مارلين عائدة إلى تل الزعتر

مارلين عائدة إلى تل الزعتر

"بيروت خيمتنا الأخيرة" (Getty)

منذ أكثر من عام، تلقى محمد عباس اتصالًا من السفارة الفلسطينية في لبنان، يخبره بأن هناك فتاة فرنسية، تقول إنها في الأصل من تل الزعتر، وقد تم تبنّيها إبّان الحرب الأهلية اللبنانية من قبل عائلة فرنسية. وهذه الفتاة، مارلين، عادت إلى لبنان للبحث عن عائلتها المفقودة، في مجازر تل الزعتر. وبحسب السفارة الفلسطينية، يبدو أن الاحتمالات ضاقت إلى ثلاث عائلات، وعائلة محمد عباس من ضمنهم، وقد تكون هي عائلة مارلين. فوجئ الأب باحتمال أن تكون إحدى بناته المفقودات على قيد الحياة.

لعبة الأمل والحقيقة

كان الجندي السوري في السبعينيات طيبًا ومتعاطفًا مع الفلسطينيين، لكن أوامر قيادته كانت إلى جانب الكتائب، وإلى جانب المشاركة في قتل الفلسطينيين

استرجع مآسي تل الزعتر والجرح العميق الذي خلفته. بكى كثيرًا ولم يدرِ ماذا يفعل. اتصل بـ"وائل"، أحد أبنائه الناجين من المجزرة، وروى له ما حدث. ومن هناك بدأ الابن البحث، تواصل مع مارلين، الفتاة الفرنسية. تبادلوا الصور والمعلومات التي قد تقود لحقيقة ما. "بحسب العمر قد تكون أختي صبحية، وبحسب الصور، فيها شبه كبير من العائلة". بحسب وائل، هذه ليست المرة الأولى التي تُرجّح فيها مارلين، لتكون ابنة لإحدى العائلات الفلسطينية التي فقدت ابنة بسنها، إبان حصار مخيم تل الزعتر. فمارلين منذ أن صارحها والداها، بأن والديها البيولوجيين من لبنان، أتت إلى لبنان منذ أكثر من عشر سنوات. وقادها اسم الموقّع على وثيقة التبني لتكتشف أنها من تل الزعتر. عادت لتلتقي الرجل، الذي بحسب الوثائق، وجدها مرمية إلى جانب شجرة في المخيم وحملها إلى إحدى المستشفيات في "بيروت الشرقية"، كما كانت التصنيفات الجغرافية في تلك الفترة، لتنتقل بعد ذلك إلى أحد الأديرة، وتعتني بها الراهبات. إلا أن الرجل وزوجته قد توفيا. التقت ابنته التي لم تكن ودودة معها، ولم تشأ مساعدتها. حتى الراهبات، اللواتي يتحدثن الفرنسية بطلاقة، لم يقبلن بالإفصاح عن شيء، ما أثار الريبة في نفس مارلين، ونفس الرجل الذي عثر عليها إلى جانب الشجرة، عندما أخبرته بما حدث. ورجّحا بأن تكون القضية أكبر منهما، وتتعلق بإتجار بالبشر، أو شيء من هذا القبيل.

كان لمحمد عباس، إبان المجزرة ستة أطفال، فقد منهم أربعة: ماجد ماجدة سامية وصبحية مع والدتهم سميرة. ونجا هو وولدان من الستة. أسس محمد عباس فيما بعد عائلة أخرى، ورزق بنفس عدد الأولاد الذين فقدوا في الحرب. وأسماهم بنفس أسماء أشقائهم المفقودين ماجد وماجدة وسامية، باستثناء صبحية. فلم تحمل آخر مولودة لمحمد عباس اسم شقيقتها المفقودة، لأن أم الطفلة طالبت بحقها بتسمية ولو طفل واحد من أطفالها. فبذلك، كانت عائلة محمد عباس الجديدة، هي امتداد عائلته المفقودة باستثناء "صبحية" التي لم يحيي ذكرى اسمها أحد. اعتبر عباس ظهور "مارلين" بمثابة إشارة قدرية، بيد أن هذا الأمر لم يتأكد بعد، وعندما تسأل عن سبب عدم إجراء فحوصات الحمض النووي لتأكيد أو نفي صلة القرابة، يتململ وائل بالإجابة ويتعلّل بأعذار كثيرة لا توفي القضية حقّها.

