"ما بعد الإسلاموية" وفهم تحولات الحركات الإسلامية.. في نقد أطروحة آصف بيات

يعالج مصطلح ما بعد الإسلاموية التغيرات في خطاب الحركات الإسلامية إزاء الدولة القومية (رويترز)

 يعيش الفكر الإٍسلامي الذي تتغذى عليه الحركات الإسلامية مرحلة من التحول، منذ مطلع القرن الحالي وإن كانت التحولات لم تأتِ جملة وقد مرّت بمراحل عدة منذ أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، التي جاءت مع انتشار موجات العنف العالمي عند تلك الحركات تحت مفهوم "الجهاد العابر للحدود"، إلا أنه في المقابل أعادت بعض الحركات الإسلامية إنتاج نفسها بالاندماج في الدولة القومية الحديثة والتأقلم مع قيم الدولة القومية nation state، وقدمت أطروحاتها للديمقراطية والمواطنة وحقوق الأقليات، تلك الأطروحات الجديدة التي تتبنى مفاهيم ملائمة أكثر للواقع.

من الواجب إعادة النظر بنزعة نقدية إلى جهود آصف بيات الخاصة بصياغته لمفهوم ما بعد الإٍسلاموية على نحو أنها تنظر إلى مرحلة مستقبلية من الممكن ألا تتحقق على الوجه الأكمل للمفهوم

وفي تسعينات القرن الماضي صاغ عالم الاجتماع الأمريكي من أصل إيراني "آصف بيات" لأول مرة أطروحته عن مفهوم "ما بعد الإسلاموية post Islamism"، وتعددت النقاشات حول الطرح الجديد الذي شارك فيه عدد من الباحثين المهتمين بدراسة الحركات الإسلامية على مستوى العالم وقياس هذا المفهوم على بعض الدول، وتشابكت الأطروحات التي حاولت تطبيقه على بعض الحالات في أنحاء العالم الإٍسلامي من مصر وتركيا والسودان وإيران والمغرب وتونس وأندونيسيا وباكستان ولبنان والسعودية.

اقرأ/ي أيضًا: تعرف على السيرة الكاملة للسلفية في مصر من المسجد إلى البرلمان

 وقد صدر الكتاب بعد الموجة الأولى من الثورات العربية في مصر وتونس وسوريا واليمن وليبيا، في أثناء مرور الحركات الإسلامية، التي يطلق عليها بيات "إسلاموية"، بفترة من التحولات بفعل الحالة الجديدة التي رافقت الثورات العربية. تحدث بعض المختصين عن توجيه ضربة قوية لأفكار التغيير بالعنف والسلاح ومفاهيم "الجهاد العابر للحدود". ومن ثم بدأ المفهوم مرة أخرى للظهور بشكل قوي للحديث عن تحولات تمر بها الحركات الإسلامية في خضم التحولات الكبرى التي كانت تعيشها بعض البلدان إبان تجهزها بفعل الثورات، وكذلك التحولات على المستوى الداخلي للحركات الإسلامية في وقت تجهزها للانتخابات، وتزامن ذلك مع تقديمها أطروحات أكثر ملائمة للدولة الحديثة تخاطب بها الجماهير.

وتحاول الورقة هنا سبر أغوار المفهوم نفسه "ما بعد الإسلاموية" كمدخل تفسيري لدراسة التحولات داخل الحركات الإسلامية وتقديم النقد لما وصل إليه "آصف بيات"، وذلك من خلال عرض ما وصل إليه وتفسيره والاشتباك معه. وبالطبع فإن الحديث عن مفهوم "ما بعد الإسلاموية" كمفهوم شامل يحتاج إلى أطروحات بحثية أكبر من ورقة بحثية، لكن من الجدير أن نذكرها ونعرضها، إلا أن التركيز سيكون على ما توصل إليه "بيات" في صياغته للمفهوم. ومن ثم يكون التساؤل الرئيسي هو: هل يمكن تعميم وصف "ما بعد الإٍسلاموية post Islamism" على التحولات الرائجة في الحركات الإسلامية نحو صياغة مفاهيم أكثر حداثة؟ والذي يتفرع منه سؤال فرعي: هل كانت أطروحة "بيات" تنظيرية أم تفكيكة لظاهرة موجودة بالفعل؟ وهل يجوز تعميم وصف "ما بعد إٍسلاموية" على الحركات الإسلامية التي بدأت تتبنى أطروحات أكثر حداثة؟

