مارثيلا سيرانو.. التحديق بعيون النساء كلهن

مارثيلا سيرانو.. التحديق بعيون النساء كلهن

مارثيلا سيرانو روائية يبدو أنّ الإعلام يخاصمها أو هي من تفعل ذلك لسبب أو لآخر

يحدث أن يغطي كاتب هرَم على كتّاب آخرين من ذات الجنسية ممن هم في جيله أو بعده بقليل.. يستأثر بتلك الهالة الكبيرة والتي تجعل من باقي المبدعين كتابا على الهامش، حتى وإن كانت كتاباتهم لا تقل جمالية وإبداعًا.

ترى الكاتبة التشيلية مارثيلا سيرانو أن "النسوية هي تعريف الإنسانية"

هنا وبشكل خاص نشير إلى الروائية الشيلية إيزابيل الليندي والحظوة العظيمة التي تتمتع بها محليًا وعالميًا. الأمر الذي جعل كتابًا وكاتبات من بني موطنها تحت الظل. وتعد مارثيلا سيرانو (1951) من تلك الغابة التي غطتها الشجرة العظيمة إيزابيلا الليندي على المستوى العالمي، أما في الأدب اللاتيني فلمارثيلا بصمتها الخاصة ونجاحها الكبير الذي تكرّس من أول عمل روائي لها. كما أنها تعد من أكثر من يُقرأ لهم في إسبانيا وإيطاليا.

مارثيلا سيرانو روائية يبدو أنّ الإعلام يخاصمها أو هي من تفعل ذلك لسبب أو لآخر. هي الكاتبة التي تربت وسط عائلة كتابة، فوالدها كاتب المقالات الشهير أوراثيو سيرانو ووالدتها الكاتبة الروائية إليسا برث ولكر، تلك الأم التي قدمت جرعات فنية مهمّة لابنتها وجعلتها تطفح بمواهب إبداعية كثيرة أهمها في البداية كان شغفها الكبير بالفن التشكيلي والفنون البصرية.

في بداية عقدها الثالث، غيّرت مارثيلا بوصلتها نحو الأدب والكتابة. وظل مسمى "الكاتبة المتأخرة" لصيقًا بها، ذلك أنها تخلت عن عشرات المخطوطات الروائية التي كتبتها في بداياتها الإبداعية، قبل أن تستقر على نشر أول عمل روائي لها وهي في الأربعين من عمرها. فكانت رواية "نحن المُتحابات". والتي لقيت نجاحًا متميزًا، ورسختها في مجال الكتابة أخيرًا، حيث اقتبست سيناريو لفيلم سينمائي وتُرجمت إلى بعض اللغات، كما حازت على جائزة "سور خوانا إينيس دي لا كروث" عام 1994، ومنها كانت انطلاقتها الحقيقية في عالم الأدب. 

تتوالى رواياتها الناجحة تباعًا بعد ذلك فكانت "لكي لا تنساني" 1993، وبعدها بسنتين نشرت نصها الروائي "حياتي القديمة"، ثم عادت بقوة ومن جديد بروايتها الناجحة "نزل النساء الحزينات" (1998) والتي ترجمت إلى عدة لغات، كما فتحت أيضا مسارًا مهمًا في مجال الكتابة البوليسية والكتابة للأطفال أيضًا. 

عندما تقرأ مارثيلا سيرانو فأنت تحدّق في عيون كل نساء العالم

النساء هنّ التيمة القوية والمحورية في كل ما تكتبه مارثيلا التي ترى أن "النسوية هي تعريف الإنسانية"، وتصرّ بشدة أن تبتعد في كتاباتها عن الكليشيهات الدعائية الجاهزة عن النساء. وتؤمن بقوة السرد على الشفاء من كل المتاعب النفسية، وهو أهم ما ارتكزت عليه روايتها الأخيرة "عشر نساء" (ترجمة صالح علماني، 2011)، الرواية الوحيدة المترجمة إلى اللغة العربية. تترك نساءها يتكلمن في معظم نصوصها الروائية لتكون في المجمل حوارات مختلفة مع القارئ.. وفي رواية "عشر نساء" هناك تسع نسوة يحكين عن همومهن وهواجسهن لمعالجة نفسية هي الشخص العاشر، والقارئ هو الشخص الحادي عشر وهكذا.. تفتح الكاتبة مجالًا لحوار ونقاش عام في عمل روائي.. فينتقل الحديث والبوح بين الجميع تماما كالعدوى. 

في نصوصها الروائية لا شيء بعيد عن الواقع. تكتب عن الخيانات البشرية بمختلف معانيها، عن طموح النسوة المهني ومسؤوليات الأسرة المتعددة والتحديات الكبيرة. تكتب عن مواجع النساء وهواجسهن العميقة المرتبطة بالعمر والأيديولوجيا وفكرة الأمومة، بالجدية نفسها التي تكتب بها عن هواجسهن البسيطة كلون الشعر والبشرة والكعب العالي.. فقد كتب عنها أحد النقاد الأدبيين: "عندما تقرأ مارثيلا سيرانو فأنت تحدّق في عيون كل نساء العالم". 

تتحدث مارثيلا في إحدى رواياتها عن المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد وتشير إلى فكرته "الأسلوب المتأخر"، الذي يقصد به عادة "الفنانين وهم في أوج مرحلتهم الأخيرة، حين يرخي المبدع لنفسه العنان ويبدأ بعمل ما يحلو له، من دون أي حذر أو تماسك مع أعماله السابقة. ومن ذلك التحلل من القيود تولد في بعض الأحيان أعمال عظيمة".هنا مارثيلا سيرانو تقصد نفسها في معنى من المعاني.. هي قد تكون تأخرت نوعًا ما، لكنها قالت الكثير.

اقرأ/ي أيضًا:

أشياء على سطح الرواية

مسألة الانتماء