التقينا وائل، أحد الأولاد الناجين لعباس، وهو قائد البحث في قضية إذا ما كانت مارلين هي نفسها شقيقته صبحية المفقودة في مجازر تل الزعتر 1976، التي ارتبكتها الكتائب اللبنانية وميليشيات يمينية لبنانية، بغطاءٍ من الجيش السوري، وبتخطيط ودور للجيش اللبناني، عبر الجنرال ميشال عون، المعروف باسم "غابريال" آنذاك، كما يذكر الكاتب والصحفي الفرنسي آلان مينارغ، في كتابه المرجعي "أسرار الحرب اللبنانية". يسترجع وائل بغصة تلك الفترة، فترة حصار تل الزعتر، عندما كان هو في الثانية عشر من العمر:

دخلوا إلى المخيم وكانت البداية، بداية حصار لشهور عدة بلا طحين ولا ماء ولا مازوت. دخول المخيم والخروج منه ممنوعان على الجميع. مناوشات وضربات متقطعة ومضادات تضرب من الجهة الشرقية للمخيم باتجاه منطقة حرش تابت. أول ضربة أسقطت المبنى الذي كانت تقطنه عائلة وائل. احتموا بالملاجئ لأيام وليال. انقطعت المياه والخبز والمازوت. بدأ وائل ومن هم في سنه يعوا ما يحصل. أطراف المخيّم الشمالية والشرقية عانت كثيرًا، على عكس جنوب المخيّم، حيث كان الوضع أفضل نسبيًا، لقربه من مخيّم جسر الباشا، حيث اللاجئون الفلسطينيين، كانوا من الطائفة المسيحية، وإن كانت الميليشيات اللبنانية لم تقصّر معهم هم أيضًا. يتذكر وائل كيف قضوا شهورًا يتنقلون بين الملاجئ. كان هناك ملجآن، ملجأ للفلسطينيين وملجأ للبنانيين يسكنون بجوار المخيم فاحتموا بملاجئه، هربًا من القصف الذي استهدفهم على السواء. لم يكن الفصل بين الملاجئ قائمًا لأسباب طائفية أو عنصرية، يوضح وائل، إنما لأسباب عائلية بحت. بحكم القرابة لا أكثر. أكد على الوفاق التام وحسن الجيرة والعلاقات الجيدة التي كانت تجمعهم بعائلات لبنانية مسيحية.

ساعة الصِفر

كانت أطراف المخيم هي الأكثر عرضة للقصف، لذلك قرر الوالد التوجه مع عائلته إلى داخل المخيم للاحتماء هناك. يذكر وائل تلك الليلة التي أخبر فيها والده والدته بضرورة الرحيل لأن الأطراف مستهدفة، والأوضاع إلى أسوأ: "الكتائب يتقدمون". رفضت الأم ما اقترحه الوالد متمنية، أن يتقدم المقاتلون ويدخلوا المخيّم، علّ الأمور تنتهي عند هذا الحد. يذكر وائل  تلك الليلة جيدًا، وكيف طمأنت أمه والده وأخبرته بأنه لا داعي للقلق "نحنا هون كلنا نسوان وأطفال، ما بيؤذونا". وعليه، طلبت منه اصطحاب خالد، وائل، وماجد، "وببقى أنا والبنات مع إمي وخالاتي". لم تشأ أم وائل ترك أمها، وكانت مطمئنة لفكرة كونهم نسوة وأطفال، ما يعني أن مقاتلين المليشيات الفاشية لن يقتلوهم. هكذا فكرت.
أمضوا ليلتهم الأخيرة في الملجأ مع العائلة. وفي الصباح الباكر، رحل الوالد مع صبيانه الثلاثة: خالد، وائل، وماجد إلى وسط المخيم. وفي الطريق، عند هروبهم، بدأت عمليات الكر والفر. ومع اشتداد القصف واستحالة البقاء معًا لضرورة الاحتماء من القصف، طلب الوالد من أولاده أن يلاقوه في معمل الصابون. "كنا نلطي من حيط لحيط، كنا بعاد عن المعمل مسافة عشر دقائق بس أخدت معنا أكتر من ساعة". وبعد أكثر من ساعة التقوا في معمل الصابون باستثناء ماجد الأصغر الذي اعتقدوا وقتها بأنه عاد إلى أمه، لكن بالطبع لم تعرف حقيقة ذلك أبدًا. وصلوا إلى معمل الصابون حيث تجمع شبان المخيم. وإذا بصوت "زخ رصاص" كثير ومتواصل استمر لدقائق. فقال الوالد "ألله يستر". وبالفعل وبعد قليل، أتى أحد الشبان ليخبرهم بأن محور جورج متّى سقط وأن ثمة مجازر ارتُكبت. في 12 آب/أغسطس 1976، بدأت مجزرة تل الزعتر.