محاولة الاتفاق على صياغة واحدة للمفهوم

  • ما هي "الإسلاموية"؟

لا يمكن صياغة تعريف واحد لـ"ما بعد الإسلاموية" بدون ذكر النقيض وهو تعريف "بيات" لما أطلق عليه "الإسلاموية" التي يراها كأفكار وحركات تسعى لإقامة نظام الحُكم الإسلامي المتمثل في "الدولة" التي تُحكم بواسطة الشريعة الإسلامية وتطبيقاتها من خلال القوانين التي تمس الأخلاق. ويعتبر تمسك هذا النمط "الإسلاموي" بالدولة سمة أساسية من السمات التي تميزه، فهو يربط تحقيق أفكاره بالدولة، وكذلك بالمجتمع العقيدي الذي يعمل على إقامة "الخير" و محو "الشر" وتعتبر هذه الحركات أن تأمين الرفاه والخدمات الاجتماعية يتحققان تباعًا مع تحقيق هذين الهدفين الاستراتيجيين.[1]

بهذا المفهوم يُبعد "بيّات" بعض الجماعات المتمظهرة إسلاميًا من كونها حركات "إسلاموية" طالما أنها لا تربط أهدافها بــ"الدولة"، كجماعة "التبليغ والدعوة" مثلًا لأن مشروعها يتمحور حول انتفاضة من أجل "إعلاء الروح والتقوى الفعالة"  في نزع مباشر نحو "الفردانية individualism"، والعودة لما أقر به السلف الصالح من شعائر وعبادات تمس الفرد، ليس لغرض الدولة "الإسلامية" ولكن من أجل استعادة الروح المسلمة. أي إقامة مجتمع مسلم تتمثل فيه الشعائر وفق فقه العبادات.

وتعتمد الحركات "الإسلاموية" على "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" وهو بحسب بيات، مفهوم غامض تقوم الدولة بوظيفته، ويتمثل بشكل رئيسي في النموذجين المتباعدين "السعودي الوهابي" و"الإيراني الشيعي".

ومن هذا يمكن اختزال ما رآه "بيات" في أن الإسلاموية تفرض على المواطنين أو الرعايا "الواجبات" أكثر من "الحقوق"، وبالتالي يُنظر لـ "المواطنين" على أنهم رعايا مطيعين لا مواطنين ذوي حقوق وواجبات.

من تمثلات الظاهرة "الإسلاموية" بحسب بيات، جماعة "الإخوان المسلمون" التي نشأت في عشرينيات القرن الماضي في مصر على يد "حسن البنا"، وقد انتشر نموذج "الإخوان" في عدد من الدول حول العالم بشكل متفاعل في المجتمعات بين المعارضة والسلطة.

لم يقدم آصف بيات أنموذجًا صريحا عن تتبع التحولات داخل الظاهرة "الإسلاموية"، فعلى سبيل المثال لم تبق جماعة الإخوان المسلمين بنفس السرديات منذ نشأتها حتى صعودها للحكم وسقوطها منه في مصر مثلًا، واستلزمت كل مرحلة نوعًا من التحولات التي قدمتها في شكل أطروحات جديدة أو مراجعات. بيد أنه يُعزى له في الأمر تقديم مفهوم متماسك خاصة في الأمر المختص بـ"الوصول للسلطة"، لكنه لا يمكن تنسيبه لكل الحركات الموجودة بصورة متطابقة مع المفهوم.

