ما بعد زمن الأخ الأكبر

ما بعد زمن الأخ الأكبر

جرافيتي بعنوان أمسك بي إن استطعت (فليكر)

لو كان نسْب اكتشاف العالم الجديد للرحالة الإسباني- الإيطالي كريستوف كولومبوس صحيحًا حقًا، فإن الاكتشاف الذي قدمه إدوارد سنودن، الموظف السابق في وكالة الأمن القومي الأمريكية، لا يقل أهمية عنه. 

لم يعد المواطن يُقمع فحسب، إنما يُصنَّع بحسب المواصفات التي تريدها الأنظمة

بمعزل عن السبب الإنساني الذي دفع بسنودن إلى المخاطرة بحياته، والكشف عن برامج بمقدورها التجسس على العالم كله، بمعزل عن هذا الدافع، تبقى نظرته إلى حرية القرن الواحد والعشرين نظرة خبير معلوماتي إلى عالم جديد، مجهول عنا، بقدر ما كانت الأمريكيتان مجهولتين قبل اكتشافهما. 

اليوم قد نعرف الجغرافيا جيدًا، وقد نسافر إلى حيث أردنا من دون رقيب، لكننا، وهذا ما أراد إدوارد سنودن قوله بالضبط، نترك نسخة افتراضية لأي تحرك أو محادثة نقوم بهما. الشريحة في الهاتف، البطاقة المصرفية، الكومبيوتر، بطاقة المترو، كل هذه تكنولوجيات مستغلة لبناء شخصية افتراضية، مستنسخة عنا، تتحرك على خرائط حواسيب وكالة الأمن القومي الأمريكي، فتذهب للقاء أصدقاء لها، مستنسخون هم أيضًا، ولهم في هذه الحواسيب عادت وهوايات مستنسخةـ 

أصدقاؤنا مثلنا تماماً، مستنسخون. بقول آخر، نحن محفوظون في "افتراضياتنا"، وإن كان بعض أصدقائنا يتذكرون أيامًا جميلة قضيناها برفقتهم، فبحسب ما يقوله سنودن إن الـ NSA تتذكر أيضًا الأيام التافهة التي نسيناها، أو حتى تلك التي نريد نسيانها. في "مواطن أربعة"، الوثائقي الذي أنجزته لورا بويتراس* لا يتكلم سنودن عن أي استنساخ لنا، لكنه يأتي على ذكر "التعقب" (لا تراسيبيليتيه). فعلى عكس المخابرات البعثية على سبيل المثال، لن يتبعك أي عنصر أمني في الشارع، بما أن الجهاز الأمني لديه طرق أخرى يراك عبرها. 

ربما نكون انتهينا حقًا من 1984 لجورج أورويل، فبظهور إدوارد سنودن، يتهيأ لنا بأننا ندخل في "منطقة الخارج" للكاتب الفرنسي ألان دامازيو، وهي رواية من الخيال العلمي تدور أحداثها في العام 2084 حيث المواطن لم يعد يقمع، إنما يُصنَّع بحسب المواصفات التي تريدها الأنظمة. وقد يكون المؤتمر الذي تم عقده مؤخراً في البرلمان الأوروبي للتحدث عن حرية القرن الحادي والعشرين وكيفية تحصينها هو الأنسب لتلخيص الحالة: الخصوصية على الإنترنت هي الحرية الحقيقية في هذا الزمان. كل شيء يبدأ من هنا. ومن بالغ الأهمية سن تشريعات جديدة، غير تلك العفنة الموجودة، تقف بوجه ماكينات التجسس.


* لورا بويتراس هي الصحافية التي نشرت، بالتعاون مع الصحفيين غلين غرينوالد وإيوان ماكأسكيل، مقابلة سنودن الأولى والمقالات الفاضحة عن التجسس، إضافة إلى بعض الوثائق القيمة التي هربها سنودن من وكالة الأمن القومي الأمريكي. يذكر أنه كان هناك آلاف الوثائق المهربة بحوزة الصحافيين الذين يعملان في صحيفة "الغارديان" البريطانية، لكنها أتلفت بعد رضوخ الصحيفة لأمر قضائي صدر من الجهات المختصة.