وبحسب الرواية التي وصلت إلى وائل، فإن المقاتلين قد هاجموا الملجأين وفرزوهم "اللبنانيين بصف والفلسطينيين بصف آخر". وقفت جدة وائل في صف اللبنانيين كونها لبنانية الأصل، وحذت حذوها أم وائل وفتياتها الصغار. أمّا صف الفلسطينيين فقد تم "رشّهم بأرضهم". ومن كانوا بصف اللبنانيين فقد تم تهريبهم إلى دير "الراعي الصالح". وصلوا إلى بوابة الدير، وهناك وشت ماري، جارة العائلة، بجدة وائل. أخبرت مقاتلي الكتائب بأن أبناء هذه المرأة يقاتلون إلى جانب الفلسطينيين. تباعًا، أُخرجت الجدة من الصف ولحقت بها والدة وائل، وشقيقاته، وقتلن جميعًا. هكذا وصلت الحكاية إلى وائل تواترًا.

لكن الخال اللبناني الذي كان يقاتل إلى جانب الفلسطينيين في المخيًم، عاد بعد انتهاء المجزرة لتفقد المكان، فوجد جثثًا كثيرة. وجد جثة والده، وزوجة أخيه الحامل وقد بقر بطنها، وقطعت يداها. لكنه لم يسجّل أبدا أنه رأى جثة أم وائل وشقيقاته. لهذا يشكك وائل بأن تكون أمه وشقيقاته على قيد الحياة في مكانٍ ما. لم يتخل عن الأمل، رغم كل شيء. وبعد كل شيء، قد تكون مارلين هي صبحية، ولكنه لم يلتقها بعد ولم يجروا فحوصات الحمض النووي بعد. يعلل وائل التأخير بإجراء الفحوصات لبعد المسافة. لكن الحقيقة بأن الرجل سعيد بفكرة أن تكون أخته الصغيرة قد نجت من الموت، فالفكرة بحد ذاتها تبعث فيه الروح والأمل. وهو يخشى خيبة الأمل. يخشى أن تكون النتائج سلبية، فيفقد الأمل. هو ومارلين، على تواصل دائم. على أمل، أن تكون مارلين هي صبحية. مارلين  بدورها تخشى خيبة الأمل. بالنسبة إليهما، كلاهما، بقاء الأمل قائمًا، أهم من الحقيقة.

كوب دماء مقابل كوب ماء

شهد الناجون من تل الزعتر جولة أخرى من التقتيل بعد سنوات قليلة في صبرا وشاتيلا

أيام وليال من الجوع والعطش قضاها وائل مع أخيه ووالدهما وأطفال آخرين. لم يكن في المخيم سوى العدس وعلب البازيلاء. انقطعت المياه وكان الحصول عليها بمثابة معجزة "كوب الدم مقابل كوب الماء" نعم، لهذه الدرجة وأكثر. كانوا يتنقلون بين البيوت التي هجرها أهلها، ليبحثوا عن شيء يقتاتون به. يذكر وائل جرّة زيت الزيتون والفلفل الأحمر التي وجدها في أحد البيوت و"اقتتنا أنا والشباب عليها  لأيام". يسرح قليلاً ويقول بابتسامة خفيفة، "حد الآن، الفلفل الأحمر والزيت من أكلاتي المفضلة". كان شباب المخيم المقاتلون يفتحون لنا علب البازيلاء لنشرب ماءها، علها تروي عطشنا. ثم نعود ونأكل فيما بعد العدس والبازيلاء إذا ما وجدت الماء لغليها. كان المقاتلون الفلسطينيون يطعمون الأطفال المحاصرين، وكان الأطفال يردّون الجميل بأن يبحثوا للمقاتلين، عن أعقاب السجائر وأوراق الشجر اليابس للفّها، وتقديمها فيما بعد للمقاتلين لتدخينها.