  • "ما بعد الإسلاموية"

تتسم كل المصطلحات الـ"ما بعدية" بالسيولة الشديدة  من حيث التعريف، وقد تعارف فلسفيًا على أن "ما بعد" يشير إلى انتهاء حقبة معينة دون النجاح في تأسيس غيرها، أي انتهاء "الإسلاموية"، دون أن تنجح في صياغة مشروع واضح للدولة أو نظرية الحكم، أو إلى حدوث تحولات عميقة داخل الظاهرة قد تقوم بتغييرها عن الأصل الذي نشأت به.[2] بيد أن الظاهرة الإسلاموية لم تنته بقدر ما أعادت إنتاج نفسها مرة أخرى دون التخلي عن أصولها المكونة لها، أو الانحراف عن الرؤية التي تربطها بالوصول للسلطة، أي عدم انتهاء فكرة الدولة من أدبياتها. وبقدر ما اختلف إعادة الإنتاج خاصة في "الإسلاموية العربية" بين المشرق العربي والمغرب حيث بدت الحركات الإسلامية المشرقية أكثر تمسكًا بالنزعة التقليدية منه عنها في المغرب العربي، أي تلك الحركات التي أعادت إنتاج المفاهيم مرة أخرى دون المساس بالأصول ولكن في قالب جديد[3]، يتبنى فصل "الدعوي" عن " السياسي"، وهو ما ينفي ألا يكون "الإٍسلاموي" متحققًا فيها كما صاغه "آصف بيات".

احتل مفهوم "ما بعد الإسلاموية" مقام سردية جديدة أو نموذج تحليلي يمكن من خلاله توصيف وتفسير التطورات الحاصلة في بنيات وأفكار التجمعات وعلاقاتها التاريخية التي تنتمي إليها، وكذلك توجهاتها المستقبلية، أي أنه أضحى شبكة مفهومات مترابطة ببعضها تفيد تأسيس مرحلة فكرية جديدة تحت مسمى "ما بعد الإسلاموية".

وقد رصد "بيّات" بداية التوجهات الـ"ما بعد إسلاموية" في دراسته للحالة الإيرانية بعد الخميني، وفي مناقشته لظهور تيارات اجتماعية وأفكار دينية إصلاحية جديدة، بعد مراجعات من نخب التيار الإصلاحي، وقد لاحظ وجود نماذج تفسيرية عدة في خارج الحدود الإيرانية يمكن أن ينطبق عليها نفس المفهوم[4].

اقرأ/ي أيضًا: التراث الصوفي وتجديد الخطاب الديني​

من السهل لمس تأطير قاصر للمفهوم خاص بالحالة الإيرانية التي تختلف حركاتها الإسلامية عن الحركات الإسلامية الأخرى في البلدان ذات الأغلبية السنية مثلًا، كون الحركات الإسلامية في إيران تنشأ مثلًا في دولة ثيوقراطية، تعتمد المذهب الشيعي. أي أن هناك خصوصية حتى للحركات الإسلاموية الموجودة داخل إيران لا يمكن خروج نموذج تفسيري منها للحركات الإسلاموية خارج حدودها، بيد أن وجود سمات تشابه هو ما يدعو إلى المقارنة بينها وبين الحركات الإسلاموية في الدول ذات الأغلبية السنية.

ويُعرّف "بيّات" (ما بعد الإسلاموية): أنها تمثل حالة و مشروعًا، نتج عن التحولات السياسية والاجتماعية التي أعقبت مرحلة تجريب الإسلاموية التي تستمد من الشريعة، فقد أصبح الإسلاميون واعين بتمثل خطاباتهم واختلافاتها في وقت يحاولون فيه التأسيس لمراحل حكم قادمة، ومن ثم أضحت أٌطرهم السياسية عرضة للتساؤلات والانتقادات، وقد دفع هذا بعضهم إلى إعادة إنتاج لبعض المبادئ الإسلاموية بشكل جديد تحت ضغط الظروف والتحولات على المستويين الإقليمي والدولي، تمثلت في تشكيل الخطاب الديني والسياسي الأكثر حداثة.[5] واللافت أن بيات لم يتطرق لذكر أمثلة بعينها.

