مالي.. جذور الصراع في أزواد (الجزء الأول)
13 يوليو 2026
على امتداد أكثر من ستة عقود، ظل إقليم أزواد في شمال مالي مسرحًا لأحد أكثر الصراعات تعقيدًا في منطقة الساحل الإفريقي. فبين مطالب الطوارق والعرب بالحكم الذاتي أو الاستقلال، وسعي الدولة المركزية في باماكو إلى فرض سيادتها على كامل أراضيها، تشكلت أزمة مزمنة أعادت رسم المشهد السياسي والأمني في مالي مرات عديدة. فكيف بدأت القصة؟ وما الذي جعل أزواد تتحول من قضية محلية إلى عقدة إقليمية ودولية؟
في الجزء الأول من هذا الملف، نتتبع البدايات التاريخية للأزمة الأزاوادية، ونستعرض محطات التمرد الأولى، ودور الطوارق في تشكيل معادلة الصراع، وصولاً إلى اللحظة التي دخلت فيها القضية مرحلة جديدة غيرت وجه مالي ومنطقة الساحل بأسرها
حوار في القصر الرئاسي
في القصر الرئاسي بالعاصمة المالية باماكو، وتحديدًا في أحد أيام شهر حزيران/يونيو 2002، دار حوار قصير بين الرئيس المنتخب آنذاك آمادو توماني توري، العائد إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع مرتديًا ربطة عنق بعد أن خلع بزة العقيد الانقلابي التي أدخلته القصر نفسه عام 1991، وبين قائد أزوادي طموح قاد التمرد في الإقليم المضطرب شمال البلاد منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، هو إياد آغ غالي، الذي سيكون له شأن كبير فيما بعد.
سأل الرئيس توري ضيفه، الذي أقنعه الوسيط الليبي الراحل معمر القذافي بصعوبة بالجلوس مع غريمه: "لماذا تعد الصحراء الكبرى صعبة؟"
بعد سنوات قليلة من الاستقلال، انتفض سكان الشمال، المنهكون من التهميش والإقصاء، في تمرد مسلح صيف عام 1963 عُرف بثورة كيدال، حيث طالب الطوارق بحكم ذاتي لمناطقهم، رافضين الخضوع لسلطة باماكو
أجاب القائد الأزوادي: "سيدي الرئيس، الصحراء تلفظ الغرباء، ويحتاجون دائمًا إلى دليل من أهلها لعبورها، وهي ليست أرض مقام لهم". ابتلع الرئيس المالي بهدوء تلميحات خصمه العنيد، وهو يبتسم متسائلًا: "ولماذا لا تكون أنت دليلنا في الصحراء، مع أننا لسنا غرباء؟"
كانت تلك بداية مرحلة هدوء نادرة في العلاقة بين باماكو وإقليم أزواد، وهي علاقة اتسمت بالاضطراب والصدام على مدى عقود.
دولة مستقلة… وأزمة مبكرة
منذ استقلالها عن فرنسا عام 1960، لم تنعم الدولة المالية الفتية برفاهية الاستقرار. فإلى جانب الإرث الاستعماري المتمثل في الفقر والانهيار الاقتصادي، كان هناك شرخ اجتماعي كبير بين أقلية من الطوارق والعرب لا تتجاوز نسبتها 10 % من إجمالي السكان الذي يزيد على 20مليون نسمة، لكنها تقطن نحو 66 %من مساحة البلاد التي تتجاوز مليونًا ومائتي ألف كيلومتر مربع.
ويشكل إقليم أزواد، موطن الطوارق والأقلية العربية، ما يزيد على نصف مساحة البلاد، وكانت السيطرة على تلك الصحراء الشاسعة أول تحدٍّ سقطت فيه الدولة المركزية حديثة النشأة في باماكو.
