31-يوليو-2018

اعتزل أوزيل اللعب للمنتخب الألماني بسبب العنصرية (رويترز)

أثار إعلان اللاعب الألماني تركي الأصل، مسعود أوزيل، اعتزاله اللعب لصالح المنتخب الألماني جدلًا كبيرًا حول ما آلت إليه الأمور في ألمانيا من جهة العنصرية وتقبل ذوي الأصول العربية أو المسلمة. محررة "شبيغل أون لاين" رانية سلوم، والتي ولدت في ألمانيا لأبوين من سوريا وألمانيا؛ تعاطت مع قضية أوزيل من زاوية خاصة، كونها تعاني شيئًا مما عاناه أوزيل، وذلك في مقال لها ننقله لكم مترجمًا بتصرف فيما يلي.


ليس بالضرورة أن يكون المرء من عشاق لاعب كرة القدم الألماني مسعود أوزيل، ولا مانع من انتقاده على أخذه صورة رفقة الزعيم التركي رجب طيب أردوغان، ولا حرج حتى من انتقاد الرسالة التي أعلن فيها اعتزاله اللعب للمنتخب الألماني، لكن تحمل اتهامات أوزيل المتعلقة "بالعنصرية وعدم الاحترام" الكثير من الدلالات على مدى تقبل ألمانيا للمهاجرين حاليًا.

كان يبدو أن ألمانيا قد بدأت تحقق تقدمًا أكثر فيما يخص انصهار مختلف الأعراق في بوتقتها، لكن يبدو أنها بدأت تسير في الاتجاه المعاكس مؤخرًا

هناك القليل من الأمور المشتركة جدًا بيني أنا ومسعود أوزيل، فعندما قرأت منشوره المكون من ثلاثة أجزاء على مواقع التواصل الاجتماعي، والذي أعلن فيه اعتزاله اللعب للمنتخب الألماني لكرة القدم، وجدت العديد من الأشياء التي لم أتفق معها، وربما في مقدمتها، الصورة التي التُقِطت له مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لكنني لاحظت أيضًا أننا نتعرض لبعض المشاعر المشابهة في بعض الأحيان.

اقرأ/ي أيضًا: "ألماني حين أفوز ومهاجر حين أخسر".. أوزيل يعتزل بسبب العنصرية

إن اعتزال أوزيل يشير إلى أكثر من مجرد مستقبل الاتحاد الألماني لكرة القدم (DFB) أو المنتخب الوطني لكرة القدم. ويحمل اعتزال أوزيل، أو بالأحرى الأسباب التي قدمها لتبرير اعتزاله، مؤشرات على وضع الدولة الألمانية في صيف عام 2018.

مثلي مثل أوزيل والعديد من الألمان الآخرين الذين يحملون أسماء تبدو غريبة تحت سماء ألمانيا، نجد أنفسنا في وضعٍ أصبح يضطرنا إلى الدفاع عن هويتنا الألمانية بقوة أكبر من أي وقت مضى.

تعرض أوزيل لهجوم كبير بسبب صورته مع أردوغان
تعرض أوزيل لهجوم كبير بسبب صورته مع أردوغان

في وقتٍ سبق، كان يبدو لنا أن ألمانيا قد بدأت تحقق تقدمًا أكثر مما نشهده الآن، باعتبارها دولة انصهرت في بوتقتها مختلف الأعراق، لكن يبدو أنه في السنوات القليلة الماضية، بدأت تسير البلاد في الاتجاه المعاكس، وأصبحتُ أشعر بذلك، كلما أتلقى رسائل من القراء، يدعونني فيها إلى "العودة من حيث (أتيت)!"، أو يطرحون سؤال: "من أين أتيت حقًا؟". تصلني أيضًا رسائل تتضمن مجاملات مغلفة بالذم على غرار: "لم أكن أتوقع أن يمتلك شخص مثلك القدرة على التحدث بهذا المستوى".

أنا أيضًا أشعر بالألم عندما ألاحظ أن بعض الناس يسعون جاهدين إلى حرماني من هويتي الألمانية، وعادة ما أستشيط غضبًا عندما يحدث ذلك، واعتبر ببساطة أنه أمر شائن ومسيء، أن يعتقد الآخرون أنهم يستطيعون بطريقة ما أن يفرضوا عليّ هويتي، وأن يجبروني على الابتعاد، بطريقة ما.

قد أكون محظوظةً، لكن غيري اقل حظًا مني بكثير. أجل، قد يبدو ما أقوله وكأنه نوعٌ من الأنين أو البكاء، بل يمكنني حتى تخيل سماع البعض يقول "إنها تكتب في مجلة دير شبيغل، ماذا تريد أكثر من ذلك؟ ويبدو أنها تبلي بلاء حسنًا وتحقق أشياء جد رائعة لنفسها."