يرى بذلك "بيات" أن (ما بعد الإٍسلاموية) ليست حالة فقط بقدر ما هي مشروع، يحاول صياغة مفاهيم جديدة وتأطير استراتيجية أكثر حداثة تتجاوز المرحلة "الإٍسلاموية" في المجالات السياسية والاجتماعية والدينية، تحاول بذلك تقديم صورة جديدة للدين متماشية مع العصر، أي ليست علمانية أو غير إسلامية أو ضد التعاليم الإسلامية، بقدر ما هي إعادة إنتاج رؤى جديدة يمتزج فيها التدين بالحقوق والإيمان بالحرية، والإسلام بالتحرر.[6]

وهنا أول انقلاب على مبادئ "الإسلاموية " أي التأكيد على الحقوق للأشخاص، بدلًا من التركيز على الواجبات فقط، والتعددية عوضًا عن السلطوية الفردية، والتاريخية بدلًا عن النصوص، والمزاوجة بين قيم الإسلام والديمقراطية الليبرالية، من أجل تكوين "حداثة بديلة"، ورغم تأكيد "بيّات" أن حالة "ما بعد الإسلاموية" ليست علمانية بمفهومها الانقطاعي عن استحضار الدين في المجال السياسي على الأقل، إلا أنه أقرّ اعترافها ببعض الأسس العلمانية، وصّفها بمفاهيم فضفاضة كـ "التحرر من التزمت"، و"القطيعة مع احتكار الحقيقة الدينية"، والتأكيد على حرية التديّن ودور الدين في المجال العام، وكذلك التأكيد على مدنية الدولة.

نلمس مفهومًا فضفاضًا واسعًا لـ"ما بعد الإسلاموية" الذي صاغه بهذا التوصيف، وخلطه مع مفاهيم علمانية قد تجرد الإسلام نفسه وليس الإسلاموية، من مبادئه الأساسية، ومن ثم لا يمكن بهذا التوصيف إطلاق مفهوم "ما بعد إسلاموية" على ما انتهجه "آصف بيات" نفسه، أي أن هناك تناقضًا في تأكيده على عدم الانقطاع مع الأصول الدينية لكن الحقيقة تتضح في أن هناك صياغة جديدة ليست لها أي علاقة بالدين ذاته، خاصة بما يتعلق بالانقطاع في التعامل مع النص والحكم بـ"تأريخية النصوص"، وهي نظرة ماركسية تتعامل مع النصوص المقدسة وتحكم بتأريخيتها أي كونها ديلاكتيك صاعد لا تصلح للتعامل مع الواقع الحالي.

تشابك مفهوم "آصف بيات" لـ""ما بعد الإسلاموية" مع ما صاغه "أوليفر روي" عالم الاجتماع الديني الفرنسي الشهير في كتابه " فشل الإسلام السياسي" the failure of political islam [7] الذي تحدث عن فشل حركات الإسلام السياسي التي تنتهج العنف في محاولتها لتأسيس دولة تُحكم بالشريعة الإسلامية وتناقض مفاهيم الدولة القومية الحديثة، أي أنه حاول دمج الحركات التي تعتبر بالديمقراطية والحرية والتعددية والمواطنة ضمن إطار مفهومه لـ "ما بعد الإسلاموية"، واستخدم "روي" مرحلة ما بعد الإسلاموية وصفًا لحالة من النقص والركود الذي وصلت إليه الحركات والمنظمات الإسلامية في أوائل التسعينات، خاصة بعد فشل وإفشال تجربة "جبهة الإنقاذ الإسلامي" في الجزائر، وتصعيد المواجهات بين الجماعات الراديكالية الإسلامية والنظام المصري.[8]

