ماذا يخبرنا إيذاء الحيوانات عن مجتمعاتنا؟
16 سبتمبر 2026
"اصطحبت هرتي ياسمين إلى الطبيب البيطري مرات عدة، على خلفية امتناعها عن الطعام والشراب والتبول، ومحاولة اختبائها في قلب خزانة ملابسي وبين ثيابي تحديدًا".
بهذه الكلمات تستعيد الإعلامية آلاء عامر قصة قطتها التي تغير سلوكها بعد زواج صاحبتها، بعدما اعتادت لسنوات طويلة أن تكون وحدها إلى جانبها.
تقول عامر لـ"الترا صوت" إن الطبيب البيطري وصف للقطة نوعًا من مضادات الاكتئاب، بعد ظهور أعراض وصفتها بأنها "اكتئاب وبكاء مستمر"، على خلفية عدم تقبلها زواج صاحبتها وشعورها بأن زوجها أصبح يشاركها الاهتمام وينام إلى جانبها.
السلوك قد يبدأ بأذية حشرة، ثم يتطور إلى ضرب القطط وركلها، أو رمي الحجارة على الكلاب وربطها، وقد يمتد في بعض الحالات إلى العلاقات العاطفية، وتعنيف الشريك وممارسة العنف الأسر
وتضيف أن القطة امتنعت عن ممارسة سلوكياتها اليومية، وهو ما اعتبرته محاولة منها لإنهاء حياتها، الأمر الذي انعكس على وزنها بشكل واضح.
وتقول عامر: "انعكس ذلك سلبًا على حياتي الزوجية، فلم أكن أحتمل فكرة أن تفقد الهرة حياتها". وبعد نحو أربعة أشهر، بدأت ياسمين بالعودة تدريجيًا إلى سلوكياتها المعتادة، قبل أن تنظر للمرة الأولى إلى زوج صاحبتها، ثم بدأت تدخل الغرفة التي يجلس فيها.
وبعد مرور نحو عشر سنوات، تقول عامر إن القطة اعتادت على زوجها، وباتت "تنام في حضنه وتقبله وتأكل من يده".
قد تبدو هذه القصة مألوفة لمحبي الحيوانات الأليفة ومربي القطط، لكنها قد تثير استغراب آخرين، خصوصًا في مجتمعات يواجه فيها البشر أنفسهم أزمات اقتصادية واجتماعية وحروبًا وانتهاكات واسعة لحقوقهم. وفي المقابل، يرى المدافعون عن حقوق الحيوانات أن الاهتمام بها لا يتعارض مع الدفاع عن حقوق الإنسان، وأن رفض العنف لا ينبغي أن يتوقف عند حدود النوع البشري.
ومن هذا المنطلق، لا تتعلق قضية الحيوانات الأليفة فقط بكيفية التعامل معها داخل المنزل، وإنما تمتد إلى سؤال آخر: ماذا يقول العنف الممارس ضد الحيوانات عن البيئة الاجتماعية التي يحدث فيها؟ وهل يمكن أن يكون إيذاء الحيوانات مؤشرًا على أنماط أوسع من العنف؟
من إيذاء الحيوانات إلى العنف المجتمعي
ترى المختصة النفسية هناء عرار أن دوافع إيذاء الحيوانات تختلف باختلاف عمر الشخص وظروفه. وتوضح لـ"الترا صوت" أن الفضول قد يدفع بعض الأطفال إلى الاستكشاف والتجربة، لكن "الضابط هو الشعور بالذنب".
وتضيف أن تكرار الطفل إيذاء الحيوانات، أو شعوره بالمتعة جراء ذلك، قد يشير إلى مشكلة نفسية أعمق، خصوصًا إذا جاء السلوك ضمن مجموعة أخرى من المؤشرات.
ولا ترتبط جريمة إيذاء الحيوانات، وفق عرار، بالفضول وحده؛ فقد يلجأ بعض الأشخاص إلى هذا السلوك باعتباره وسيلة لتفريغ المشاعر أو ممارسة السيطرة على كائن أضعف.
