"مارتي سوبريم": الحلم الأميركي يَرْفُوهُ طموحُ الفقراء
5 يناير 2026
فيلمٌ أميركيٌّ للغاية، مخلصٌ لسلالته، غيرُ مغشوشِ النوايا، ولا مدّعٍ ما ليس عليه.
إن أتيتَ الفيلمَ من باب المتعة، فهي لك. وإن دخلتَه من باب الحِرفة والمواهب الناضحة من وجوه ممثليه، فأنت لم تُخطئ العنوان. وإن قاربته من زاوية الفنيّات التي يغدقها الإنتاج الضخم، فلن تخيّبك الموسيقى، ولا الديكورات، ولا الأزياء، ولا المكياج، وستبهرك الإضاءةُ والتصوير.
لذا، إن ابتغيتَ الجودةَ في أعلى مستوياتها، فالفيلمُ حُكمًا لك.
السينما الأميركية المرتاحة في جسدها "الممتع"
ينتمي "مارتي سوبريم" (Marty Supreme) إلى تلك الفئة من الأفلام التي لا تفهم المتعة فحسب، بل تُسوِّقها أيضًا، تتبنّاها بوصفها مدرسة، وتبيعها لجمهور السينما الأميركية حول العالم كعلامتها الأولى والأعلى حضورًا.
من يشاهد "مارتي سوبريم" لن يهمّه إن كان الفيلم عن لاعب كرة مضرب، وقد ينسى ذلك سريعًا. فمن كان يتخيّل أن تخلق تلك اللعبة العادية كل هذه الأجواء المشحونة، حيث لا شيء عاديًّا على الإطلاق؟
يمسك "مارتي سوبريم" بتلابيبك، ويمنع عنك الملل أو الاعتراض، أو حتى ملاحقة المنطق، ولأسباب صائبة دائمًا.
ينتمي "مارتي سوبريم" (Marty Supreme) إلى تلك الفئة من الأفلام التي لا تفهم المتعة فحسب، بل تُسوِّقها أيضًا، تتبنّاها بوصفها مدرسة، وتبيعها لجمهور السينما الأميركية حول العالم كعلامتها الأولى والأعلى حضورًا
نحن في نيويورك الخمسينيات؛ زمنٌ ملائم للمخيّلة، زمن يفسح للحنين مجاله، ويسمح لعشرات الأفلام أن تعبر من ظلاله، وأن تجلس لتستفيء بها.
نيويورك
الخمسينيات تتيح لفقرائها، ولمُنبوذيها من يهود وسود وطليان، أن يعيشوا على الهامش، وأن يتسلّقوا ذلك الهامش لينجوا، ولو على حبل مشنقة.
عن الرياضة أيضًا، والحلم الأميركي
في "مارتي سوبريم" يخدع المشاهدُ نفسه إن ظنّ أن الفيلم حكاية عن لاعب كرة مضرب يفعل المستحيل من أجل لقبٍ ليس أكثر. فالحكاية، وإن انطلقت من عالم لعبة أنيقة ونظيفة، سرعان ما يرميها المخرج في الوحل، في مستنقع الفقر المدقع بحواري نيويورك، لتتجاوز الواقع وحدود السرد، ونطير معها سريعًا إلى ما هو أوسع وأدقّ: إلى تلك الميكانيكية الطاحنة التي تتيح للمهمّشين صعودًا طبقيًا وإنسانيًا داخل المجتمع الأميركي الراقي.
يحيلنا الفيلم إلى الكيفية التي يُصنَع بها الاسم، وتُبنى بها الصورة الاجتماعية، ويُعاد تعريف الموهبة حين تُسلَّع وتدخل سوق المنافسة بوصفها مصدرًا لإنتاج الثروة.
المخيلة حين تتكأ على الواقع وتتجاوزه
الشخصية المحورية في "مارتي سوبريم" مستوحاة من لاعب حقيقي دوّن مذكّراته عن حياةٍ عاشها بين لعب كرة الطاولة والشارع الخطر، القذر، المنعدم التهوية، المسدود الأفق. حياةٌ تراوحت بين أحلام الاحتراف، والتحايل على الفقر، والجريمة والعنف، وبين العمل الدؤوب المشروع المتاح، و"الهَسْتَلة" بوصفها أسلوب عيشٍ معتمدًا، لا خيارًا مؤقتًا للنجاة.