يختلف إذن مفهوم "ما بعد الإٍسلاموية" بين "آصف بيات" و"أوليفر روي" رغم تطابق التسمية إلأ أن المدلول يختلف كما تبين سابقًا، وعليه فإن توصيف ما بعد إسلاموي قد يكون بين صياغة حالة جديدة تنقلب على الأصول الإسلامية من الأساس وتنقطع عنها (حالة آصف بيات) أو مجرد تجديد وتخلٍ عن بعض الفروع التي لم تعد ملائمة للحالة الزمنية المعاصرة  (حالة أوليفر روي).

كيف تنتقل الإسلاموية إلى ما بعد الإسلاموية؟

تحاول المقالة في هذا الجزء الوقوف على الأسباب التي تدفع إلى الانتقال من مرحلة "الإسلاموية" حسبما عرفها بيّات، إلى مرحلة "ما بعد الإسلاموية" كما صوّرها آصف بيات، ومن الجدير أن نذكر سمات الحركات الإسلاموية أولًا. تتفق الحركات الإسلاموية في الهدف "الدولة" وتتنوع في "الأساليب" التي تصل إليها تارة بوسائل سلمية "تيار الإصلاح" وتارة بـ العنف "الجهاديون". ويمكن توصيف ما يسعى إليه الإصلاحيون في إقامة دولة إسلامية من خلال الأُطر السلمية والأساليب الدستورية، فهم إسلاميون يفضلون الانتخابات ويؤمنون بجدواها، ويرفضون استخدام العنف في الوصول إلى السلطة، ويسعون إلى العمل من خلال الآليات الديمقراطية وتعبئة المجتمع المدني، والعمل من خلال النقابات المهنية والمنظمات غير الحكومية والمساجد والجمعيات الخيرية. تمثل جماعة "الإخوان المسلمون" كما يراها بيات في مصر والأردن والكويت والسودان والجزائر والأردن هذا الاتجاه، وكذلك "الجماعة الإسلامية" في باكستان، وحركة "ميلّي غوروش" في تركيا.[9] وتسعى هذه الحركات إلى بناء الهيمنة الأخلاقية والسياسية تصاعديًا من أسفل، أي بداية من أسلمة المجتمع وانتهاء بأسلمة الدولة، متوافقة مع منظور "جرامشي". وتستخدم تلك الجماعات لغة دينية وتعتمد من الدين إطارًا عامًا لمفاهيمها.

على النقيض تأتي ثانيًا الحركات "الجهادية" إلى استخدام العنف الموجه ضد مؤسسات الدولة الرسمية والمصالح الغربية وفي بعض الأحيان المدنيين من غير المسلمين ومن المسلمين أيضًا، وتستخدم نمط "الثورة اللينينة" في التغيير بالإطاحة بالدولة عن طريق العنف، أي تسعى إلى استخدام التغيير "من الأعلى" على نقيض الحركات "الإصلاحية"، وتعادي تلك الحركات "العلمانية" وتختلف عن حركات "الجهاد العابر للحدود" مثل "القاعدة" و"داعش" في حصر أنشطتها داخل الدولة. ما يجعل من الصعب استخدام نموذج "آصف بيّات" في الجمع بين النمطين تحت توصيف واحد "الإسلاموي"، مع الاختلاف الجوهري بين الحركات "الإصلاحية" و"الجهادية" في الوصول للسلطة.[10] أي لا يمكن إطلاق مفهوم "إسلاموي" على الحركات الإسلامية الإصلاحية وفي نفس الوقت نطبقه على الحركات الجهادية الثورية!

