جرافيتي لـ مارادونا

لم يتسن الوقت لمارادونا ولنا للتأكد من مكان سقوط الكرة التي رماها بشدة بواسطة قدمه اليمنى، وأؤكد على تذكر قدمه اليمنى لأنها القدم التي سيفقدها لاحقًا في شبابه بعد أن يسقط قربه برميل غريب الشكل من طائرة عابرة.

اقرأ/ي أيضًا: دقائق الصمت المهدورة

غير أننا اكتشفنا المكان فورًا من خلال الصراخ الذي تنادى إلينا بعد أن سمعنا صوت تحطم الزجاج، وعرفنا أن الكرة قد كسرت المطلوب منها كسره، في مثل هذه الحالات لا بد من ترك الكرة لمصيرها المشؤوم والذي سينتهي غالبًا بالذبح، تبدأ طقوس الذبح بعويل صاحب البيت ونحيبه على جثة الشباك المتحطم التي تناثرت هنا وهناك، ثم يرتد له صوابه ما إن يعاين الكرة المتسببة بالدمار، ويدرك أن انتقامه سيكون بتمزيقها إربًا إربًا، وكي يكون الانتقام مجديًا فعليه أن يقبض على الكرة الشبيهة برؤوس كثيرة هذه الأيام، ثم أن يضعها على المذبح بحيث نتمكن نحن الفتية الراغبين أبدًا باللعب والتسلية من أن نراها بينما يسيل هواؤها من صدرها حين يشق نصل السكين مطاطها المسكين، تترك لاحقًا شقف الكرة المقطعة على المذبح كي نلتقطها بحسرة ونتذكر كل لحظاتنا الجميلة التي أنفقت برفقتها، بعد كل ذلك الأسى، نقرر في اجتماع مصغر للشلة ماذا سيكون ردنا القادم على ذابح الكرة. ولن تهدأ نفوسنا إلا بالوصول إلى قرار قطعي بهذا الخصوص.

كان مونديال عام 1986 مونديالًا ساخنًا جدًا، وكنا نتأثر كثيرًا كأطفال يافعين بمتابعة مباريات ذلك الحدث العالمي الكبير 

تهدأ النفوس مؤقتًا. كل شيء سار على ما يرام وفق الخطة المرسومة، فبعد أن خسرنا أول روح كروية وكانت من نوع الأديداس على يد ذلك الجار الغريب الأطوار، الذي وفد لحارتنا منذ مدة يسيرة فأحاط نفسه بجدار عال، وقرر أن يخيف كل الأطفال بنظراته القاسية ولحيته الطويلة العريضة، قررنا أن انتقامنا منه سيكون انتقامًا كرويًا، وستتحطم نوافذه الموصدة بكرات شتى تتساقط فوق بيته من كل حدب وصوب، وقد نفذت أول ضربة مباغتة على قدم مارادونا.

كان مونديال عام 1986 مونديالًا ساخنًا جدًا، وكنا نتأثر كثيرًا كأطفال يافعين بمتابعة مباريات ذلك الحدث العالمي الكبير عبر الشاشات الصغيرة، وكنتيجة طبيعية للحماس الشديد فقد توازعنا أسماء اللاعبين اللامعين فيما بيننا فأصبحت أنا "زيكو البرازيلي" صباحًا، وأصبح أخي "رومانيغه الألماني" ظهرًا، وأصبح ابن عمي قصير القامة "مارادونا الأرجنتيني" ليلًا، بعد أن غضب بداية الأمر لأننا اتفقنا دون علم منه على تسميته بالسيد "ميشيل بلاتيني" الفرنسي عصرًا، ثم هدأ بعد أن قررنا معًا أنه سيكون "مارادونا" المنتظر.

تشكلت عصابتنا الصغيرة في يوم واحد، ثم انضم لها لاحقًا "سقراط" البرازيلي و"باولو روسي" الإيطالي، وبعد اجتماع مصغر في حقل الباذنجان القريب من بيتنا قرب البئر، قررنا أولوياتنا العاجلة، ووضعت المبادئ والمنطلقات النظرية التي تؤسس للعصابة فكرًا ومنهجًا، فأي عصابة جيدة لا بد وأن تقرر في أول مؤتمر تأسيسي لها دستورها وخطة عمل مرحلية تتقيد بها، وقد كانت الخطة على النحو التالي.

اقرأ/ي أيضًا: المنفى في صمته

أولًا: سيتولى "سقراط" بشكل مفرط السرية سرقة خمس ليرات سورية من جيب والده لنستطيع شراء تذاكر باص نقل داخلي، كي نذهب لمركز المدينة، لنشاهد في سينما الأمير في حمص الفيلم الهندي الذي طبل الدنيا بصيته في تلك الفترة والذي كان اسمه "راقص الديسكو".

تشكلت عصابتنا الصغيرة في يوم واحد، ثم انضم لها لاحقًا "سقراط" البرازيلي و"باولو روسي" الإيطالي

وهذه المشاهدة ضرورية للتدرب على كيفية رمي الحجارة جيدًا إن اضطر الأمر، فقد نمى إلينا أن راقص الديسكو ماهر جدًا بذلك ويمتلك تقنيات متطورة في هذا المجال. قام ببطولة الفيلم الممثل الهندي "نيثون شكرًا بورتي". 

