الحرب بين إيران وإسرائيل، تعود وتظهر ملامح ثقافية ملموسة تتشكّل في قلب الحدث، يمكن تتبّعها عبر سلوك المدن، ومزاج المجتمعات، ولغة الخطاب اليومي، والرموز البصرية التي وُلدت من داخل دخان الحرائق ونيران القصف.

طهران… حين تتكلم المدينة بلغة العجز

في الحرب الأخيرة، وعلى العكس من حرب الاثني عشر يومًا التي بدأت في 13 حزيران/يونيو 2025، تحوّلت طهران هذه المرة إلى فضاء كليّ الرمزية، كثيف الدلالات. فمشاهد السماء المظلمة، وانقطاع الكهرباء، والازدحام في الملاجئ والممرات، تجاوزت بحقيقتها الوقائع الميدانية وأنماط الأرشفة وحساب الخسائر. في الحرب التي ما زالت دائرة، يتبيّن الإيرانيون، دون إرادتهم، العلامات الثقافية التي سيعيد الناس من خلالها صياغة علاقتهم بالمدينة.

فمن سيستطيع، مهما تجبّر وتحجّر قلبه تجاه السلطة في إيران، من الإيرانيين أنفسهم، ألّا يضيف إلى قاموسه استعارة الأسى هذه: "المطر الأسود"؛ ذاك الرماد الهاطل من السماء بعد استهداف منشآت الوقود؟ حيث بدت طهران بسماء مُغبّرة، ومبانٍ مغطاة بطبقة دبقة من السخام، ورائحة وقود محروق لن تترك الشوارع الضيقة لوقت طويل.

 في الحرب التي ما زالت دائرة، يتبيّن الإيرانيون، دون إرادتهم، العلامات الثقافية التي سيعيد الناس من خلالها صياغة علاقتهم بالمدينة

بيروت: مدينة تُقاتل بذاكرتها قبل جسدها

إذا كانت طهران تعيش صدمة جديدة تجاه الحروب ومروياتها، فإن بيروت، وكما في كل حرب، تستقبل الصدمة بذاكرة مفتوحة. المدينة التي عاشت حلقات متتالية من الحروب تجد نفسها مرة أخرى في حمى المواجهة، تنظر في عيون جلاديها نظرة العارف غير المستعطف.

خصوصية بيروت، وبعيدًا عن الرومانسية التي لا تتحملها اللحظة، تُحوّل الحرب إلى مناسبة لاستعادة الهوية. فالفيديوهات التي يلتقطها الناس من الشرفات، والأحاديث القصيرة التي تنتقل بين المقاهي المغلقة والملاجئ المرتجلة على عجل، تعكس علاقة معقّدة بين المدينة والصدمة التي تستقبلها من ذاكرة غير بعيدة، وهو ما سمح للتحوّلات الثقافية في بيروت بأن تحدث بشكل أسرع وأكثر وضوحًا.

حيث تتغير لغة الناس، وتتبدل أولويات نهاراتهم، بينما تُفلت الغرائز للتعصّب والشوفينية كي تتمشّى في أزقة المدينة، وتظهر أشكال جديدة من التضامن العفوي. فها هم الناس يتعلّمون مجددًا كيف يتقاسمون الهواء المهدّد بالاستباحة والاحتلال.

حرب المحتوى: جبهات مشتعلة بلا حرائق

في الأيام الأولى للحرب، اجتاحت المنصّات الرقمية موجة كثيفة من المقاطع المضلِّلة التي اكتسبت انتشارًا هائلًا في وقت قياسي. أحد أبرزها كان مقطعًا مُصمّمًا بالذكاء الاصطناعي نُشر على أنه يوثّق قصفًا على مدينة تل أبيب، وقد تجاوزت مشاهداته، بدافع التشفي، خمسة ملايين مشاهدة خلال أقل من أربعٍ وعشرين ساعة.