الفيلم لا يقدّم سيرة حرفية، بل يتكئ على اسم بطله فحسب. غير أن من يتتبع حسّ العدالة لديه سيلاحظ أن سيناريو الفيلم لا يشبه إلا كتّابه. فهو يمتلك أصالته من نواحٍ عديدة: خلق مبتكر للشخصيات، وحكاية تمنح كل من يظهر على الشاشة مبرّر وجوده ودوره في دعم ما نراه وننجذب إليه. السيناريو لا يلتزم الوقائع، بل يقتنص من أصل الحكاية روحها وخطّها السردي الأولي: لاعب موهوب يصعد عبر سلسلة من الرهانات والعلاقات والاختيارات الملتبسة والخطرة والشيّقة، ليبلغ اللقب الذي يسعى إليه، لكنه لا يلامسه إلا بعد انقطاع في الأنفاس، للبطل ولنا كمشاهدين مشدودين، نحب ما نرى ونسمع ونحس.
تتقدّم الحبكة عبر نجاحات صغيرة سرعان ما تتهاوى لصالح واقع قاسٍ، ينقلها من مستوى النجاح الظاهر إلى فشلٍ يبني تآكلًا داخليًا متصاعدًا في قلب كل تفصيل. تآكلٌ ينسيك السؤال عمّا إذا كان البطل سينجح أم لا، ويتركك أمام حيرة أعمق: ماذا سيبقى من البطل بعد أن ينجح؟ وهل يكون هذا "التداوي بالصعود" غاية بحد ذاته، أم مجرّد مبرّر منطقي للوقوع في هاوية جديدة؟
وصل "مارتي سوبريم" إلى الشاشة عبر هوس شخصي صاغته ذاكرة المخرج، الذي لم يستطع نسيان طفولته في بيت جدّيه، اللذين كسرا فقرهما بلعب طاولة المضرب. قبل أن يكون الفيلم رهانًا إنتاجيًا، وُلد بوصفه حلمًا شخصيًا، أو، بمعنى أوسع وأكثر تعقيدًا، حلمًا أميركيًا خاصًا. أخرج الفيلم جوش سافدي وكتبه بالشراكة مع رونالد برونستين، في امتداد واضح لسينما تتغذّى على الترقّب والإثارة، وعلى أحداث تتواتر بجنون وبنبض لا يتوقّف عن التصاعد، مانحة شخصياتها بناءً داخليًا متماسكًا يمكّنها من تحمّل كل ذلك الاهتزاز والضجيج الهدّام.
حمل الإنتاج توقيع " A24"، مع مشاركة تيموثي شالاميه منتجًا وممثلًا في آن، ما منح المشروع ثقله الفني والتجاري دون أن يفرغه من حدّته الأسلوبية. وقد رأى كثيرون، وعن حق، أن هذا الدور يُعدّ من أكثر أدوار شالاميه نضجًا ومغامرة في مسيرته المكتظّة بالتجارب، على الرغم من صغر سنّه.
وجاءت اختيارات الطاقم التقني منسجمة مع جسارة المشروع ككل: تصوير داريوس خوندجي، الذي أعاد بناء نيويورك الخمسينيات بملمس بصري كثيف، كتيم وخانق؛ وموسيقى دانيال لوباتين التي اشتغلت على الإيقاع وتوتّره أكثر من الميلودية؛ ومونتاج برونستين نفسه، حيث يحمل الإيقاع والحركة المعنى ويعيدان ترتيب الحكاية.
إلى جانب شالاميه، يضمّ الفيلم وجوهًا لا تنتمي إلى مدرسة أداء واحدة، من غوينيث بالترو وفران دريشر، بما تحملانه من تاريخ تمثيلي مختلف، إلى حضور غير متوقّع لشخصيات مثل تايلر ذا كريتور وآبيل فيرارا، القادمين من خارج مؤسسة التمثيل التقليدية. هكذا تحوّل التفاوت بين الأساليب والخلفيات إلى عنصر جذب إضافي، وجعل من تنافر الأصوات الأدائية هارموني لا تتّسع له نغمة واحدة. وبهذا، يتبلور الفيلم كعمل جماعي شديد الوعي بذاته، يقدّم نفسه مصاغًا بالحنين، لكن أيضًا بالوعي اللازم لحمل ذلك الحنين.