14-سبتمبر-2017

إنقاذ الصحافة الورقية يستلزمه ابتكار وخروج عن التقليدي (جاستن سوليفان/ Getty)

هناك شبه إجماع بين المهتمين بقطاع الصحافة الورقية في العالم العربي، بأن الأخيرة تواجه أزمة وجود بعد تراجع مبيعات الصحف بشكل مطرد، مما اضطر العديد منها إلى تسريح عامليها وإغلاق الصحيفة بعد عقود من العمل، فهناك صحف السفير اللبنانية والتجديد المغربية والفجر التونسية والنادي السعودية، والقائمة تطول، وكلها جرائد شُيّعت مؤخرًا إلى مقبرة الصحف، فيما تنتظر أخرى نحبها.

تشهد الصحافة الورقية أفولًا في ظل الثورة التكنولوجية، لكنها في بعض الدول العربية يكاد ينتهي أمرها تمامًا

صحافة ورقية بديلة

ورغم أن أفول الصحافة الورقية ظاهرة عالمية في ظل الثورة التكنولوجية الرقمية، إلا أن الأزمة تتعمق بشكل أكبر في المنطقة العربية، خاصة في بعض البلدان بعينها مثل المغرب والسودان، حيث توشك الصحف هناك أن يُدك المسمار الأخير في نعشها، لكن وسط هذه الوضعية المرثية للصحف، يُطرح السؤال الأهم، ما العمل إذن لإنقاذها؟

اقرأ/ي أيضًا: الصحافة المكتوبة مهددة في المغرب أيضًا

بالنسبة لعدد من المعنيين بالقطاع، لا يجدون إشكالًا في الجواب على هذا السؤال، فهم يقترحون ببساطة تقبل نهاية حقبة الصحافة الورقية بكل روح رياضية، والاتجاه نحو المستقبل الممثل في الصحافة الرقمية. أحد هؤلاء الإعلامي عثمان العمير، الذي قال في تصريحات صحفية إنها "صناعة وانتهت مثلما تنتهي كل الصناعات التي عشناها منذ اختراع المطبعة حتى الآن"، مضيفًا أن الصحافة الورقية لم تفعل شيئًا خاطئًا لتؤول الأمور إلى ما آلت إليه، فهي فقط تعاملت مع عوائد الزمن، على حد تعبيره.

غير أن معظم خبراء الصحافة لا يعتقدون بنظرية الانقراض الحتمي للجرائد الورقية، فلكل وسيلة إعلامية مكانتها المميزة عند الجمهور، ولا يمكن أن تلغي الواحدة الأخرى، مثلما لم يتسبب التلفزيون في انقراض المذياع، ومثلما لم يؤدّ ظهور السينما إلى موت المسرح، فقط "لم يعد بإمكان الصحافة الورقية أن تستمر في الوقت الراهن وهي تشتغل بنفس الطريقة التقليدية التي كانت عليها منذ عقود"، كما يقول شان رودجر.

وبالتالي فإن كلمة السر التي يقترحها الخبراء كترياق لتستطيع الجرائد الاستمرار، هي إيجاد "صحافة ورقية جديدة بديلة"، تختلف جذريًا مع الموجودة حاليًا، ومن أجل ذلك يُوصون بمجموعة من المفاتيح.

تغيير نوعية المحتوى

يعتقد شان روجر، وهو كاتب صحفي عمل محررًا ومديرًا لعدد من الصحف الورقية في أستراليا، أن المسألة ليست حربًا بين الورقي والإلكتروني، أو مقامرة بين الصحافة الورقية ونظيراتها الرقمية، حيث هناك خاسر ورابح، بل إن "الناس يختارون التعرض للمعلومات عبر أشكال مختلفة من الوسائل، ولا يزال الكثير منهم يهتم بالمضمون بشكل أساسي"، ومنه فإن اللعبة بالنسبة للصحف الورقية تكمن في تغيير تغطيتها الصحفية جذريًا، واختيار المحتوى القادر على جذب الجمهور.

وإذا كانت "الأخبار" هي عماد صفحات الصحف الورقية، فإن هذا الأمر لم يعد ممكننًا اليوم، لأن التركيز على الأخبار هو رهان خاسر مسبقًا أمام الصحافة الإلكترونية وصحافة المواطنة، التي تتميز بالتفاعل الفوري مع الحدث والسرعة والتحيين على مدار اليوم، وحتى الموجة الجديدة من الصحف الرقمية نفسها بدأت تبتعد عن هذا الاتجاه التقليدي، في ظل زحمة المواقع الإخبارية، وترسم لنفسها طريقًا خاصًا.

