ما بعد ليونيل ميسي

ما بعد ليونيل ميسي

بدأ ميسي مسيرته الكروية مع أكاديمية "لاماسيا" الخاصة ببرشلونة (Getty)

ذات يوم، في أواخر العقد الأول من القرن العشرين، هددت رابطة لاعبي كرة القدم في إنجلترا بالإضراب، قبل مئة وعشرة أعوام، كان اللاعبون يطالبون بالاعتراف وحسب، أقصى ما وصلوا إليه، في "مهد" اللعبة، بعد نصف قرن من ذلك التاريخ، أي في أوائل ستينيات القرن الماضي، كان إلغاء الحد الأقصى لأجورهم، والذي كان يبلغ 20 جنيهًا استرلينيًا آنذاك.

 لم يعد هناك لاعبون كسقراط البرازيل، أو مارادونا  الأرجنتين، أو كانتونا فرنسا، يريدون جميعًا أن يتصرفوا مثلما يفعل نجوم البوب وأبطال السينما الأميركية

 وبالتالي، سنحت لعدد من اللاعبين فرصة لعب كرة القدم من دون الحاجة إلى العمل في وظائف أخرى، في بلد كلبنان مثلًا، ما زال كثيرون خارج هذا التاريخ، يعملون صباحًا، ويلعبون كرة القدم بعد الظهر، والآن، لم يعد هناك أعمال بعدما تجاوزت نسبة البطالة نصف عدد السكان حسب التقديرات، ولم يعد هناك كرة قدم، بسبب الغاء الدوري لتعثر الأندية. عالميًا، الأمور مختلفة، اللاعبون رجال أعمال، سواء أحببت ليونيل ميسي آم لم تحبّه، سواء انتهت الزوبعة ببقائه موسمًا جديدًا مع برشلونة أم لم تنته، فسيبقى أبرز هؤلاء اللاعبين، رجل أعمال مثلهم.

 

لعبة ببعد واحد

خرج ميسي من "لاماسيا"، أو المدرسة التي تعتني بصناعة النجوم في برشلونة منذ الصغر، لعب مع نجوم آخرين محببين للجماهير، خرجوا من المكان نفسه، غنى معهم الأغنية الشهيرة للنادي الكاتالوني، وردد ذات يوم العبارة المحببة للجميع هناك: "أكثر من فريق"، القصد أن برشلونة هو عائلة، ثم استخدم الفريق كمحطة داعمة للانفصاليين في الإقليم.

 هذه "العائلة"، أيضًا، جعلت ميسي يكسب أكثر من مئة مليون يورو في السنة، القيمة الأساسية فيها هي لراتبه من النادي، إضافة إلى الإعلانات والأرباح الشخصية الأخرى، ليس ميسي قدّيسًا إذًا، بل هو رجل أعمال. يظهر في إعلان "بيبسي كولا"، وينزل بالباراشوت في إعلان لشركة اتصالات، ويحصل على أرباح من عائدات بيع أحذية، كما يتوقف جزء كبير من أرباح النقل التلفزيوني على ظهوره في المباريات.

اللاعبون رجال أعمال، سواء أحببت ليونيل ميسي أم لم تحبّه، سواء انتهت الزوبعة ببقائه موسمًا جديدًا مع برشلونة أم لم تنته

 شبكات المراهنات إن كانت عبارة عن مكاتب، أو أونلاين، تعتمد على "مزاج" ميسي وأقرانه، بدون ميسي ستتراجع نسب المشاهدة كثيرًا، وتاليًا ستتراجع نسبة الإعلانات، وسيؤدي هذا إلى "خسائر"، ميسي يعرف كيف يربح دائمًا، وليس فقط في كرة القدم.

ينمتي ليو إلى هذا العالم الرأسمالي، بصورة أوضح، إلى هذا العالم ببعده الواحد، كما يسميه ماركوزه، حيث يمكنك أن تعتقد أنك حرّ وأنت تختار بين السلع بينما أنت غارق في الاستهلاك، ينسحب الأمر نفسه على كرة القدم، من بين اللاعبين والسلع يمكنك أن تختار لاعبك/سلعتك المفضلة، وتعتقد أنك مشجع جيّد.

ميسي حصان رابح، والسباق الرأسمالي في ذروته، وليس جريمة أن يأتي مشجع ويقبل بكل هذا التوزيع الفاحش للثروة

 ولا يعني هذا أن التشجيع خيار خاطئ، أو أن هذه دعوة للمقاطعة، لا يمكننا التوقف عن الاستهلاك لمجرد التوقف، ولا يمكن التوقف عن التشجيع لمجرد التوقف، المشكلة مع المفهوم، وليست مع الفعل، أو في العلاقة بينهما، في تحولاتها من النظري إلى العملي، في الانتقال السريع إلى "ما بعد الاستهلاك". بكلمات أسهل بكثير، المشكلة ليست مع ميسي، ولا مع السلع، بل في فهم الأزمة، أو في تحديد مفهوم الأزمة، بالمعنى الذي يتحدث عنه إدغار موران.

