مالي على صفيح ساخن: خريطة الصراع بين الجهاديين والطوارق وروسيا وتداعياته الإقليمية
27 ابريل 2026
تشهد مالي تصعيدًا غير مسبوق في وتيرة العنف، مع عودة الهجمات المنسّقة التي تجمع بين تنظيمات جهادية مرتبطة بالقاعدة وحركات انفصالية طوارقية، في مواجهة الجيش المالي المدعوم من قوات روسية شبه عسكرية. هذا المشهد المعقّد يعكس تحوّل الصراع في البلاد من حركات تمرد متفرقة إلى حرب متعددة الأطراف ذات أبعاد إقليمية ودولية.
صعود الجماعة الجهادية: اللاعب الأقوى في الساحل
تُعد جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM) اليوم أخطر تنظيم جهادي في غرب أفريقيا، ليس فقط بحكم ارتباطها بتنظيم القاعدة، بل نتيجة تحوّلها إلى فاعل ميداني مرن وقادر على إعادة تشكيل نفسه وفق طبيعة الصراع. فمنذ تأسيسها عام 2017 عبر اندماج عدة فصائل، لم تعتمد الجماعة نمط المواجهة التقليدية مع الدولة، بل اختارت استراتيجية أكثر تعقيدًا تقوم على الاستنزاف الطويل وتفكيك سلطة الدولة تدريجيًا، بدل السعي إلى حسم سريع قد لا تملك أدواته.
خلال سنوات قليلة، نجحت الجماعة في ترسيخ حضورها في وسط وشمال مالي، مستفيدة من ضعف الدولة وتراكم الأزمات المحلية، قبل أن توسّع نطاق عملياتها إلى دول الجوار، خصوصًا النيجر وبوركينا فاسو، ما جعلها شبكة عابرة للحدود أكثر منها تنظيمًا محليًا. ولم يكن هذا التمدد عسكريًا فقط، بل رافقه بناء نفوذ اجتماعي عبر التحالف مع مكونات قبلية، والاعتماد على اقتصاد موازٍ قائم على التهريب والجباية غير الرسمية، ما منحها قدرة على التموضع داخل النسيج المحلي بدل البقاء كجسم دخيل.
لكن ما يميّز المرحلة الراهنة هو التحول النوعي في أدائها العملياتي. فالهجمات الأخيرة لا تعكس مجرد تصعيد في العدد أو الجرأة، بل تكشف عن مستوى عالٍ من التنسيق والتخطيط، مع القدرة على ضرب أهداف حساسة، بعضها يقع في نطاق قريب من العاصمة باماكو. هذا التطور يشير إلى أن الجماعة لم تعد تكتفي بإدارة حرب أطراف، بل باتت قادرة على اختبار مركز الدولة نفسه، في مؤشر على انتقالها من مرحلة الانتشار إلى مرحلة الضغط الاستراتيجي.
خلال سنوات قليلة، نجحت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" في ترسيخ حضورها في وسط وشمال مالي، مستفيدة من ضعف الدولة وتراكم الأزمات المحلية، قبل أن توسّع نطاق عملياتها إلى دول الجوار، خصوصًا النيجر وبوركينا فاسو، ما جعلها شبكة عابرة للحدود أكثر منها تنظيمًا محليًا
تحالف الضرورة: الجهاديون والطوارق
إلى جانب الجماعات الجهادية، برزت جبهة "تحرير أزواد" (FLA) كلاعب مهم في المشهد، وهي حركة طوارقية انفصالية حديثة التشكّل، تأسست في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2024. وضمت الحركة الوطنية لتحرير أزواد، والمجلس الأعلى لوحدة أزواد، والحركة العربية الأزوادية، وجماعة إمغاد للدفاع الذاتي للطوارق وحلفائهم.
تسعى الجبهة إلى إعادة طرح مشروع استقلال شمال مالي. ظهور هذه الجبهة لا يعكس فقط عودة الطموحات الانفصالية، بل يشير إلى إعادة تنظيم المجموعات الطوارقية في صيغة أكثر مرونة بعد سنوات من التراجع والانقسام.
ورغم التباين الجوهري بين المشروعين، الجهادي العابر للحدود، والطوارقي القومي المرتبط بالجغرافيا، فإن التطورات الميدانية دفعت الطرفين إلى ما يشبه تحالف الضرورة. فعدوّهما المشترك، المتمثل في السلطة المركزية في باماكو، خلق مساحة للتقاطع، ولو بشكل مؤقت وبراغماتي، يتجاوز الخلافات الأيديولوجية.
