ماسك وحزب البديل.. كيف يصنع الملياردير أجندة اليمين المتطرف؟
13 سبتمبر 2026
نشرت صحيفة "الغارديان" تقريرًا يتتبع العلاقة بين إيلون ماسك وحزب "البديل من أجل ألمانيا"، مستعيدًا سلسلة طويلة من المواقف التي لم يكتف فيها مالك منصة "إكس" بالتعبير عن تعاطفه مع الحزب، بل روّج له ولزعيمته أليس فايدل، وقدم الحزب بوصفه "بارقة الأمل الأخيرة" لألمانيا، وصولًا إلى احتفاله بفوزه الكبير في انتخابات ساكسونيا-أنهالت. ويصف التقرير العلاقة بين الطرفين بأنها "تكافلية"، فماسك يضخّم خطاب الحزب، والحزب يمنحه حليفًا أوروبيًا يتقاطع معه في الهجرة والهوية و"إعادة الهجرة".
لكن التقرير يترك سؤالًا أساسيًا من دون إجابة: ما مقدار التأثير الانتخابي الحقيقي لماسك؟
والمفارقة أن "الغارديان" نفسها تقدم ما يدعو إلى الحذر، وهو أنّ نحو 5% فقط من الألمان يستخدمون "إكس" للحصول على الأخبار، و19% فقط ينظرون إلى ماسك بإيجابية، و13% فقط يعدون تدخله في السياسة الألمانية مقبولًا.
ويقر التقرير صراحة بأن صعود "البديل" يرتبط بالديناميات السياسية والاجتماعية الألمانية أكثر من ارتباطه بماسك، لكنه لا يتوقف طويلًا عند ما يعنيه ذلك بالنسبة إلى حجم تأثير الملياردير في النتائج الانتخابية.
غير أن الانتقال من إثبات أن ماسك يروج للحزب إلى القول إنه أسهم في صعوده بين الناخبين يحتاج إلى أدلة مختلفة تمامًا. لكن التمييز بين التأثير في النقاش العام والتأثير في سلوك الناخبين لا يحتل في التقرير المساحة التي يستحقها.
يكتسب إيلون ماسك أهمية تتجاوز صورة “الملياردير الداعم لليمين المتطرف”، إذ لا يصنع بالضرورة ناخبيه، لكنه يمتلك منصة قادرة على نقل أفكار اليمين المتطرف من الهامش إلى قلب النقاش العام وتعزيز حضوره
صناعة أجندة النقاش
وجدت دراسة معهد لايبنتس لأبحاث الإعلام حول الانتخابات الاتحادية الألمانية لعام 2025 أن حوار ماسك مع فايدل أحدث قفزة هائلة في اهتمام الإعلام التقليدي بها، ففي يوم الحوار وحده ظهرت فايدل في 205 من المواد الإعلامية، وكانت 186 منها قد ربطتها بماسك، فيما وصل عدد المواد التي تناولتها خلال ذلك الأسبوع إلى 1243 مادة.
وخلص الباحث يان راو، الذي نقلت "الغارديان" نفسها رأيه، إلى أن ماسك أحدث بالفعل "تأثيرًا في وضع أجندة الإعلام الألماني". أوردت "الغارديان" هذا الدليل، لكنها لم تجعله مفتاحًا لتفسير طبيعة نفوذ ماسك، وظلت أقرب إلى سرد قصة الملياردير الداعم لليمين، بدل التوقف عند السؤال الأعمق: كيف يستطيع هذا الدعم إعادة ترتيب أجندة النقاش العام؟
وهذا هو ما يغير السؤال، فقد لا تكون قوة ماسك الأساسية في إقناع الألمان بالتصويت لـ"البديل"، وإنما في قدرته على تغيير ما تتحدث عنه ألمانيا.
الأسباب الألمانية
يحمل التركيز الشديد على ماسك خطرًا آخر، هو تحويل تفسير صعود "البديل" من سؤال ألماني إلى قصة عن ملياردير أميركي. فالأكيد أن الحزب لم يقترب من نصف أصوات ساكسونيا-أنهالت لأن ماسك كتب منشورات على "إكس"، وثمة أسباب أعمق، تقوم على خصوصية شرق ألمانيا، حيث لا تزال الفوارق الاقتصادية والاجتماعية والشعور بالتهميش السياسي بعد الوحدة حاضرة في السلوك الانتخابي، وتراجع الثقة بالأحزاب التقليدية التي حكمت الولاية منذ 2002 ثم انهار نصيبها إلى 17%، والشعور المتراكم بأن برلين لا تسمع الشرق، فضلًا عن الهجرة والاقتصاد والتحول في أسعار الطاقة.
هذه العوامل هي التي جعلت خطاب "البديل" قابلًا أصلًا للحصول على هذا الحجم من التأييد، وكان على التقرير أن يفحصها بدل أن يكتفي بالإقرار بوجودها ثم يتجاوزها.
شبكة عابرة للحدود
الأهم أن العلاقة لم تعد محصورة بين ماسك وأليس فايدل، فالتقرير نفسه يذكر صلاته بترامب وخافيير ميلي وجورجيا ميلوني وشخصيات من اليمين المتطرف البريطاني.
وهذا يشير إلى شبكة سياسية عابرة للحدود، تنتقل داخلها الأفكار والخطابات والشخصيات من بلد إلى آخر، فيما تؤدي منصات مثل "إكس" دورًا أساسيًا في توسيع هذا الانتشار.
مصطلح "إعادة الهجرة" نفسه، الذي بدأ في دوائر القومية البيضاء الأوروبية وبات اليوم في خطاب ماسك وترامب وفايدل، هو المثال الأوضح على هذا الانتقال.
وهنا يصبح ماسك مهمًا، لكن بطريقة أكثر تعقيدًا مما توحي به قصة "الملياردير الذي يساعد اليمين المتطرف". فهو لا يصنع بالضرورة ناخبي "البديل"، لكنه يمتلك شيئًا مختلفًا، وهو منصة تستطيع المساعدة في نقل أفكار اليمين من الهامش إلى مركز النقاش العام، ومكانة عالمية تجعل تصريحًا يكتبه في منشور حدثًا تتعامل معه الصحافة والسياسة الألمانية بوصفه خبرًا يستدعي الرد.
ولعل قوة ماسك الحقيقية تكمن في قدرته على التأثير في أجندة النقاش العام، لا في تغيير أصوات الناخبين مباشرة. فهو لا يحتاج إلى تحويل مستخدمي "إكس" إلى ناخبين لـ"البديل" حتى يصبح مؤثرًا؛ يكفي أن يدفع شخصيات الحزب ومفرداته وقضاياه إلى وسائل الإعلام التقليدية ومنها إلى قلب النقاش السياسي الألماني.
بهذا المعنى، لا يصنع ماسك صعود اليمين المتطرف في ألمانيا، لكنه يمتلك ما هو أخطر من التأثير الانتخابي المباشر، وهو القدرة على تطبيع خطاب كان حتى وقت قريب خارج حدود النقاش المقبول.