ما بعد البكالوريا.. كابوس الأسرة المغربية المتوسطة

ما بعد البكالوريا.. كابوس الأسرة المغربية المتوسطة

لا تنتهي معاناة الأسرة المغربية ماديًا ومعنويًا مع انتهاء مرحلة البكالوريا (أ.ف.ب)

بعد رحلة طويلة تخوضها الأسر المغربية لوصول أبنائها للسنة الأخيرة من التعليم الثانوي، يبدأ كابوس ما بعد البكالوريا، إذ لم تنته المعاناة بانتهاء مرحلة البكالوريا (الثانوية العامة)، بل بدأ فصل جديد منها مباشرة عقب إعلان وزارة التربية الوطنية على النتائج النهائية للدورة الأولى لسنة 2019؛ مرحلة البحث عن الخيارات المتاحة لاستكمال الدراسة الجامعية في المعاهد والمدارس العليا، وأيضًا في المؤسسات البديلة.

لا تنتهي معاناة الأسرة المغربية المتوسطة بنهاية التعليم الثانوي، إذ يبدأ كابوس مع ما بعد البكالوريا، وفصل جديد من البحث والمصاريف

تقسّم النتائج طلاب البكالوريا إلى فئتين: الأولى أصحاب المعدلات العالية، الذين بإمكانهم دخول المعاهد والكليات ذات المقاعد المحدودة. أما الفئة الثانية فهم أصحاب المعدلات المتوسطة الذين لا يبقى أمامهم سوى خيار واحد وهو طرق باب مؤسسات التعليم العالي ذات العدد اللا محدود، أو مؤسسات التكوين المهني التي تفتح شعبًا وتخصصات متنوعة لعدد كبير من الطلاب.

اقرأ/ي أيضًا: الثانوي في المغرب.. إقرار بالكارثة!

المعدل أولًا

سعاد، أم للتلميذة رميساء، الحاصلة على معدل 16.42 من 20 في الدورة العادية من معدل البكالوريا لسنة 2019. تقول سعاد في حديثها لـ"الترا صوت"، إن معاناتها كانت كبيرة من أجل أن تحصل ابنتها على معدل يُخول لها إجراء المباراة الانتقائية لكلية الطب، أو ولوج كلية طب الأسنان -معدلها أقل من الطب العادي- إذا لم تُوفق في المباراة.

البكالوريا في المغرب
بعد قلق مرحلة البكالوريا، هناك قلق أكبر تواجهه الأسرة المغربية هو الجامعة

حلمت سعاد وابنتها بكلية الطب، وسعت لتحقيق الحلم بكل الوسائل منذ دخولها إلى السنة الأولى ابتدائية. راقبت الأم مستوى ابنتها الدراسي منذ ذلك الحين، خصوصًا في السنوات الثلاث الأخيرة، أي سنوات المرحلة الثانوية، ولم تبخل بالمال على الدروس الخصوصية التي كانت تتلقاها ابنتها في المنزل بشكل فردي حتى تستفيد أكثر.

تُنفق الأسر المغربية الكثير من المال لإعانة أبنائها على النجاح في البكالوريا بمعدلات عالية، فمرحلة الاستعدادات تنطلق فور وصول التلميذ للمرحلة الثانوية، حينها تُخصص له الأسرة جهدًا ماديًا وطاقة معنوية كبيرة تستمر لسنتين على الأقل استعدادًا للامتحان الوطني الأخير (امتحان الثانوية العامة)، الذي بإمكان المعدل المحصل فيه تحديد مصير التلميذ ما بعد الباكالوريا.

تتحكم الأسر في اختيارات أبنائها التوجيهية، فتفرض بطريقة "سلطوية" على التلميذ الحصول على معدل عال يُسهل له الولوج إلى المدارس العليا، حتى يتجنب الجامعات المفتوحة، وغير محدودة المقاعد التي أصبحت لها سمعة سيئة بسبب تدني المستوى الدراسي فيها، فأغلب الأسر تعتقد أن الطلبة الذين يتابعون دراستهم بالكليات المفتوحة معرضون للبطالة وأن لا مستقبل مهني لهم.

ترفض سُعاد وبشدة أن تدخل ابنتها الكليات العادية، نظرًا لتراجع مستواها، بالإضافة إلى نظامها غير الصارم مع الطلبة، كما أن آفاقها تبقى محدودة لعدد كبير من الطلاب، باستثناء من ضاعف جهده وتكيف مع الوضع للاندماج في سوق الشغل المغربي.

وبلغة الأرقام، كشفت وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي والبحث العلمي، أن 860 ألف طالب وطالبة، أي ما يعادل 86% من الحاصلين على البكالوريا، يتجهون إلى المؤسسات الجامعية المفتوحة، 55% منهم يختارون كليات الحقوق والاقتصاد، مقابل ذلك تستقبل المؤسسات العليا محدودة المقاعد 14 في المائة من الحاصلين على البكالوريا.

محمد الراجي، وهو خبير ومخطط تربوي، قال في تصريح لـ"الترا صوت" إن هناك عوامل هي التي تتحكم في اختيارات تلاميذ البكالوريا وتوجهاتهم في المرحلة الجامعية بعد الحصول على شهادة المرحلة الثانوية، منها ما هو مرتبط بالمرجعية الثقافية والاجتماعية للأسرة، وأيضًا الانتماء الطبقي ما يحدد مسار التلميذ التعليمي منذ السنوات الأولى من تدريسه.

