ما الذي يخفيه وجه الجوكر في ثورات العالم؟

ما الذي يخفيه وجه الجوكر في ثورات العالم؟

قناع الجوكر في مظاهرات لبنان (أ.ف.ب)

يظهر قناع الجوكر أو المهرج، في جميع أنحاء العالم، ليس فقط في دور السينما حيث حقق فيلم تود فيليبس في غضون أسابيع قليلة عائدات كبيرة. لكن قناع المهرج أصبح واحدًا من أكثر الوجوه المستخدمة في المظاهرات التي تهز العديد من البلدان؛ من شوارع بيروت وبغداد وهونغ كونغ ولندن وتشيلي.

يظهر قناع الجوكر أو المهرج في جميع أنحاء العالم كأحد أكثر الوجوه المستخدمة في المظاهرات التي تهز العديد من دول العالم

لماذا ظهر القناع في الثورة اللبنانية مثلًا؟

هذه الظاهرة ليست الأولى، لأنه بعد إصدار فيلم "V for Vendetta"، ارتدت موجة من المتظاهرين قناع Guy Fawkes، كما استخدم البعض قناع Dali بوحي من سلسلة لا كازا دي بابيل. وتشترك جميع هذه الأقنعة في دلالتها الاحتجاجية، إلا أنها تختلف في دلالتها الوظيفية.

اقرأ/ي أيضًا: جيل لبناني مُعجز

ها هي غلة الثورة اللبنانية تصبح قابلة للقراءة، بعد ما يقارب ثلاثة أسابيع، ليس فقط من زاوية المكسب السياسي الآني والمتمثل في إلزام رئيس الحكومة سعد الحريري بالاستقالة، لا من خلال التخبط وتبادل الأدوار الذي تحاول أن تستخدمه الطبقة السياسية بهدف ابتزاز وتهديد الحراك، وإنما لأن هذه الثورة قد أكدت أن هناك سياق تاريخي متصل يدعى الربيع العربي، والذي استطاعت الشعوب في سياقه ابتكار أدوات ثورية أكثر فاعلية وأشد رسوخًا.

تأتي الثورة اللبنانية في مناخ عام كان فيه دعاة الواقعية السياسية يبشرون بانتصار معسكر الثورات المضادة "مرحليًا"، على وقع الصورة الغرنكية التي يرسمها المشهد السوري واليمني والليبي؛ مبدين حذرهم من انتفاضات كالتي حدثت مؤخرًا في مصر، وتشكيكهم في أهمية إنجاز الثورة السودانية، متناسين كيف استطاعت الثورة الجزائرية كشف تلك الصورة الهزلية لهذه الأنظمة، ممثلةً بالرئيس المعزول "بوتفليقة" الذي حتى اللحظة من المرجح لم يسمع بخبر إقالته!

لمحت هذه الريبة حتى في الأيام الأولى للثورة اللبنانية، من خلال غض البصر عن التراكم الذي حققه هذا السياق كاملًا، ناهيك عن الحرج الأكيد الذي تسببت فيه لمن جرّموا ظاهرة الربيع العربي منذ تجليها الأول في كل من تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن.

ويزداد حرج كل هؤلاء، عندما تَرافق الحراك في كل من لبنان والعراق على إيقاع واحد، وبدلالة مطلبية واحدة وواضحة لا تحتمل العبث ولا التخوين ولا الإدانة التي حاول ممارستها حزب الله في لبنان على لسان أمينها العام حسن نصر الله، عبر ظهوره المتكرر في الآونة الأخيرة، معلقًا على التظاهرات، ومحذرًا من الفراغ الذي كان خيارًا مغريًا بالنسبة للمتظاهرين، إذا كان معنى الامتلاء هو وجوده على الخارطة السياسية! مرسلًا التهديدات للمتظاهرين، والتوجيهات لمناصريه الذين اكتسبوا خبرةً في لعب دور الثورات المضادة في سوريا واليمن والعراق.

تشابه الأدوات المستخدمة في كلا الثورتين، والمتمثل في إعادة التأكيد على حق التظاهر كأداة فاعلة، بالإضافة إلى الإصرار على سلمية التظاهر واستمراريته، ليس كموقف أخلاقي استشهادي، بل كأداة لا بد منها حتى تضمن انتصارها؛ هذا التشابه كان دليلًا واضحًا وصريحًا على أن هذه الثورات تشكل امتدادًا لتاريخ من صياغة رؤية شاملة. 

وقد استطاع تراكم الخبرة الجماعية عند شعوب هذه المنطقة عمومًا، وتجاربها الذاتية من خلال الانتفاضات التي شهدتها بلدان الربيع العربي على مر السنوات السابقة، أن يساهم في تشخيص خصمها الواضح والصريح، متمثلًا في طبقة سياسية كاملة، لا ينفع معها أي إصلاح أو مهادنة.

فقد عرى الجانب المطلبي هذه الطبقة السياسية، ونزع عنها شرعيتها الدينية، من خلال شعار "كلن يعني كلن" في لبنان، مستندًا على امتداد مساحته، رافضًا لكل تحديد مناطقي أو طائفي، ما أتاح للمتظاهرين إفراغ الأداة الطائفية من إمكانية استخدامها، رغم التلويح المستمر بها.  

ولأن الثورة لحظة خلق، تستطيع الشعوب خلالها تكريس أفعالها الدلالية، كما فعلت الثورة اللبنانية من خلال سلسلتها البشرية التي اجتاحت لبنان، ليس مسافةً فقط، بل دلالةً أيضًا.

ويأتي استخدام هذا القناع، محملًا بالدلالات والمعاني، فرغم أن البشر عمومًا لا يميلون للطمأنينة لوجوه لا تحمل تعبيرات، إلا أن استخدام هذا القناع جاء كي يوجه صفعة لمن حاول تجريم هذه الانتفاضات، أو من حاول الظهور في دور المناصر فكشفت نفاقه.

لا تمثل الشخصية الخيالية "الجوكر" ولا الفيلم، تأييدًا للعنف في العالم الواقعي. لكن يؤكد بأن الأزمات الاجتماعية هي وليدة سياق كامل وظروف مختلفة، ويؤكد أيضًا الحزم الذي تحمله إرادة التغيير من خلال البرود الذي يحمله القناع، ورفض الابتزاز الذي تمارسه النخب السياسية عبر الحلول "السحرية" والهزلية التي تبتكرها.

جاء استخدام قناع الجوكر كي يوجه صفعة لمن حاول تجريم هذه الانتفاضات، أو من حاول الظهور في دور المناصر فكشفت نفاقه

على الثورة اللبنانية والعراقية اليوم مسؤولية مضاعفة، فهي لا تخوض مواجهة مع قوى الاستبداد في المنطقة فقط، بل إنها تكتسب دلالة إضافية على إيقاع مشهد انتفاضات الشعوب على امتداد خريطة العالم، التي ترفض تغوّل واستئثار الطغم المالية والنفطية بثرواتها واعتدائها المتواصل على حريتها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"بوعزيزي لبنان".. ينتصر أخيرًا

العراق ثورة