ماذا يعني تسليم أليكس صعب لواشنطن في المشهد الفنزويلي الجديد؟
17 مايو 2026
أفادت وكالة الهجرة الفنزويلية بأن المسؤول الفنزويلي أليكس صعب رُحّل إلى الولايات المتحدة لمواجهة عدة تحقيقات جنائية، وذلك بعد أقل من ثلاث سنوات على صدور عفو بحقه من الرئيس الأميركي السابق جو بايدن ضمن صفقة تبادل سجناء.
ويمثل القرار تحولًا حادًا في مسار صعب، رجل الأعمال الكولومبي-الفنزويلي والحليف السابق للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الذي خاض معركة سياسية وقانونية لإعادته إلى البلاد بعد توقيفه دوليًا عام 2020. وقد يُطلب من صعب الإدلاء بشهادة ضد مادورو، الذي يواجه بدوره محاكمة في مانهاتن بتهم مرتبطة بتهريب المخدرات، عقب اعتقاله في عملية نفذتها قوات أميركية خاصة في كانون الثاني/يناير الماضي.
وأوضحت وكالة الهجرة الفنزويلية أن قرار الترحيل استند إلى تحقيقات جنائية جارية في الولايات المتحدة، مشيرة إلى صعب بصفته "مواطنًا كولومبيًا"، في إشارة إلى القانون الفنزويلي الذي يمنع تسليم المواطنين الفنزويليين.
من "دبلوماسي بريء" إلى متهم رئيسي
عقب توقيفه الأول، قدمت الحكومة الفنزويلية نسخة مما قالت إنه جواز سفر فنزويلي يعود لصعب إلى محكمة أميركية، فيما وصفته ديلسي رودريغيز، التي كانت تشغل آنذاك منصب نائبة الرئيس وتتولى حاليًا الرئاسة بالوكالة، بأنه "دبلوماسي فنزويلي بريء" تعرض لـ"اختطاف غير قانوني" خلال مهمة إلى إيران للالتفاف على العقوبات الأميركية.
واحتفت رودريغيز بعودة صعب عام 2023 ووصفتها بأنها "انتصار ساحق" لفنزويلا على ما اعتبرته حملة أميركية من "الأكاذيب والتهديدات".
وكان صعب، البالغ من العمر 54 عامًا، قد كوّن ثروة كبيرة من خلال عقود مع الحكومة الفنزويلية، قبل أن يتراجع نفوذه مع صعود القيادة الجديدة بعد إطاحة مادورو.
المشهد السياسي بدأ يتغير تدريجيًا بعد اعتقال مادورو، مع توجه السلطة الجديدة نحو توطيد العلاقات مع الولايات المتحدة وإعادة فتح قنوات التعاون السياسي والاقتصادي
ومنذ تولي ديلسي رودريغيز السلطة في 3 كانون الثاني/يناير، جرى تقليص نفوذ صعب، إذ أبعدته عن دوائر القرار وأقالته من الحكومة، بعدما شغل منصب وزير الصناعة والإنتاج الوطني بين تشرين الأول/أكتوبر 2024 وكانون الثاني/يناير 2026.
كما سُحب منه دوره بوصفه القناة الرئيسية للشركات الأجنبية الراغبة في الاستثمار في فنزويلا. وخلال الأشهر الماضية، تداولت تقارير متضاربة تفيد بأنه كان مسجونًا أو قيد الإقامة الجبرية.
وقد يؤدي نقله إلى الولايات المتحدة إلى تعميق الانقسامات داخل الائتلاف الحاكم الذي تقوده التيارات التشافية، المرتبطة بالإرث السياسي للرئيس الراحل هوغو تشافيز.
تقارب مع واشنطن وتوتر داخل المعسكر التشافي
ونجحت ديلسي رودريغيز خلال الأشهر الماضية في تعزيز التقارب مع واشنطن، كما عطّلت أي حديث عن انتخابات جديدة، بالتزامن مع استجابة حكومتها لمطالب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفتح قطاعي النفط والتعدين أمام الاستثمارات الأميركية.