سمات التحول إلى مرحلة "ما بعد الإسلاموية"

وفق "بيات" فإن التحول إلى "ما بعد إسلاموي" يبدأ حينما تبرز المناداة بمبادئ "الديمقراطية وحقوق الفرد والتسامح  والمساواة بين الجنسين، وفصل الدين عن الدولة" مما يدفع النخبة إلى  إحداث نقلة نوعية داخل النموذج الفكري[11]، والانتقال إلى مرحلة تالية يتم التخلي فيها عن  ثوابت قد طال التمسك بها، كذلك فإن هذا الفكر يعيد إنتاج نفسه بصورة جديدة سمّاها "آصف بيات" بـ"ما بعد الإٍسلاموية". أي أن هناك مرحلة انتقالية بين "الإٍسلاموية" وما بعدها مرهون بتغيرات ديناميكية  داخلية.

يعود آصف بيات في تكميليته لـ"ما بعد الإسلاموية" إذًا بوصفها خطابًا انقطاعيًا عن النموذج "الإسلاموي"، ومن ثم يعود ليؤكد أنه قطيعة عن الإسلاموية بحالتها التي وصفها، وليس ما بعد "إسلامي" أي ليس انقطاعًا عن الدين كُليّا والسعي نحو  علمنة شاملة، بل يتواجد للدين حضور في المجال العام إضافة لكونه مكونًا ومؤثرًا، وهو مشروع بهذه الحالة أكثر استيعابًا.

القطيعة الخطابية مع النموذج الإسلاموي هو المسوغ الذي يمكن من خلاله إطلاق مفهوم "ما بعد إٍسلاموي" على الخطاب الجديد، بهذا المنظور يمكن وصف التجربة التركية المتمثلة في "حزب العدالة والتنمية AKP" بـ "ما بعد الإسلاموي"، إذ إن الأمر في حقيقته قطيعة بين الحزب وحركة "ميلي جوروش"، كما الحال في قطيعة الإصلاحيين في إيران مع أفكار التيار المحافظ الخوميني. وتشترك "ما بعد الإسلاموية" بحسب بيّات في مساحة واسعة مع "الإسلاموية الليبرالية" التي ترى الإسلام أساسًا متوافقًا مع الديمقراطية والدولة المدنية وحرية الفكر، بيد أن الاختلاف يتمثل في عدم سعي "ما بعد الإسلاموية" في خصخصة الإسلام، حيث تراه جزءًا من المجال العام يجب دعمه وتقويته.[12]

"ما بعد الإسلاموية" في مرحلة ما بعد الثورات العربية

تكاثرت الكتابات عن الإسلاميين بعد الثورات العربية، واختلفت التوجهات بين مؤيد ومعارض، وتركز التناول للمسألة الإسلامية على مشاركة الإسلاميين في الثورات من الأساس، بين الحكم بضعفها أو عدمها أو مشاركتهم في بلد دون آخر، وتم الاتفاق على أن الثورات العربية مثّلت صفعة للإسلاميين المتشددين وأنصار الجماعات العابرة للحدود مثل القاعدة، ولم تصطبغ الثورات العربية بـ"شعارات إسلامية"، وانشغلت أكثر بالمطالبة بـ"الديمقراطية والحرية والعدالة"، واتفق "آصف بيات" على إطلاق مفهوم "ما بعد الإسلاموية" على حالة الحركات الإسلامية التي آمنت بمنطق الثورات العربية وقيم الديمقراطية التعددية بالرغم من تمسكها بالصبغة الإسلامية.[13]

ويختلف "عبد الوهاب أفندي" مع "آصف بيات" في إطلاق "ما بعد إسلاموية" على حالة الثورات العربية ويفضل إطلاق اصطلاح "العابرة للإسلاميات" في وصف الثورات العربية استنادًا على أن معظم شعارات الإسلاميين ومطالبهم الخاصة بـ "الدولة" قد تجاوزها الزمن وأصبحت منصهرة في المجال العام نفسه، وبحسب "أفندي" فإن الشعارات نفسها قد تجسدت على أرض الواقع. مثلا في ميدان التحرير كان أغلب الموجودين فيه يقومون بدور صلاة الجماعة دون وجود سلطة فوقية قد تدفعهم للأمر.[14]

