"مافن" في قلب العقيدة العسكرية الأميركية.. البنتاغون يعتزم اعتماد الذكاء الاصطناعي كسلاح استراتيجي
21 مارس 2026
في خطوة تعكس تحوّلًا عميقًا في طبيعة الحروب الحديثة، يستعد البنتاغون لاعتماد نظام الذكاء الاصطناعي "مافن" الذي تطوره شركة بالانتير تيكنولوجيز كبرنامج عسكري رسمي طويل الأمد، ما يعني إدماجه بشكل شامل في مختلف فروع الجيش الأميركي.
وبحسب مذكرة داخلية صادرة في 9 آذار/مارس عن نائب وزير الدفاع ستيف فينبيرغ، فإن هذا القرار سيمنح النظام دورًا مركزيًا في عمليات القيادة والسيطرة، مع توفير تمويل مستقر يضمن استمراريته وتوسّعه خلال السنوات المقبلة.
"مافن" من أداة دعم إلى عمود فقري للعمليات
النظام المعروف باسم "مافن سمارت سيستم " لم يعد مجرد أداة تحليل بيانات، بل تحوّل إلى منصة متكاملة قادرة على معالجة كميات هائلة من المعلومات الميدانية، تشمل صور الأقمار الصناعية، وبيانات الطائرات المسيّرة، والرادارات، والتقارير الاستخباراتية.
يستعد البنتاغون لاعتماد نظام الذكاء الاصطناعي "مافن" الذي تطوره شركة بالانتير تيكنولوجيز كبرنامج عسكري رسمي طويل الأمد، ما يعني إدماجه بشكل شامل في مختلف فروع الجيش الأميركي
ويقوم النظام باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف المحتملة، مثل المركبات العسكرية أو مواقع الأسلحة، في وقت قياسي مقارنة بالطرق التقليدية. وقد أصبح بالفعل النظام التشغيلي الرئيسي للذكاء الاصطناعي داخل الجيش الأميركي، خاصة في ظل العمليات العسكرية الأخيرة التي شملت آلاف الضربات.
شهد العدوان الأميركي–الإسرائيلي على إيران مرحلة جديدة في العمليات العسكرية، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي أداة مركزية في التخطيط والتنفيذ؛ فقد اعتمد الجيش الأميركي على أنظمة مثل "مافن" لاستخراج وتحليل كميات هائلة من البيانات الاستخباراتية من الأقمار الصناعية والمراقبة. بالموازاة، طورت إسرائيل أنظمة "حبسورا" و"لافندر" لتحديد المواقع والأفراد بدقة متناهية، وهذه التقنية أتاحت تسريع العمليات، وزيادة دقة الاستهداف وتقليل الاعتماد على القوة البشرية التقليدية.
وحسب تقرير نشره موقع "ميغازين"، استخدم الجيش الأميركي الذكاء الاصطناعي لتحديد أولويات الأهداف، وتقديم توصيات عملياتية في الوقت الفعلي، وتحليل الاتصالات المعترَضة، وساعد نظام "مافن" في تقليص الحاجة إلى آلاف الجنود في مهام الاستخبارات، وسرّع من وتيرة التخطيط للضربات. كذلك، شملت التطبيقات أنظمة مسيّرة وبرامج مثل "ريبليكيتور"، الذي ينشر آلاف الطائرات المسيّرة والسفن والمركبات ذاتية التشغيل، وهي تعمل مستقلّةً من دون تحكم بشري مباشر.
كما استفادت إسرائيل من أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة لتتبع المباني والأفراد، وتحليل شبكات الاتصالات والمعلومات الاستخباراتية، فبينما يركّز نظام "لافندر" على الأفراد وتحديد المواقع، يحدد "حبسورا" المباني والمنشآت المستهدفة. وبالإضافة إلى هذين النظامين، اعتمدت إسرائيل على وحدة "بينا" الجديدة في جيشها، واستخدمتها في المعالجة الخوارزمية المعقّدة للبيانات الميدانية، وتوفير صورة جوية فورية وشاملة لساحة المعركة.
تسريع القرار العسكري عبر الذكاء الاصطناعي
تؤكد المذكرة التي استعرضتها وكالة "رويترز" أن دمج "مافن" في صلب المنظومة العسكرية يهدف إلى تمكين القوات من "كشف وردع والسيطرة على الخصوم في جميع المجالات"، مع تحويل اتخاذ القرار المعتمد على الذكاء الاصطناعي إلى حجر أساس في الاستراتيجية العسكرية الأميركية.
ومن المنتظر أن يتم تنفيذ القرار بحلول نهاية السنة المالية الحالية في أيلول/سبتمبر، مع نقل الإشراف على النظام من وكالة الاستخبارات الجغرافية إلى مكتب الذكاء الاصطناعي الرقمي التابع للبنتاغون، فيما سيتولى الجيش الأميركي إدارة العقود المستقبلية مع الشركة.
مكاسب ضخمة لـ"بالانتير"
يمثل هذا القرار انتصارًا كبيرًا لشركة بالانتير، التي عززت حضورها داخل مؤسسات الحكومة الأميركية خلال السنوات الأخيرة. فقد حصلت على عقود متزايدة، أبرزها صفقة مع الجيش الأميركي تصل قيمتها إلى 10 مليارات دولار.
وساهم هذا التوسع في مضاعفة قيمة الشركة السوقية تقريبًا خلال عام واحد، لتقترب من 360 مليار دولار، ما يعكس ثقة متزايدة في دور الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري.
رغم الفوائد العملياتية، يثير استخدام الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف مخاوف متزايدة على المستوى الدولي. فقد حذرت لجان خبراء في الأمم المتحدة من أن الاعتماد على أنظمة آلية دون تدخل بشري قد يؤدي إلى مخاطر قانونية وأخلاقية، خاصة بسبب التحيزات المحتملة في البيانات. في المقابل، تزعم بالانتير أن نظامها لا يتخذ قرارات القتل بشكل مستقل، وأن العنصر البشري يظل مسؤولًا عن اختيار الأهداف والموافقة عليها.
ورغم الزخم، قد تواجه عملية تعميم "مافن" بعض العقبات، من بينها اعتماده جزئيًا على نظام "كلاود" الذي تطوره شركة أنثروبيك، والتي صنفها البنتاغون مؤخرًا كمصدر خطر محتمل في سلسلة التوريد، وسط خلافات تتعلق بمعايير الأمان في الذكاء الاصطناعي.
يمثل إدماج "مافن" في البنية العسكرية الأميركية خطوة جديدة نحو "حروب الخوارزميات"، حيث يصبح التفوق التكنولوجي، وليس فقط العسكري التقليدي، العامل الحاسم في موازين القوة. ومع تسارع هذا التحول، يبدو أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة دعم، بل بات لاعبًا رئيسيًا في رسم ملامح الحروب القادمة، فاستخدام نماذج ذكاء اصطناعي في ضربات عسكرية قد يفتح الباب أمام سباق تسلح جديد، تتسابق فيه الدول لاعتماد أدوات رقمية منخفضة الكلفة نسبيًا لكنها عالية التأثير