هذا التقارب لم يكن رمزيًا، بل انعكس عمليًا على الأرض. فقد منح الجهاديين عمقًا جغرافيًا أوسع للتحرك والتمدد، خصوصًا في مناطق الشمال ذات الحساسية العرقية، في حين حصل الطوارق على دعم عسكري نوعي وخبرة قتالية متراكمة. والنتيجة كانت ارتفاعًا ملحوظًا في مستوى التنسيق العملياتي، تُرجم في هجمات متزامنة طالت عدة مناطق، وبإيقاع أكثر تنظيمًا من السابق.
هذا المشهد يعيد إلى الأذهان ما جرى عام 2012، حين تلاقت مصالح الجهاديين والطوارق في لحظة مفصلية غيّرت ملامح الصراع في شمال مالي. لكن الفارق اليوم أن السياق أكثر تعقيدًا وتشابكًا؛ فالدولة تبدو أكثر ضعفًا وأقل قدرة على فرض السيطرة، في وقت دخل فيه عامل جديد على المعادلة يتمثل في الحضور الروسي المباشر، إلى جانب تنظيمات جهادية باتت أكثر خبرة وانتشارًا وقدرة على التكيّف مع تحولات الميدان.
في ظل هذه المعطيات، لا يبدو التحالف القائم مجرد تقاطع عابر، بل تطوّرًا نوعيًا قد يعيد رسم موازين القوة في شمال مالي، خصوصًا إذا ما استمر هذا التنسيق وتحوّل من تكتيك ميداني مؤقت إلى نمط ثابت من العمل المشترك.
الجيش المالي والدعم الروسي: حسم غائب
منذ الانقلاب العسكري عام 2020، أعادت مالي رسم تموضعها الدولي، مبتعدة تدريجيًا عن فرنسا وحلفائها الغربيين، ومتجهة نحو شراكة أمنية أوثق مع روسيا. هذا التحول لم يبقَ في إطار السياسة، بل تُرجم ميدانيًا عبر حضور قوات شبه عسكرية روسية، تمثّل أولًا في مجموعة "فاغنر"، قبل أن يُعاد تنظيم هذا الوجود تحت مسمى "فيلق أفريقيا" (Africa Corps) .
تلعب هذه القوات أدوارًا متعددة، تتجاوز الدعم اللوجستي إلى المشاركة المباشرة في العمليات القتالية، إلى جانب تدريب وحدات من الجيش المالي، وتأمين حماية للنظام الحاكم. غير أن هذا الانخراط لم يحقق النتائج التي كانت تعوّل عليها باماكو، إذ لم يتمكن الجيش، رغم هذا الدعم، من القضاء على التمرد أو استعادة السيطرة الكاملة على مناطق الشمال.
بل على العكس، تشير تقديرات متزايدة إلى أن الاعتماد على المرتزقة ساهم في تعقيد المشهد، خصوصًا في ظل اتهامات متكررة بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين. هذه الانتهاكات لم تؤدِّ فقط إلى تآكل الثقة بين السكان والسلطة، بل وفّرت أيضًا بيئة خصبة لتغذية السخط المحلي، وهو ما استغلته الجماعات الجهادية لتعزيز حضورها وتوسيع قاعدة التجنيد، في حلقة تعيد إنتاج العنف بدل احتوائه.
لماذا يتصاعد العنف الآن؟
لا يمكن فهم التصعيد الأخير في مالي بمعزل عن مجموعة من العوامل المتداخلة التي أعادت تشكيل المشهد الأمني في البلاد خلال السنوات الأخيرة. في مقدمة هذه العوامل، يبرز ضعف السلطة المركزية، إذ يواجه المجلس العسكري تحديات داخلية وخارجية متراكمة، من ضغوط سياسية واقتصادية إلى عزلة نسبية على الساحة الدولية، ما يحدّ من قدرته على بسط السيطرة الفعلية خارج المراكز الحضرية.
في الوقت نفسه، خلّف الانسحاب الفرنسي، ولا سيما انتهاء عملية "برخان"، فراغًا أمنيًا واضحًا لم تتمكن الدولة أو حلفاؤها الجدد من ملئه بكفاءة. هذا الفراغ أتاح للجماعات المسلحة إعادة الانتشار، بل والتقدم في بعض المناطق التي كانت سابقًا تحت ضغط العمليات العسكرية الدولية.
إلى جانب ذلك، شهدت الجماعات المسلحة تحولًا في استراتيجياتها القتالية، إذ انتقلت من نمط الهجمات المتفرقة إلى تنفيذ عمليات منسقة وواسعة النطاق، تعكس مستوى أعلى من التنظيم والتخطيط، وتستهدف إرباك الدولة بدل استنزافها فقط.