ثانيًا: سيتولى "رومانيغه الألماني"، وهو أخي، انتشال خمسة سيجارات من فئة "اللاكي سترايك" من علبة سجائر أبيه وهو أبي، لتدخينها داخل السينما أثناء متابعة الفيلم، ولكل لاعب حرية إشعال السيجارة اللعينة في المشهد الذي يريد، أو تدخينها لمنتصفها ثم إطفائها ليتم استغلالها مرتين، علمًا أن والد "رومانيغه" الذي هو والدي، يحتفظ كما نعلم جميعًا في بيتنا الجميل الذي سيدمر لاحقًا بصاروخ طائش من صواريخ النظام السوري، بعلبة دخان احتياطية في خزنة معدنية، أحضرها معه بعد عودته من ألمانيا الديمقراطية الشرقية. 

ثالثًا: سيتولى زيكو الأشقر أي أنا، مهمة سرقة القليل من المكسرات الرخيصة الثمن، لنقرشتها والتسلية والترفيه لدى مشاهدة الفيلم، وقد تم اعتماد نوع بزر عباد الشمس من قبل كافة الأعضاء، فقد كان يلائم مختلف الأذواق، لسهولة فصفصته وخفة وزنه، وجرى الاتفاق على الاحتفاظ بالكمية المسروقة بعيدة عن مصادر الرطوبة، لتكون جاهزة للأكل ساعة الصفر، وأجمع المتآمرون على أن يكون الدكان المستهدف هو دكان الجار أبو سعيد الحلاق، نظرًا لبعده عن الحارات المأهولة ليلًا، ولعلاقته الوطيدة بغريب الأطوار ذي اللحية الطويلة العريضة، ذابح الكرات، غير أن بعض التعديل قد طال الاتفاق بناء على نصيحة أفادنا بها لاعب الاحتياط الواعد "سيرجينو"، وهو الأخ الأصغر لابن عمي مارادونا.

اقرأ/ي أيضًا: عن صورة دارفور الباهتة

يقول سيرجينيو في المحضر الأول المسجل بذلك التاريخ، في الفقرة الثانية الخاصة بملحقات الاجتماع، أن الأخ أبا سعيد الحلاق قد غير أقفال محله وجددها بأقفال متينة منذ عدة أيام فقط، وذلك بعد أن أعاد ترميم الدكان، بعد أن وصلته أموال من جهات خارجية تعمل في السعودية، ولم تكن تلك الجهات الداعمة سوى ولده وابنته المتزوجة من سعودي، وهكذا فقد أدت المعلومة الهامة لتغيير خطتنا تماما، وتم استهداف دكان السيد أبي فاضل واختيرت لتكون البديل المناسب لدكان أبو سعيد.

وضعت خطة بديلة، وجرى الاتفاق بأن يقوم "باولو روسي الإيطالي" باقتحام المحل من النافذة الخلفية بينما يتظاهر بقية أعضاء الفريق الأوليمبي بتوديع ابن أبي فاضل من الجهة الأمامية لبيتهم، والذي عرفنا بأنه سيسافر لدراسة الطب البشري في جمهورية أوكرانيا.

أفراد العصابة الكروية قد نالوا عقوبة علنية أمام سكان الحارة، التي لم تعد موجودة حاليًا بعد أن قصفت بقنابل ومدافع ودبابات النظام

رابعًا: تناط مهمة مراقبة متابعة تنفيذ المهام بكفاءة لميشيل بلاتيني الفرنسي، وتوكل له بالإضافة لذلك مهمة أخرى، بصفته تاركًا للمدرسة وغير ملتزم بأي بدوام رسمي، بعد أن أنهى المرحلة الابتدائية بشكل سيئ تحت ضغط قانون الإلزام التعليمي للمرحلة الابتدائية، أما عن المهمة فهي تنحصر في مراقبة دكان السيد أبي فاضل ليلًا ونهارًا، ومعرفة أوقات الاستراحة الخاصة للبائع، وحيثيات المنطقة جيدًا، عدد الزبائن، أنواع البضاعة التي تدخل وتخرج من المحل، علاقة البائع بموزعي الجملة والمفرق، لوحات الديون وسجلات المديونين، وقت الإغلاق ووقت البدء بالعمل، وذلك درءًا للمفاجأت غير المتوقعة ساعة تنفيذ الاقتحام.

وبعد أن أقسم الجميع على الولاء للعصابة الجديدة، وأن أخذت موافقة الأعضاء بالإجماع على كل النقاط الوارة في محضر الجلسة التأسيسي الأول، تم فض المجلس بترديد الشعار: عصابة عصابة نعيش وسط غابة. وتفرق المتآمرون.

كنا نعتقد كأطفال أن انتقامنا سيكون مدويًا، غير أن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، فرغم كل التساهل الذي قدمناه لميشيل بلاتيني ورغم إعفائه من مسألة استقبالنا في بيته بعد تنفيذ مهماتنا مؤقتًا، فقد عرفنا بأنه من وشى بنا جميعا، وأنه قد ألصق التهمة ببيليه البرازيلي فصدقناه.

وهكذا فقد رمى مارادونا الكرة نحو النافذة الخلفية لدكان أبي فاضل وكسر الزجاج فعلًا، كما ورد في بداية قصتنا، غير أن كل أفراد العصابة الكروية قد نالوا عقوبة علنية أمام سكان الحارة، التي لم تعد موجودة حاليًا بعد أن قصفت بقنابل ومدافع ودبابات النظام السوري.

اقرأ/ي أيضًا:

أنا الدمية السوداء

جوليو ريجيني.. قتلوه كما لو كان مصريًّا