ولأن استقلال مالي، التي كانت تُعرف في الحقبة الاستعمارية باسم "السودان الفرنسي"، جاء في إطار عملية انتقال السلطة التي قادتها فرنسا في مستعمراتها الإفريقية، فقد انتقلت السلطة إلى مكونات عرقية إفريقية اعتُبرت مهيمنة في البلاد، ولا سيما "المالينكي" و"الماندينغ"، اللتان ينتمي إليهما على التوالي أول رئيسين لمالي: موديبو كيتا وموسى تراوري.
ثورة كيدال الأولى
بعد سنوات قليلة من الاستقلال، انتفض سكان الشمال، المنهكون من التهميش والإقصاء، في تمرد مسلح صيف عام 1963 عُرف بثورة كيدال، حيث طالب الطوارق بحكم ذاتي لمناطقهم، رافضين الخضوع لسلطة باماكو التي تبعد عن كيدال نحو 1500 كيلومتر.
سحق الجيش المالي التمرد دون رحمة، وقُتل وجُرح الآلاف، معظمهم من المدنيين، فيما فر قادة الثورة إلى دول الجوار، خاصة الجزائر وليبيا، اللتين ستلعبان أدوارًا محورية في تطورات القضية لاحقًا.
الطوارق… من التمرد إلى التسوية
طوال ثلاثة عقود، لم تهدأ المناوشات بين السلطة المركزية في باماكو والمتمردين الطوارق الذين كانوا يجوبون الصحراء ويهاجمون مراكز النفوذ المالي في غاو وتمبكتو وكيدال.
وكان عام 1991 مفصليًا في تاريخ الصراع، إذ ساهمت الحرب في الشمال في إضعاف نظام موسى تراوري، وصولًا إلى الإطاحة به بانقلاب عسكري قاده آمادو توماني توري.
واختار توري، بخلاف سلفه، فتح باب الحوار مع المتمردين، لتتوج المفاوضات بتوقيع اتفاقية تمنراست في الجزائر، التي سعت إلى دمج المقاتلين في الجيش ومنح الإقليم هامشًا أوسع من الإدارة الذاتية.
من اتفاق السلام إلى العودة للسلاح
لم تصمد اتفاقية تمنراست طويلًا بسبب ضعف الدولة والفساد وصعوبة تنفيذ بنودها على الأرض. ومع ذلك، فقد سمحت بصعود شخصيات أزوادية بارزة داخل مؤسسات الدولة، من بينها إياد آغ غالي الذي شغل منصبًا دبلوماسيًا في السعودية.
لكن الهدوء لم يدم طويلًا، إذ عادت التوترات مجددًا مع منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، لتدخل القضية الأزاوادية مرحلة جديدة من الصراع.
ربيع أزواد تحت ظلال الربيع العربي
مع اندلاع الثورات العربية عام 2011، كانت الصحراء الكبرى تستعد لتحول دراماتيكي. فقد عاد مقاتلون طوارق من ليبيا بعد سقوط نظام معمر القذافي، حاملين معهم كميات كبيرة من الأسلحة الحديثة.
وسرعان ما تشكلت خريطة جديدة للقوى المسلحة في أزواد، ضمت الحركة الوطنية لتحرير أزواد، وجماعة أنصار الدين بقيادة إياد آغ غالي، وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.
وفي السادس من نيسان/أبريل 2012 أعلنت الحركة الوطنية لتحرير أزواد استقلال الإقليم من جانب واحد، في خطوة غير مسبوقة هزت أركان الدولة المالية.
حين اختطفت الجماعات الجهادية الحلم الأزوادي
سيطرت المجموعات المسلحة تباعًا على مدن الإقليم وبسطت نفوذها هناك، مستفيدة من تراخي قبضة باماكو. لكن المشروع الوطني للطوارق أصبح رهين أجندة جهادية عابرة للحدود، جعلت الرايات الصفراء والزرقاء للمتمردين الطوارق تتوارى، أو تكاد، خلف الرايات السوداء للقاعدة وحلفائها.
وهكذا انتقلت أزمة أزواد من نزاع محلي حول الهوية والسلطة إلى واحدة من أعقد أزمات الأمن والاستقرار في منطقة الساحل الإفريقي.











