ما الذي يريده ترامب من غرينلاند؟
6 يناير 2026
منذ عودته إلى البيت الأبيض لولاية رئاسية ثانية، أعاد دونالد ترامب طرح قضية جزيرة غرينلاند بلهجة مختلفة عمّا فعله في ولايته الأولى، إذ كان الحديث يدور عام 2019 عن "شراء" الجزيرة في إطار صفقة اقتصادية، أما اليوم فقد انتقل الخطاب إلى مستوى أكثر حدّة، يتضمن التلميح بإمكانية ضمّها بذريعة "الأمن القومي الأميركي"، من دون استبعاد أدوات ضغط أشدّ.
تتمتع غرينلاند، التي تعد ثاني أكبر جزيرة في العالم بعد أستراليا، بحكم ذاتي واسع ضمن مملكة الدنمارك، لكنها تحتل موقعًا استراتيجيًا بالغ الحساسية. فالجزيرة تقع على مسار الممرات البحرية القطبية التي يفتحها ذوبان الجليد، وتحتضن قاعدة عسكرية أميركية أساسية هي قاعدة "بيتوفيك" (ثول سابقًا)، المستخدمة في منظومات الإنذار المبكر والفضاء. كما تحتوي على ثروات معدنية نادرة باتت محور سباق عالمي في ظل التحول نحو الاقتصاد الأخضر.
برّر ترامب تصريحاته بوجود نشاط متزايد لروسيا والصين في القطب الشمالي، معتبرًا أن السيطرة على غرينلاند لم تعد مسألة جغرافيا، بل ضرورة استراتيجية. وينسجم هذا الخطاب مع تحوّل في التفكير الأميركي يرى في القطب الشمالي ساحة صراع مفتوحة، وليس منطقة تعاون دولي كما كان الأمر في السابق.
تبدو تصريحات ترامب بشأن غرينلاند، حتى اللحظة، أقرب إلى الضغط السياسي أكثر من كونها خطة قابلة للتنفيذ
أثارت تصريحات ترامب ردود فعل حادة في الدنمارك وغرينلاند. وشهدت كلتاهما مظاهرات، خلال العام الفائت، رفعت شعار "غرينلاند ليست للبيع"، فيما شدّدت الحكومة الدنماركية على أن مستقبل الجزيرة يقرره سكانها وحدهم.
أما الآن بعد العدوان على فنزويلا وخطف رئيسها نيكولاس مادورو، وتصاعد تهديدات ترامب بالضم العسكري لعدة دول من بينها هذه الجزيرة، فقد ذهبت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميته فريدريكسن، إلى أبعد من ذلك حين حذّرت من أن أي محاولة استيلاء بالقوة على غرينلاند قد يعني عمليًا انهيار حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي يقوم نظريًا على احترام سيادة الدول الأعضاء. أما حكومة غرينلاند، فتبنّت موقفًا أكثر توازنًا، رافضة خطاب الضم، لكنها دعت في الوقت نفسه على لسان رئيس وزرائها، ينس فريدريك نيلسن، إلى فتح قنوات حوار مباشرة مع واشنطن، في محاولة لتحييد الجزيرة عن منطق الابتزاز والتهديد، ومنع تحويلها إلى ساحة صراع بين القوى الكبرى.
تبدو تصريحات ترامب بشأن غرينلاند، حتى اللحظة، أقرب إلى الضغط السياسي أكثر من كونها خطة قابلة للتنفيذ، غير أن خطورة هذا الخطاب لا تكمن في احتمال الضم بحد ذاته فقط، بل في تكريس منطق القوة على حساب القانون الدولي واحترام السيادة، وتضع أوروبا أمام اختبار القدرة على حماية أقاليمها وحدودها، وتنقل العلاقات الدولية باتجاه إدارة النزاعات بمنطق الابتزاز لا الحوار والتعاون.