ما بقيَ لنا أكثر مما مضى

ما بقيَ لنا أكثر مما مضى

ماجدالينا أباكانوفيتش/ بولندا

 

كانَ لا بدّ من الوقت  

كي ننظرَ في ما تركناهُ خلفنا.

ارتكاباتنا... فعلتا المصافحة والتّقبيل على سبيل المثال

والغفران والاعتذار، وإمساك الأقلام للكتابة وتبادل التقريع.

رفعُ تابوتٍ قبلَ رميه في الحفرة

إهمالُ ذكرياتِ الميّت

والتذمّر والضجر، والتبجّح بأننا ولدنا من غير إرادتنا.

كي نكبرَ ونظنّ أنّ ما بقي لنا أكثر ممّا مضى

كان لا بدّ من الوقت كي تتجسّد التفاهة

ونحار في أمور المسكّنات والمهدّئات والحبوب المنوّمة.

*

 

كان لا بدّ من السّأم

كي لا تكونَ الحياةُ عزيزة علينا

توديعُ أقارب مثلًا

رفعُ توابيتهم على الأكتاف

إرضاءُ الحزانى منهم بأنّ الموتَ ضريبة الحياة

ثمّ العودة إلى أعمالنا وملابسنا وبيوتنا الّتي نلوذُ بها من الموت

وإلى القيلولة التي تأخذنا في عالم النوم.  

لا يمحو الموت إلا لقاءُ الغرباء

الذين كلّما ابتعدوا تغربوا

بلا سأمٍ يصيرُ كلُّ جامد تحفة

هذا إذا لم نحتسب سأم الله

السأم غطاءٌ أسود فوقَ رأسِ مصوّر أنوار الحياة.

*

 

كان لا بدّ من الضجر

كي لا تتسلسلَ الأيّام على مهلها، لكسر "الريتم" على سبيل المثال

لتقولَ إنّ وهمكَ مخطئ ورغمَ ذلك أنتَ منه

ولا تهاب الرّتابة والتكرار..

والشعرُ الذي تكتبه ابن كلّ هذا الضجر المبجّل

ولتظن أنّك في وحدتك

والآخرين جميعًا في وحدتهم

لا تسهمُ الكتابة في دفع الضجر، فأقصى ما يمكنها تلوينهُ.

الضجرُ ثانٍ بعد التنفس

في دورته المهيبة.

*

 

كان لا بدّ من الاستعباد كي نرى أشخاصًا

بألوان أخرى يسيرون بيننا

يقفون على الشّرفات ويتذكّرون حياتهم القديمة

ويقبلون بنا لأننا نعاملهم بأرقّ من العبيد

نمنحهم شفقة الحاجة الى أشخاص جدد

وصفات الاشياء الكثيرة في منازلنا.

*

 

كان لا بدّ من السخاء

لتقتربَ الهررة من أصابعكَ المرتبكة

والذباب من جلدكَ المسلوخ

ليكونَ وجهكَ مقبولًا رغم سماكة القناع

كي لا تشعرَ بكفيك مضمومين

وبأنّكَ تحسبُ أنّ لا موت بعد الحياة.

السّخاء صنو الفناء

ضدّ الفقر وجالبه.

هكذا كلّما مججتَ سيجارة وكرعتَ كأسًا تعرف أنك سخيٌ في قتلك.

وهكذا حين تنثر أطرافكَ تدبُّ في التراب حشرات وبكتيريا وسماعات يقيسُ بها الأطباء طرقات القلب.

السخاءُ متعةُ الثراء في غيابه.

*

 

كان لا بدّ من الحبّ

ترى العينين فتنقرهما نورًا

ترى الرقبةَ فتطيلها

ترى البطن فتقبلها

ترى المدينة السريّة فتبحث فيها عن خليلة

ولا ترى سريرًا إلاّ وحبيبتكَ تغويكَ فوقه.

الحبُّ فعلُ البشرِ الأول، أيروتيك الصّدمة الأولى

إدمان الصدمة يبقي الرحمَ طازجًا حتّى اليوم.

الحبُّ انشدادُ البشر إلى الطمأنينة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

خارج السّياق.. خارج النّفق

لا أعرفُ كيف أعيدُ ترتيبَ الكلام