القيامة الآن

"خرجنا من المخيم وكأننا في يوم الحساب". صف طويل لا ينتهي من الرجال والنساء والأطفال والعجزة، يجرّون أنفسهم في صف وسطي بين صفين من مقاتلي الكتائب. "كنّا كبضاعة معروضة"، يأتي المقاتلون مصحوبين بغرباء ينتقون من الجموع "المعروضة" شبّان وأطفال ولا أحد يعلم لماذا وإلى أين يأخذونهم. يتذكر الشاهد. يستهجن الحضور، تصرخ النسوة ويولولن "ويحلفو المقاتلين كرامة لعيسى كرامة للعدرا تتركوهم". ويصلي الشباب الباقون بينهم وبين أنفسهم بألا يتم انتقاؤهم هم أيضاً. كان مقاتلو الكتائب يسألون عن عائلات مقاتلي المخيم. يذكر وائل جيدًا ما فعلوه بالكهل، لأنه والد رئيس المقاتلين في المخيّم: "لم يتصور أحد أن يفعلوا ما فعلوه". أهانوه أذلّوه ربطوا رجليه في سيارة رباعية الدفع، و"فلقوه وهوي عايش". "لم نكن نشاهد، لم نستطع رؤية كل شيء كنّا نغمض عيوننا قليلًا، نعود ونفتحها علّنا نتوهّم ما يحصل". لكن لا، ما حصل كان أكثر من حقيقة، يعود ويكرر "فلقوه وهوّي عايش".

وصولًا إلى ساحة الدكوانة، إلى مدارس وأماكن عامة، يسترجع وائل المشهد في ذاكرته: شاحنات تمر بجثث متفحمة. ساحة المدرسة حيث أجبر عدد من الشبان، على الاصطفاف وجوههم مدارة إلى الحائط. ومن ثم، أتت امرأة مسنة تحمل مطرقة ضخمة "متل مدقّات الكبّة القديمة" وبدأت بضرب الشبان على رؤوسهم، على ظهورهم، على أرجلهم. والشباب يصرخون ويلعنون. ألم وصراخ سكنا المكان حتى شفت العجوز غليلها. ثم أتى مقاتلو الكتائب و"رشّوهم كلهم".

"جولة العار" الأخيرة

سادت في تل الزعتر حالة تعاطف مع المقاومين الفلسطينيين نظرًا لعنايتهم المميزة بالأطفال

في آخر جولة من التجزير، كان المشهد لا يزال قاتمًا. كميونات كبيرة. شاحنات النفايات كانت تنتظر خارج المدرسة. "كان على كل منها أربعة أو خمسة مقاتلين بدأوا بوضعنا بهذه الشاحنات "رصّونا رص"، يقول وائل. كل كميون حمل نحو الثلاثين شخصاً. وبدأت القافلة. وبدأ المقاتلون جولة الزهو بانتصارهم في مناطقهم الشرقية. مازال وائل يذكر كيف استُقبل المقاتلون الكتائبيون بالزغاريد، ورميت النفايات والمياه الوسخة على أهالي المخيم، وهم مكدّسون في تلك الشاحنات. أكملت الشاحنات طريقها وصولًا إلى عيون السيمان. هناك لم يفهم وائل ما الذي حصل. اقتربت القافلة من مركز للجيش السوري، وأحسّوا بخوف المقاتلين الكتائبيين. برغم التعب والعطش والجوع، يتذكر وائل كيف أتى هؤلاء بالبزة العسكرية من بعيد حاملين "غالونات" المياه وأكياس الطعام وبدأوا بتوزيعها على الشاحنات، وسط نداءات تطلب العفو والمسامحة "سامحونا، ما كان بدنا نقصفكم، كانت هيك الأوامر، سامحونا". يذكر وائل تلك الدموع جيدًا، "أيه والله كانوا يبكوا ويقولوا سامحونا". خرج وائل بقناعة تقول إن الجندي السوري في السبعينيات كان طيبًا ومتعاطفًا مع الفلسطينيين، لكن أوامر قيادته كانت إلى جانب الكتائب، وإلى جانب المشاركة في المذبحة.

وفي تلك اللحظة، انسحب مقاتلو الكتائب وسلّموا القافلة للجيش السوري. استلمهم الجيش السوري وأكملوا بهم إلى بعلبك، حيث استقبلهم الأهالي بالزغاريد والترحاب والأحضان وبكرم فائض والكثير من الاعتذارات "وكانت أول مرة منحس بأمان من شهور". يومذاك، قامت كل عائلة باستضافة، عائلة ناجية لعدة أيام. بعد ذلك، انتقلت عائلة وائل إلى مخيّم الرشيدية في صور ومن ثم إلى صبرا وشاتيلا، هناك حيث بدأت معاناة من نوع آخر ليقدّر لهم، أن يشهدوا مجزرة أخرى في صبرا وشاتيلا.


ذاكرة فوق سماء بيروت