 

هل قلت عدالة اجتماعية؟

لوقتٍ طويل، كانت كرة القدم، في مهدها، أي إنجلترا، لعبة الطبقة العاملة، وكان اللاعبون يعتبرون أنهم بانتقالهم إلى نمط رأسمالي، يتخلصون كأفراد من انتماءاتهم إلى هذه الطبقة، في عصر ميسي، كل شيء مختلف، العلاقة مقطوعة بين الطبقة العاملة وبين اللعبة، ليس لأن الطبقة العاملة نفسها لا تجد بالأصل اليوم محددًا تاريخيًا تستند إليه، إنما لأن اللاعبين يلعبون من أجل مصالح أخرى هذه المرة، وتحت تأثير الطبقة المهيمنة، ليس هناك سقراط في البرازيل، أو مارادونا في الأرجنتين، أو كانتونا في فرنسا، يريد هؤلاء اللاعبين أن يتصرفوا مثلما يتصرف نجوم البوب وأبطال السينما الأميركية، من دون أن يكون هناك أي وقت لنقاش "رومنسي" عن العدالة والأجور، من لديه الوقت لذلك؟

اقرأ/ي أيضًا: بارتوميو لم يحافظ على كلمته.. ميسي يُنهي كابوس عشاق البارسا ويهاجم رئيس النادي

يعرف متابع النقاش في قضية ميسي أخيرًا، أن أحدًا لا يهتم بالعدالة، وبتوزيع الثروة بهذا الشكل المجحف، مشاهدة مباريات فريقك في السنة، في معدل وسطي بين الدوريات الأوروبية الخمس الكبرى، ستكلفك بين 300 و500 دولارًا خلف شاشة التلفزيون، وفي الملعب، ستكلف أكثر من ذلك بكثير إذا جمعت كل المباريات.

وهذه الأرقام لا تبدو شيئًا في أجور اللاعبين الذين يقبضون بالملايين، وقد أتموا خروجهم من سلوك الطبقة الوسطى حتى، إلى طبقة أعلى بكثير، من الممكن أن ينزلق النقاش إلى نقطة، يذكر فيها أحد ما، أن ميسي مثل عدد كبير من أقرانه، متهم بالتهرّب الضريبي، يمكن أن يسأل أحد المحايدين، هل هو بحاجة إلى التهرّب الضريبي؟ تفسير السلوك الرأسمالي لا يحتاج لجهد كثير. لكن هذا كله ليس هامًا، ولا سيما في عالمنا العربي الغارق في مشاكله. النقاش الأساسي يتلخص في الأزمة بين قائد برشلونة في الملعب ورئيسه الإداري، وقد انحازت الجماهير إلى ميسي، لأنها تعرفه منذ 15 عامًا، وتشاهده منذ 15 عامًا، ولأنها بالأساس، انسحبت قبل ذلك بكثير من أي نقاش أخلاقي عن العدالة الاجتماعية، مشكلة هذا النقاش ليس أنه لم يعد مستحبًا، أو صار متأخرًا، بل أنه لشدة غرابته بالنسبة للعالم ببعده الاستهلاكي الواحد، لم يعد ممكنًا.

 

الحصان الرابح

يمكن إحصاء أشياء مفيدة، في قلب هذا النقاش، راتب ليونيل ميسي، يبلغ120 مليون جنيه استرليني سنويًا، لكنه ليس الوحش الوحيد، أو الرجل الرأسمالي الوحيد، اللعبة تجري على هذا النحو، كريستيانو رونالدو لاعب يوفنتوس الإيطالي، يحصل سنويًا على 109 ملايين استرليني، البرازيلي نيمار نجم باريس سان جرمان يتلقى 87 مليون إسترليني، الويلزي غاريث بيل لاعب ريال مدريد، ومن المحتمل أن الذين لا يتابعون كرة القدم لم يسمعوا باسمه، ينال 35.45 مليون استرليني، ويأتي بعدهم الفرنسى أنطوان غريزمان زميل ميسي في برشلونة الذي يحصل على 35.25 مليون إسترليني سنويًا.

 هذه الملايين التي تدفع ليست لوجه الله، وليست لفرط محبة اللعبة من الذين يديرونها، بل هي عبارة عن استثمارات، يجب أن تعود الأرباح عندما يرتفع الطلب على التذاكر والقمصان ومن حقوق النقل التلفزيوني والرعاية وكلفة البضائع وطبعًا من المراهنات، كي لا ننسى، حققت مكاتب المراهنات مكاسب رهيبة ثلاث مرات، عندما خرج برشلونة بخسارته من روما في الأولمبيكو بثلاثة أهداف دون مقابل، وعندما أخرجه ليفربول برباعية، وعندما سحقه بايرن ميونخ بثمانية أهداف لهدفين.

رغم كل شيء، ميسي ليس شخصًا يسجّل ويحتفل ويعود إلى المنزل وينساه الجميع، ليس حرفيًا عاديًا، يؤدي عملًا مقابل أجر، ثم يستدعى عند الحاجة، ميسي حصان رابح، والسباق الرأسمالي في ذروته، وأن يأتي مشجع ويقبل بكل هذا التوزيع الفاحش للثروة، ليس جريمة، في عالم يسعى للتخلص من جميع أشكال الحقيقة والقبض عليها، لا يحق لأحد أن يمنح الآخرين صكوكًا في كيفية تحقيق العدالة، من دون فهم واسع وواضح لدور الأيديولوجيا والعلاقة مع الزمن، لكن تصنيف خلاف ميسي مع إدارة برشلونة بوصفه مجرد خلاف في الرياضة، أو حول وجهات النظر، ليس توصيفًا دقيقًا، وفي أحسن الأحوال، توصيف بليد، يبدو أن هذا الخلاف، في النهاية، هو خلاف بين رجال أعمال أيضًا، ولا بد من مقاربته من هذه الزاوية أيضًا، قبل كل شيء آخر.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ميسي يتوّج بالكرة الذهبية للمرّة السادسة.. إليكم ترتيب اللاعبين الأفضل في 2019

ميسي يقلب التوقّعات وينال جائزة الأفضل.. تفاصيل جوائز الفيفا كاملة