وأشار المتحدث إلى ضرورة "التوجيه الدراسي منذ سنوات الإعدادي للتلميذ، ليواجه تحدي الاختيار بشجاعة، مع الابتعاد على تأثير الأسرة والأساتذة والأصدقاء وتجارب المعارف، التي قد تؤثر في توجيه التلميذ".

كليات النخبة

تُوفر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي للتلاميذ الحاصلين على البكالوريا اختيارات دخول المؤسسات الجامعية المحدودة المقاعد، مثل الأقسام التحضيرية (سنتين)، التي يتمكن الطالب بعدها من دخول مدارس ومعاهد المهندسين، والمعاهد العليا للتجارة وإدارة المقاولات، والمدارس الوطنية للتجارة والتسيير، والأكاديمية والمدارس العسكرية والأمنية المختلفة.

يتمكن الطلبة الحاصلون على معدلات عالية من ولوج كليات الطب والصيدلة، وهذه المؤسسات كلها تشترط معدلات لا تقل عن 14 من 20، بعض هذه المعاهد والكليات تُنظم مباريات لانتقاء المؤهلين في المواد ذات الأولوية بالنسبة إلى كل تخصص، بالإضافة إلى المعدل والتمكن من اللغات خصوصا الفرنسية.

في الجهة الأخرى، هناك كليات مفتوحة ككليات الحقوق والاقتصاد والعلوم، وكليات الآداب، والمدارس العليا للأساتذة، هذه المؤسسات تفتح أبوابها في وجه الجميع شرط أن يكونوا حاصلين على البكالوريا، أما بخصوص التكوين المهني فقد استقطب حوالي 600 ألف طالب وطالبة.

التعليم الخاص.. كابوس الأسر

في المغرب هناك شريحة أخرى تحصل على المعدل العالي بطريقة مريحة، فعلى عكس الأسر المتوسطة والفقيرة التي أمامها خيار واحد وهو حصول أبنائها على معدلات عالية، هناك تلاميذ أبناء الأسر الغنية، التي تستعمل سلاحًا آخر لتحقيق مبتغى أبنائها، وتدفع مبالغ خيالية لمؤسسات "النخبة" الخاصة، أو التوجه نحو الخارج، وبالخصوص دول أوروبا الشرقية.

سنة 2010 أقرت الحكومة المغربية نص قانون يسمح بإحداث جامعات وكليات خاصة، بالإضافة إلى الاعتراف الكامل بهذه الشهادات، الأمر الذي جعل الملتحقين بالمؤسسات الخاصة يرتفع في العشرية الأخيرة، من 1047 إلى 6030 طالبًا، إذ ارتفع بنسبة 10% ما بين سنتي 2013 و2017، و15% بين سنتي 2016 و2017.

عادل شابٌ حصل على الباكالوريا سنة 2018 بمعدل 13 من 20، وهو معدل لابأس به. التحق بجامعة "الأخوين" الخاصة، واختار شعبة العلاقات الدولية تخصص إنجليزي. يقول عادل لـ"الترا صوت" إن اختياره منذ البداية كان لجامعة الأخوين، وحتى المستوى المادي لوالده خوّل له ولوج هذه المؤسسة التعليمية التي يقتصر روادها على أبناء الأكثر ثراءً.

البكالوريا في المغرب
غالبًا ما تتحكم الأسر في اختيارات أبنائها التوجيهية، بما يكلف الأسر نفسها ميزانيات ضخمة

عادل ابن واحدة من آلاف الأسر المغربية التي تطرق باب التعليم الخاص إذ لم يعد هذا النوع من التعليم مقتصرًا على الأسر الميسورة فقط، بل هناك أسر مغربية تنتمي إلى الطبقة المتوسطة تتحدى الظروف المادية وتلجأ إلى القروض من أجل إعطاء فرصة لأبناءها للحصول على مستوى تعليمي "محترم" يُخول لهم دخول سوق الشغل.

يقول محمد الراجي إن الطبقة الوسطى بشكل خاص أصبحت مهتمة بتوجيه أبنائها ومستقبلهم التعليمي، فهي بحسبه "تعتبر أن التعليم هو السبيل الوحيد للترقي الاجتماعي وتغيير الوضعية الاجتماعية في ظل تدهور المدرسة العمومية والتعليم الجامعي".

وأضاف الراجي أن "الأسر المغربية أصبحت ترى في أبنائها استثمارًا، تتخلى فيه عن أهم أولوياتها في الحياة لتوفير حاجيات التعليم التي تتجاوز في الكثير من الأحيان 200 ألف درهم مغربية (20 ألف دولار أمريكي)".

ترى الأسر المغربية في تعليم أبنائها استثمارًا، فتتخلى عن أولويات في حياتها من أجل توفير ميزانية للتعليم قد تتجاوز 20 ألف دولار أمريكي

إذًا، ليست ميزانية مرحلة البكالوريا هي النهاية بالنسبة للأسر المغربية من أجل ما يعتبرونه تعليمًا أفضل أبنائهم، فستقبل أفضلَ لهم، هناك ميزانية أخرى، أكثر أهمية كما يبدو، وأثقل على كاهل الأسر المتوسطة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

التعليم المغربي..أرقام صادمة رغم خطط الإصلاح

في المغرب.. سيطرة المدارس الخاصة تعمّق أزمة التعليم