اقرأ/ي أيضًا: عزمي بشارة "في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟".. راهن المفهوم وسياقه التاريخي​

لكن من الصعب أن نقيس على حالة الثورات العربية، خاصة وأنها مرت بارتدادات عميقة قد أثرت في مساراتها، وأهدافها التي قامت من أجلها، ومرت الحركات الإسلامية بمرحلة من التحولات لا يمكن وصفها بـ "ما بعد الإسلاموية"، وحتى بيّات نفسه لم يتطرق في أطروحته إلى الحديث عن مرحلة ما بعد الثورات بشكل كافٍ، ولم يشر إلى تحوّل تلك الحركات نحو نموذج معيّن.

وفق "بيات" فإن التحول إلى "ما بعد إسلاموي" يبدأ حينما تبرز المناداة بمبادئ "الديمقراطية وحقوق الفرد والتسامح  والمساواة بين الجنسين، وفصل الدين عن الدولة" مما يدفع النخبة إلى  إحداث نقلة نوعية

ختامًا، يمكن الإشارة إلى جهود "آصف بيّات" في صياغة مفهوم "ما بعد الإسلاموية" في سياق التنظير إلى مرحلة لم تحدث بعد بالصورة المثالية لما صاغه، وليس في سياق تفكيكه لحركات أو نزعات قائمة بالفعل، وقد يحدث في بعض الأحيان أن تأخذ حركات معينة بالجانبين معًا فتلتزم "الإسلاموية" في جوانب معينة و"ما بعد الإسلاموية" في جوانب أخرى.

لذا فإنه من الواجب إعادة النظر بنزعة نقدية إلى جهود آصف بيات الخاصة بصياغته لمفهوم ما بعد الإٍسلاموية على نحو أنها تنظر إلى مرحلة مستقبلية من الممكن ألا تتحقق على الوجه الأكمل للمفهوم، في ظل التطورات والتحولات التي تشهدها الحركات الإسلامية.


[1] Asef,”post islamism”, P4.

[2] محمد مسعد العربي، ما بعد الإٍسلاموية الأوجه المتغيرة لدراسة الإٍسلام السياسي، مركز الجزيرة للدراسات 18 نوفمبر 2014، الرابط: https://bit.ly/2vEOqAA

[3] قد لا يكون التعميم مفيدًا ولكن غالب الحركات الإسلامية المتصدرة للمشهد في المغرب الغربي قامت بتحوّل شديد على مستوى المفاهيم

[4]عرابي عبد الحيّ عرابي، قراءة تحليليّةٌ لمفهوم "ما بعد الإسلاموية" في أطروحة "آصف بيات"، جسور للدراسات، 20 يوليو 2018، الرابط: https://bit.ly/2uyUwCG

[5] Asef, "Post-Islamism”, p8.

[6] Asef, "Post-Islamism”, p8

[7]  Olivier Roy. The Failure of Political Islam, Harvard University Press, 1996

[8] Khalil Al-anani, “posts”: the muslim brotherhood as a model, Post Islamism a new phase or ideological  center for strategic studies, p91_107.

[9] عرابي عبد الحيّ عرابي، قراءة تحليليّةٌ لمفهوم "ما بعد الإسلاموية" في أطروحة "آصف بيات"،مصدر سابق.

[10] المصدر السابق.

[11] Asef , “post islamism” , p15.

[12] عرابي عبد الحيّ عرابي، قراءة تحليليّةٌ لمفهوم "ما بعد الإسلاموية" في أطروحة "آصف بيات"،مصدر سابق.

[13]Bayat, Asef. "The Arab Spring and its surprises." Development and Change 44, no. 3 (2013): 587-601.

[14] El-Affendi, Abdelwahab A. "A Trans-Islamic revolution? Reflections on the fate of Islamism in the era of Arab mass revolutions." Critical Muslim 1, no. 1 (2012).