وخلال الفترة نفسها، جرى تداول أكثر من أربعة عشر ادعاءً مشابهًا أعادت نشرها عشرات الحسابات بصيغ متطابقة، بينما تخطّى إجمالي مشاهدات المحتوى المصنَّع حاجز المئة مليون مشاهدة، لا لحقيقته، بل لأنه لبّى رغبة دفينة بالعدالة وتدوير الكارما.

المنامة: مدينة صغيرة تتلمّس هشاشتها تحت ظلّ العاصفة

في أقصى الخليج، بدت المنامة وكأنها تستيقظ على حرب ليست جزءًا من سرديتها اليومية. مدينة صغيرة محاطة بأفق منخفض فوجئت بأن تتحوّل، ولو لبرهة، إلى ساحة اختبار لقدرة الذاكرة الجمعية على تحمّل الصدمة.

خوف المدينة أتى من اللاخبرة، من البراءة والطهرانية التي لطالما تمتعت بها روح المدينة وتشربتها شوارعها. لم يأتِ الخوف نتيجة الدمار المادي الملموس بقدر ما كان وليد مشهدٍ يُظهر برجًا في قلب المنامة يشتعل باللهب. مشاهد متعجّلة التصميم تدفقت إلى شاشات الناس، مُحدثة هزّة في الصورة الذهنية لمدينة اعتادت أن تعيش في الظل الهادئ، مدينة طالما مرّ العالم بقربها دون أن يفطن لها.

دبي: مدينة تُدافع عن صورتها كما تُدافع عن سمائها

دبي، المدينة التي بنت هويتها على الإحالات الأيقونية لمدينة لا تُمس، وجدت نفسها أمام تحدٍّ من نوع آخر: لم يتجلَّ بالتدمير، بل بالكسر المتعمد للأيقونة. ففي ذروة الارتباك، انتشر مقطع رقمي مُولّد يُظهر برج خليفة محترقًا؛ مشهد شديد الإتقان في خداعه، حملته آلاف الشاشات وتلقّاه الجمهور كواقع محتمل في زمن تتداخل فيه الكوارث الممكنة مع المصنوعة.

سكان دبي دافعوا عن مدينة أحلامهم، ومع ذلك بدت دبي وكأنها تواجه قصفًا من نوع جديد: قصفًا يضرب هويتها الاقتصادية والثقافية. ومع اعتراض صواريخ ومسيّرات أتت لتضرب مناطق صناعية، امتزج الخوف من الهجمات مع الخوف من الانطباعات. فمدينة تُبنى سمعتها على الثقة والانفتاح لا تود أن تتعرض لاختبار السمعة الذي قد يردي بصورتها العالمية. فالدفاع عن "الانطباع" لم يكن، ولن يكون، سوى الجزء الأهم من الدفاع عن المدينة نفسها.

الكويت: حين تُستدعى الذاكرة القديمة إلى الحاضر من جديد

في الكويت، بدا الأمر كما لو أن التاريخ يعيد نفسه بحدّة لم تكن متوقعة. فقد أعلنت السلطات اعتراض ثماني مسيّرات في يوم واحد، وسُجّلت إصابات قاتلة في ضربة على منشأة قريبة من الميناء. في لحظة واحدة، انفتح الباب على ذاكرة مشروخة تعود إلى حرب الخليج الأولى؛ ذاكرة الملاجئ، وصفارات الإنذار، والانتظار الطويل خلف النوافذ المغلقة، مع عودة الأسئلة التي ظنّ أهلها أنهم أغلقوا صفحاتها.

الحديث المتجدد عن الهشاشة الجيوسياسية، وعن الجوار الثقيل، وعن كون مدينة صغيرة تُدفع دائمًا إلى مسرحٍ أكبر من طاقتها.

كما في كل الحروب، كشفت حرب 2026 شيئًا جوهريًا حتى العمق: المدن لم تكن يومًا مجرد خلفية جغرافية للصراعات، بل شريكة فيها، كونها الوعاء الذي تتساقط فيه الشظايا المرئية واللامرئية

في هذا المشهد المتصدّع الذي يمتدّ من طهران إلى بيروت، ومن المنامة إلى دبي والكويت، تظهر المدن وكأنها الكائن الأكثر حساسية في زمن الحرب، والأقدر على تسجيل التحوّلات التي لا تلتقطها الخرائط ولا القرارات العسكرية.

