ما بعد الخامس عشر من تموز

ما بعد الخامس عشر من تموز

خالد ضوا/ سوريا

المكان الذي أنا فيه لا تنقصه الرطوبة رغم أنّ التاريخ في الخارج كان يشير إلى الخامس عشر من تمّوز قبل ثلاثة أيام. من حسن الحظ أنّ الحواس هنا تكون معطّلة والميت لن يشم رائحة جسدِه المتفسّخ. هنا بالضبط -على عكس ما كنتُ- أنا عديمة الإحساس ولا يخيفني شيء، ولا يعني هذا مطلقًا أنّي أتحلّى بالشّجاعة، بل "لا شيء". أيامٌ قليلةٌ وتبدأ ديداني بالتغريد لتأكل كاملَ جسدي، ويكون اللسان آخِره، لتليها مرحلة المجاعة، وهي مأساة هذه الديدان التي لا تجد سبيلًا حينها سوى البدء بحربٍ وحشيةٍ يأكل فيها أحدهم الآخر إلى أن تبقى دودة واحدة فقط لا تجد ما تأكله، فتموت جوعًا، ويعود القبر نظيفًا.

كيف وصلتُ إلى هنا؟ كنتُ عائدة من... (من يهتم أين كنتُ؟!). انتابتني نوبةُ عطسٍ اعتيادية. وضعت حبّة حساسية في فمي فور دخولي المنزل. علبة الماء الصغيرة على الطاولة فارغة، فاتجهتُ إلى المطبخ لشرب الماء بهدف ابتلاع الحبّة الملساء، لكن حين فتحت فمي وقبل أن أفرغ الماء لم أشعر بشيء. أين الحبّة؟ لقد علقَتْ -وهي ذات حجم كبير- في الجهاز التنفسي بين الأنف والبلعوم لتسدّه تمامًا. لو كان ما جرى فيلمًا مصورًا فهذه لحظة التشويق: حدَثَ خللٌ انقطعَ فيه النّفَس نتيجة اصطدام الشهيق بالزفير في منتصف الطريق، سعلتُ مع حاجة للتقيؤ دون نجاح.

في تلك اللحظة كانت الشهقة الواحدة تساوي..! أود هنا الاعتذار من الكثيرين الذين لم أعُد أميّز فيما بينهم الآن، ففي تلك اللحظة كانت الشهقة الواحدة تساوي كل من أحب.. ولا استثناء لأحد.

لم يعطني السعال فرصة للتنفس، بل كان يستهلك أيضًا بقية الهواء. لمعَ في ذهني الاتصال بأحدهم فتذكرتُ فورًا أنّي أبقيتُ هاتفي النقّال في ذلك المكان الذي لن يهتم له أحد. فكرتُ أن أزحف إلى خارج المنزل وأصرخ في الممر، لكن كيف لي أن أصرخ؟ أنا عاجزة عن الصراخ، فقط اختناق، وكأنّ أحدهم يشدّ حبلًا حول رقبتي. ثم قلتُ لن أنبح مثل كلبٍ في الممر. وبسبب تكبّري على ما أسميتُه نُباحًا، بدأتْ دموع الاختناق تسيل من عيني وسائلُ لزجُ يخرج من فمي. مع هذا كلّه، كان لديّ فضولٌ قاتلٌ بأن أرى نفسي في هذه اللحظة، ويا لحظّي الجميل! المرآة فوقي مباشرة، وكل ما عليّ فعلُه هو الوقوف، فوضعتُ كل ما تبقّى لي من قوة لتحقيق هذه الرغبة. نظرتُ إلى وجهي فأصبتُ بالذّعر. انقطاع النفس حوّل وجهي إلى قطعةٍ مشوهة، كنتُ مخيفةً وعيناي بارزتان كعيني وحشٍ ينازع. حينها تذكرتُ أنّ الميّت يأخذ شكل اللحظة الأخيرة ويرافقه هذا الشكل إلى قبره، فابتسمتُ وعلى ما أظن بقيتُ مبتسمةً إلى أن رأيتُ اللّحد فوقي.

ما من أحد هنا سواي، فلا صحو ولا نوم. لم أرَ حتى اللحظة اثنتي عشرة عينًا، ولا خمسمائة ملاك. مُنايَ أن ألتهم كبد الحوت صباحًا ولحم الثور مساءً، فأمّة الهاوية تصيبني بالهلع. ما يُطمْئِن أنّ طول وعرض القبر لم يتغيرا منذ أن وضعوني فيه، فعلى ما يبدو جلسات المحاكمة تحتاج إلى وقت.

لا يوجد هنا في هذا العالم وقت فراغ. القبور مليئةٌ بالأحداث، يمكن أن يصدر عن كل منها مجلة أسبوعية لو كان هناك توثيق. قد يكون هناك متنفّس قصير، وهو ما يتيح لي حاليًا سرد بعض ما أبوح به.

جاريَ الميت يتكوّر في مكانه الضيّق على يميني. أسمع صراخهُ الذي يفوق كثيرًا صراخ جارتي المستمر نتيجة صرَعٍ مُزْمن تعاني منه. حين كنتُ عائدةً إلى المنزل قبل أن آخذ تلك الحبّة كان صراخها في الممر آخر ما سمعته. هذه مناسبة لأتحدث باختصار عن إحدى القدرات الخارقة للبشر هنا: صراخٌ لا نهاية له.

مما لا شك فيه أن جاري يمر بأوقاتٍ عصيبة، ويذكّرني بألم كان ينتابني في قلبي: في طفولتي انغرزت شوكة رمّانٍ أسفل قدمي اليسرى. وجدتُ هذه الشوكة هنا مغروزة في ما كان يسمى "قلبي" وقد أنْبَتت ورقةً خضراء! من سخرية الأسباب التي تنتهي بها حياة المرء ما اختبرته بنفسي وأوصلني إلى هنا مبكرًا: كل تلك السنوات لم تتسبب تلك الشوكة بموتي، بل كانت نهايتي على يد تلك الحبّة الحقيرة.

أتوقف هنا عن السرد لأكشف عن أمرٍ قد لا يجدُه البعض مهمًّا: أنا غولاي. أجلسُ الآن أمام قبرِ حبيبي. تراودني أحلامٌ متسلسلةٌ عمّا بعد موته منذ ثلاثة أيام، فمشاهد القبور التي ذكرتُها هو من أطْلَعني عليها. ولأنّ حياتي تنحاز إلى موته، أقضي معظم وقتي هنا بكامل البلاهة، أشرحُ له حلمًا لكارل يونغ كان يشغل بال حبيبي الذي قرأه في مقدمة "الكتاب الأحمر" ولم يُكمله، وهو من الأحلام القليلة التي عجز فرويد عن تفسيرها. رأى يونغ في ذلك الحلم أنّ شخصًا تائهًا في أفكاره قد مرّ به، فسمع أحدهم يقول: "هذا هو الشخص الذي لا يمكنه أن يموت. لقد مات منذ 30 إلى 40 سنة، لكنّه لم يتمكن من التفسخ بعد".

أنا الآن هذا الميت الذي لن يتفسّخ.

اقرأ/ي أيضًا:

عالم الوجبات السريعة

بيروت