لكن هذا التقارب أثار غضب أجنحة متشددة داخل المعسكر التشافي، لا سيما الشخصيات ذات النفوذ الأمني، ومن بينها وزير الداخلية ديوسدادو كابيو، الذي يواجه بدوره اتهامات جنائية في الولايات المتحدة.
وذكرت "رويترز" أن كابيو، الذي يسيطر على أجهزة الشرطة والأمن، أجرى مناقشات مع الولايات المتحدة قبل أشهر من العملية التي استهدفت مادورو.
كما كشفت مصادر تحدثت إلى "الغارديان" أن ديلسي رودريغيز وشقيقها تعهدا بالتعاون مع إدارة ترامب بعد رحيل مادورو. ونقلت الصحيفة عن مصدر أميركي شارك في الاتصالات قوله إن رودريغيز أبلغت واشنطن بأن "مادورو يجب أن يرحل"، فيما قال مصدر آخر إنها "ستتعامل مع أي واقع ينتج بعد ذلك".
تحقيقات فساد وبرنامج الغذاء
يرتبط أحد أبرز التحقيقات مع صعب بقضية رفعتها وزارة العدل الأميركية عام 2021 ضد شريكه القديم ألفارو بوليدو، وتتعلق ببرنامج "كلاب" الغذائي الذي أطلقته حكومة مادورو لتوفير مواد أساسية للفنزويليين خلال أزمة التضخم الحاد وانهيار العملة.
وتتهم السلطات الأميركية صعب بالمساعدة في إنشاء شبكة شركات استُخدمت لدفع رشاوى مقابل الحصول على عقود استيراد صناديق غذائية من المكسيك بأسعار مبالغ فيها.
وكان صعب قد اعتُقل للمرة الأولى عام 2020 بعد توقف طائرته الخاصة للتزود بالوقود في الرأس الأخضر أثناء توجهه إلى إيران، في رحلة وصفتها كاراكاس حينها بأنها "مهمة إنسانية".
ورغم اعتراضات جهات إنفاذ القانون، وافقت إدارة بايدن عام 2023 على الإفراج عنه مقابل إطلاق سراح أميركيين محتجزين في فنزويلا، وتسليم متعاقد دفاعي أجنبي يُعرف باسم "فات ليونارد"، ضمن مساعٍ لتخفيف التوتر مع كاراكاس ودفعها نحو انتخابات رئاسية حرة.
وكان العفو الذي منحه بايدن لصعب محدودًا بقضية تعود لعام 2019، تتعلق بعقد إسكان منخفض التكلفة يُتهم صعب وبوليدو بالحصول عليه عبر الرشاوى، رغم أن الوحدات السكنية لم تُشيد بعد.
تحول سياسي في فنزويلا
جاء ترحيل صعب بعد أشهر من اعتقال مادورو وزوجته سيليا فلوريس ونقلهما إلى نيويورك لمواجهة اتهامات تتعلق بتهريب المخدرات، وهي اتهامات ينفيها الطرفان.
وبحسب مصادر تحدثت إلى "رويترز"، قد يقدم صعب معلومات من شأنها تعزيز الملف الجنائي ضد مادورو، في خطوة تعكس مستوى غير مسبوق من التعاون بين أجهزة إنفاذ القانون الأميركية والفنزويلية في عهد ديلسي رودريغيز.
وعاشت فنزويلا خلال العقود الأخيرة ضمن معسكر حلفاء الصين وروسيا المناهض للولايات المتحدة، منذ وصول هوغو تشافيز إلى السلطة عام 1999، وهو النهج الذي تعزز بعد محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2002، والتي اتهمت كاراكاس واشنطن بدعمها.
لكن المشهد السياسي بدأ يتغير تدريجيًا بعد اعتقال مادورو، مع توجه السلطة الجديدة نحو توطيد العلاقات مع الولايات المتحدة وإعادة فتح قنوات التعاون السياسي والاقتصادي.
ويُعتبر ترحيل صعب من أبرز التحولات السياسية في فنزويلا على صعيد سياستها الخارجية، إذ يعكس انتقالها من حالة العداء مع أميركا إلى مسار التقارب والتحالف.
تقرؤون المزيد في: هل تتكرر تجربة فنزويلا في كوبا؟ ترامب يرسل مدير "سي آي إيه" إلى هافانا