فالحروب، مهما تغيّرت أدواتها، قد تُقاس بعدد الصواريخ التي أُطلقت وبمساحة الدمار الذي خلّفته، لكنها تُقاس أيضًا بقدرة كل مدينة على أن تحفظ شكلها الأول، أو أن تعيد اختراعه تحت ضغط الضرورة للتعرّف إلى ذاتها.

كما في كل الحروب، كشفت حرب 2026 شيئًا جوهريًا حتى العمق: المدن لم تكن يومًا مجرد خلفية جغرافية للصراعات، بل شريكة فيها، كونها الوعاء الذي تتساقط فيه الشظايا المرئية واللامرئية، فتُعيد صياغة نفسها من قلب الدمار، ومن تحت طبقات الرماد، ومن داخل الشاشات التي تصنع واقعًا موازيًا لا يقلّ حقيقة عن الواقع المعيش.

في هذا الالتقاء بين التجربة الحسية والتجربة الرقمية، تتشكّل رواية أكثر تعقيدًا: رواية تُعيد تعريف معنى المدينة، ومعنى العيش الجماعي، ومعنى الانتماء في عصر تتداخل فيه عناصر الوهم والحقيقة، والذاكرة وآنية اللحظة، والخوف ومحاولات الصمود اليومي.

ربما ستكون هذه الحرب لحظة عابرة في بطون الخرائط وارتباكات الجغرافيات وتحولاتها غير المضبوطة عبر العصور، لكنها ستبقى نقطة تحوّل في تاريخ العيش، وفي فهمنا لطبيعة المدن الرازحة تحت رحمة العبث وحروبها.

كلمات مفتاحية
ترامب

ترامب لم يستخلص درس "أفوينه"

عصام بويضاني

أزمة عصام بويضاني وتحوّل الفاعل المسلح إلى عبء قانوني دولي

تشكّل مسار "جيش الإسلام" في سياق التحول المبكر للثورة السورية نحو العسكرة، مع بروز التيار السلفي كأحد أبرز الفاعلين القادرين على التنظيم والتعبئة

مظاهرة في باب توما

سوريا وبيت الطاعة السياسي

لدينا ألف نموذج يُوضح أننا أمام نمط خاص مع سلطة في حاجة ماسة إلى واجهات. وفي عملية البحث عن هذه الواجهات لن يكون هناك أفضل من الوجوه التي تُجيد تغيير جلدها

طهران
مناقشات

إيران بين الثورة والحرب: صراع مستمر على الهوية والسيادة

قد تتحول الحروب إلى وسيلة لإعادة إنتاج الخطاب الثوري وإدامة حالة التعبئة داخل المجتمع، وتُعدّ التجربة الإيرانية مثالًا واضحًا على ذلك

ناسا
علوم

هبوط ناجح لمهمة "أرتميس 2" بعد رحلة تاريخية إلى مشارف القمر

وصل طاقم رحلة أرتميس 2 إلى مسافة غير مسبوقة بلغت 252,756 ميلًا من الأرض، متجاوزًا الرقم الذي سجلته مهمة أبولو 13

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو
سياق متصل

كواليس القرار.. كيف ورّط نتنياهو ترامب في الحرب على إيران؟

يكشف التحقيق كيف دفع نتنياهو ترامب نحو قرار الحرب على إيران عبر وعود عسكرية واستخبارية

أحمد دومة
حقوق وحريات

تجديد حبس أحمد دومة يختبر حدود الانفراج في مصر

قررت غرفة المشورة بمحكمة جنح بدر تجديد حبس أحمد دومة احتياطيًا لمدة 15 يومًا، على ذمة التحقيقات في القضية رقم 2449 لسنة 2026، بتهمة "نشر أخبار وبيانات كاذبة"