يعتبر تغيير نوعية محتوى الصحف الورقية حلًا لإنقاذها، بتركيز الصحيفة على التحقيقات الاستقصائية والتقارير المطولة والمواد المعرفية

 وبدل ذلك يقترح أسامة الرحيمي، واحد من المحررين في منتدى المحررين المصريين، في مقال له، بالتحول إلى "صحافة الموضوعات المطولة المميزة والممتعة"، على غرار المجلات، وذلك بالتركيز على التقارير الموضوعاتية والمواد المعرفية، بالإضافة إلى المقالات التحليلية والتقارير والتحقيقات الاستقصائية، مكتوبة بلغة حيوية ورشيقة وبإخراج جميل، بحيث تصنع الجريدة لنفسها تيمة تتفرد بها عن الباقي، محتوى وأسلوبًا وإخراجًا.

اقرأ/ي أيضًا: حرية الصحافة 2016..معركةٌ في سبيل الرسالة المهيمنة

وهو الجانب الذي يمكن أن تتميز فيه الصحيفة الورقية بشكل قوي، خاصة مع رداءة كثيرٍ من محتوى الصحافة الإلكترونية، وفقرها للتقارير المطولة والموثقة، الميزة التي تصب في صالح كل ما هو ورقي، بهذه الطريقة ستصبح الجريدة ليس فقط أكثر مصداقية في عين الناس، ولكن أيضًا أكثر حميمية مع القارئ الذي لن يقذفها في القمامة فور الانتهاء منها كما يفعل عادة مع الصحف الحالية.

التفكير في مصادر جديدة للتمويل

الصحيفة الورقية هي قبل كل شيء مقاولة، فلا يمكن أن تستمر بدون مال، ما دامت لا تتلقى الدعم من جهة معينة، ولذلك فإن عقلية المقاول ينبغي أن تحضر أيضًا لدى رؤساء ومدراء الصحف في إدارتهم، من أجل الوصول إلى حلول مبتكرة من شأنها تحصيل عائدات كافية لاستمرار الجريدة، لاسيّما وأن العامل الاقتصادي هو السبب الرئيس في توقف الصحف عن الصدور.

في هذا السياق فإن شان رودجر، وهو إلى جانب كتابته الصحفية، رجل أعمال؛ يذكر أن المؤسسات الصحفية الورقية في حاجة إلى تغيير نموذجها الاقتصادي القديم قبل أن تندثر، وذلك من خلال استحضار الروح المقاولاتية العصرية القائمة على الجودة والتخصص واستهداف جمهور بعينه، المبادئ التي من شأنها أن تضمن دائمًا للصحيفة حيزًا في السوق، فضلًا عن ضرورة البحث عن مصادر جديدة للتمويل بشكل مستمر.

ويحث رودجر الصحف كذلك على الاهتمام بجمع الإعلانات المبوبة من المواطنين والمؤسسات، باعتبارها ورقة رابحة تملكها الصحف الورقية، حيث لا يزال يُفضل الكثير من الناس نشر إعلاناتهم المبوبة على الصحف الورقية. كما يدعوها إلى فتح باب الاشتراكات على الإنترنت عوض إتاحة كافة محتوياتها مجانًا، إذ يبادر الأفراد عادة إلى دفع المال في حال وجدوا ما يثير اهتمامهم، خاصةً عندما تربط الصحيفة علاقة حميمية مع جمهورها الخاص.

وهو ما يتيح أيضًا إمكانية فتح الاشتراك لمجموعات خاصة بقراء الجريدة الأوفياء على الشبكات الاجتماعية والنوادي الاجتماعية، حيث يمكن للأفراد المنخرطين النقاش والتواصل فيما بينهم مع بعض الامتيازات التي يستفيدون منها، مقابل أداء رسم الاشتراك لدخول المجموعة.

وعندما تنجح الجريدة في تغطية اهتمامات جمهور معين، فإنها بذلك تجلب تلقائيًا معلنين أوفياء، الذين يفضلون نشر إعلاناتهم في صحيفة تستهدف عملاء شركاتهم المفترضين، أكثر من إشهار منتوجاتهم على صحف شاملة ذات جمهور عشوائي. علاوة على ذلك يجدر بالصحف الورقية التكتل لرفع الدعم الحكومي والضغط لتخفيض الضرائب على الصناعة الورقية، إضافة إلى القيام بحملات لتشجيع القراءة الورقية وسط الشباب تحديدًا.

على رؤساء ومدراء الصحف الورقية أن يفكروا أيضًا بعقلية المقاول المبتكر، لجذب الأرباح لصحفهم كي تستمر في الإصدار

سر استمرار الصحافة الورقية إذن، يكمن في مدى قدرتها على أن تصنع محتوى يميزها عما يُسوّق على الإنترنت وعلى المنصات الاجتماعية، حينئذ فقط يجد القارئ قيمة مميزة في الصحيفة، لا تعوضها أي وسيلة أخرى من وسائل الإعلام الجديد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عن زلات الأصابع في الصحافة

"كوابيس السلطة الرابعة".. كيف تغيرت الصحافة العربية في 2017؟