وهذا صحيحٌ أيضًا، أعتبر نفسي محظوظة لأنني ولدت وترعرعت في بلدٍ حيث لم يمثل اسمي الذي يبدو مهددًا أي عائق في مسار حياتي، بل ربما ساعدني ذلك في بعض الأحيان.

ربما كوني امرأة، لا ترتدي الحجاب ساعدني أيضًا وكان في صالحي، وأظن أن الأمور كانت ستكون أكثر صعوبة مع اسم كالذي أحمله لو كنتُ رجلاً، أو امرأة ترتدي الحجاب، هذا إذا أخذت بعين الاعتبار كمؤشرٍ ما أتلقاه من البريد الذي يحض على الكراهية بين الحين والآخر، والذي أحصل عليه كصحفية تعمل لحساب "شبيغل أون لاين".

يخطئ القراء أحيانًا ويظنون أنني رجل، ولدى آخرين قناعة راسخة بأن مثل اسمي لا يمكن أن يقف وراءه سوى امرأة محجبة. وأواجه أيضًا بعض المشاكل في حياتي اليومية، حيث يظن معظم الناس الذين ألتقي بهم أنني من أصلٍ أسبانيٍ، أو من الجانب الجيد على ضفتي البحر الأبيض المتوسط إذا صح التعبير! لكن لكل من يعرفني، لا يمكنه التردد ولو لحظةً واحدةً، بأنني ألمانية وليس أي شيءٍ آخر.

الألمان الذين يحملون أسماء "غريبة" تحت سماء ألمانيا، باتوا يجدون أنفسهم في وضع صعب
الألمان الذين يحملون أسماء "غريبة" تحت سماء ألمانيا، باتوا يجدون أنفسهم في وضع صعب

ليس أمرًا بديهيًا لأي شخص مثلي، يحمل اسمًا غريبًا بالنسبة للألمان، أن يشق حياته في ألمانيا دون أن تعترضه مشكلة. عشتُ سنوات في فرنسا، على سبيل المثال، حيث كان علي دائمًا تفويض رفيقة تشاركني المسكن، تحمل اسمًا أقل تهديدًا، للبحث عن شقق جديدة. إن الأسماء الأجنبية مقبولة في فرنسا طالما أنها لم تكن عربية، في بلدان أخرى، لم يعد أمرًا مستغربًا استجوابي لساعات على الحدود، مع إدراكي دائمًا، للاحتمالية الكبيرة التي تتمثل في عدم السماح لي بالدخول.

اختبار الهوية الأبدي

في الوقت الحاضر، أشعر بالقلق من أن كل ما حققته ألمانيا كدولة متعددة الثقافات معرض للخطر. وكل الخنادق التي اعتقدت أنها أغلقت بلا رجعة منذ فترة طويلة، يتم حفرها من جديد وعلى نحو أعمق. وأصبح كل طرفٍ يتحصن خلف متاريس خاصة به، من خلال الشتائم والإهانات، وتأليب "المهاجرين ناكري المعروف" ضد "العنصريين".

عندما كنت فتاةً صغيرةً، حذرني والدي من أننا "نحن" أطفاله ذوي الأسماء الغريبة، لن يتم قبولنا أبداً كألمان، وسخرتُ منه حينذاك، واعتقدت أن ما يقوله يعبر عن حساسيات الجيل الأول من المهاجرين فحسب، لا علاقة لذلك بحياتي، بالطبع، أنا ألمانية، واعتقدت أنه سيتراجع لاحقًا عما قاله بهذا الشأن – لقد تغيرت ألمانيا، حسبما قال، والآن أتساءل، هل تسرعتُ في إصدار الحكم؟

في الوقت الحاضر، أشعر بالقلق من أن كل ما كانت قد حققته ألمانيا كدولة متعددة الثقافات، بات معرضًا للخطر

ما الذي أرغب فيه أكثر؟ أولاً، أريد من الناس أن يتوقفوا عن افتراضهم أنهم يستطيعون تحديد شعور الانتماء لدى الآخرين. وأريد من الألمان الذين يبدو مظهرهم مختلفًا أو يحملون أسماء مختلفة أو يتحدثون بشكل مختلف، أن يتوقفوا عن شعورهم بضرورة الدفاع المتواصل عن هويتهم الألمانية. أصبح هذا الوضع يشعرني وكأنني ألمانية تحت المراقبة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أوروبا.. العنصرية ستسود

قانون ألماني جديد ضد الكراهية.. والفاشية تحارب من أجل "الحق" في العنصرية!