العامل الأكثر حساسية يتمثل في تلاقي المصالح بين الفاعلين المسلحين، كما هو الحال في التقارب بين الجهاديين والمتمردين الطوارق. هذا التقاطع، حتى وإن بدا ظرفيًا، أوجد قوة ميدانية أكثر تماسكًا، قادرة على تحقيق مكاسب سريعة، ومضاعفة الضغط على السلطة المركزية في آن واحد.
صراع يتجاوز الحدود: تداعيات إقليمية خطيرة
ما يحدث في مالي شأنًا داخليًا يمكن احتواؤه ضمن حدود الدولة، بل تحوّل إلى بؤرة تهديد إقليمي مفتوحة، تتجاوز تداعياتها الجغرافيا المالية لتطال مجمل منطقة الساحل وغرب أفريقيا. فمع تراجع السيطرة على الحدود واتساع رقعة الفراغ الأمني، بات انتقال المجموعات المسلحة بين الدول أمرًا شبه اعتيادي، ما أدى إلى تمدّد العنف نحو النيجر وبوركينا فاسو، وتحويلهما إلى ساحات موازية للصراع.
هذا الامتداد لم يتوقف عند دول الساحل، بل بدأ يضغط على دول غرب أفريقيا الساحلية، مثل بنين وتوغو، التي كانت تُعد حتى وقت قريب بمنأى نسبي عن هذا النوع من التهديدات. اليوم، تسجّل هذه الدول تسللات وهجمات متزايدة، ما يشير إلى خطر انتقال عدوى عدم الاستقرار جنوبًا.
في موازاة ذلك، يتصاعد التنافس الدولي على النفوذ في المنطقة. فروسيا تعزز حضورها عبر الشراكات الأمنية والدعم العسكري، في وقت يشهد فيه النفوذ الغربي تراجعًا نسبيًا، ما يحوّل الساحل إلى ساحة مفتوحة لإعادة رسم التوازنات الجيوسياسية، بعيدًا عن المقاربات التقليدية لمكافحة الإرهاب.
وعلى الأرض، تتفاقم الأزمة الإنسانية بشكل مقلق، مع نزوح مئات الآلاف، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وانهيار تدريجي في الخدمات الأساسية، ما يزيد من هشاشة المجتمعات المحلية ويغذي دوامة العنف.
أمام هذه المعطيات، يطرح السؤال نفسه: هل تتجه مالي نحو سيناريو الانهيار؟
المؤشرات الحالية لا تقدّم إجابة حاسمة، لكنها ترسم مسارين محتملين:
الأول، استمرار حرب الاستنزاف، حيث يطول أمد الصراع دون حسم، مع بقاء توازن هش بين الأطراف، ما يكرّس حالة اللااستقرار.
أما الثاني، فهو توسّع تدريجي في نفوذ الجماعات المسلحة، في حال استمرار ضعف الدولة، ما قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على مزيد من المناطق، خصوصًا في الشمال والوسط، مع احتمال انزلاق البلاد نحو انهيار السلطة المركزية وما قد يرافقه من فراغ سياسي وأمني واسع النطاق.
في المقابل، يظل الغائب الأبرز هو المقاربة السياسية الشاملة. فالصراع في مالي لا يمكن فصله عن جذوره العميقة، من التهميش التاريخي لمناطق الشمال، إلى التعقيدات العرقية، وصولًا إلى غياب التنمية. من دون معالجة هذه العوامل، سيبقى الحل الأمني وحده عاجزًا عن إنهاء الأزمة، مهما تغيّرت التحالفات أو تعددت التدخلات.
صراع متعدد الطبقات
لم يعد الصراع في مالي مجرد مواجهة تقليدية بين دولة ومتمردين، بل تحوّل إلى نموذج معقّد لحروب العصر الحديث، حيث تتداخل فيه مستويات متعددة من الفاعلين: جماعات جهادية عابرة للحدود، حركات انفصالية ذات مطالب محلية، وقوى دولية تسعى إلى تثبيت نفوذها في منطقة استراتيجية.
هذا التشابك لا يعقّد مسار الصراع فحسب، بل يجعل أي محاولة للحسم العسكري محدودة الأثر ومؤقتة النتائج، في ظل غياب رؤية سياسية جامعة تعالج جذور الأزمة. ومع استمرار هذا الفراغ، ومع احتمال انهيار النظام، تبدو مالي مقبلة على مرحلة قد تمتد تداعياتها إلى الداخل عبر اتساع الفوضى وتراجع مؤسسات الدولة، وإلى الإقليم من خلال توسّع نفوذ الجماعات المسلحة وتداعياته تطال منطقة الساحل بأكملها.