وتشرح أن الطفل الذي يتعرض للعنف المباشر أو غير المباشر في المنزل قد يعيد إنتاج السلوك ذاته تجاه الحيوانات التي يستطيع السيطرة عليها، كما يمكن للأطفال والمراهقين الذين يتعرضون للتنمر أو العنف من أقرانهم أن يلجؤوا إلى إيذاء الحيوانات باعتباره شكلًا من أشكال التحكم.
وفي السياق التشخيصي، تشير عرار إلى أن إيذاء الحيوانات عمدًا يعد أحد المؤشرات التي تؤخذ في الاعتبار عند تشخيص اضطراب السلوك لدى الأطفال والمراهقين دون سن الثامنة عشرة، لكنه لا يُتعامل معه منفردًا، بل إلى جانب مؤشرات أخرى، من بينها التعاطف وكسر القواعد.
وبعد سن الثامنة عشرة، تضيف عرار، يمكن أن يكون هذا السلوك أحد المؤشرات المرتبطة باضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، ضمن مجموعة أوسع من الأعراض والسلوكيات.
لكن العلاقة بين إيذاء الحيوانات والعنف اللاحق ليست مسارًا حتميًا، إذ يرتبط الأمر بالسياق النفسي والاجتماعي وبمجموعة من العوامل الأخرى. وفي هذا السياق، تقول عرار إن "سلوك تعذيب الحيوانات وإلحاق الأذى بها، يمكن أن يكون الحلقة الأولى لدائرة العنف".
وتوضح أن السلوك قد يبدأ بأذية حشرة، ثم يتطور إلى ضرب القطط وركلها، أو رمي الحجارة على الكلاب وربطها، وقد يمتد في بعض الحالات إلى العلاقات العاطفية، وتعنيف الشريك وممارسة العنف الأسري.
حين يصبح العنف مشهدًا مألوفًا
ولا تقتصر مصادر السلوك العنيف، بحسب عرار، على الأسرة أو التجارب الشخصية، إذ ترى أن وسائل التواصل الاجتماعي تؤدي دورًا في زيادة التعرض لمشاهد العنف.
وتقول إن تكرار مشاهدة هذه المشاهد قد يضعف ردة الفعل الرافضة لها ويجعل المشاهد أكثر اعتيادًا عليها، وهي الظاهرة التي تعرف في الدراسات النفسية باسم "Desensitization"، أي انخفاض الاستجابة الانفعالية تجاه مشهد أو سلوك نتيجة التعرض المتكرر له.
وتربط عرار انتشار العنف ضد الحيوانات بالبيئات التي تغيب فيها المساءلة وتطبيق القانون، وكذلك بالبيئات التي تعاني من العنف الأسري.
كما تشير إلى أن الفقر والأزمات والحروب والكوارث يمكن أن تزيد الضغوط الواقعة على المجتمعات، نتيجة قلة الموارد وضعف الرعاية البيطرية وانحسار قدرة المؤسسات على الاستجابة، إلى جانب تراجع سلطة القانون والمحاسبة.
لكنها تشدد على أن ذلك لا يعني غياب العنف ضد الحيوانات في الأسر والمجتمعات الغنية، بل إن عوامل اجتماعية ونفسية مختلفة يمكن أن تتداخل في إنتاج هذا السلوك.
القانون في مواجهة العنف
ولا تقف قضية العنف ضد الحيوانات عند الجانب النفسي أو الأخلاقي، إذ تجرّم دول عدة أشكالًا من سوء معاملة الحيوانات وتفرض عقوبات على مرتكبيها.
ففي فرنسا، يمكن أن تصل العقوبة على بعض أشكال سوء المعاملة الشديد للحيوانات إلى السجن ثلاث سنوات وغرامة مالية، بينما يجرّم قانون حماية الحيوان في بريطانيا التسبب في معاناة للحيوانات، ويمكن أن تصل العقوبة في بعض الحالات إلى السجن خمس سنوات، إضافة إلى الغرامات.
وتوجد تشريعات مماثلة في دول أوروبية أخرى، من بينها إيطاليا وألمانيا، بدرجات وعقوبات تختلف بحسب طبيعة المخالفة والظروف المحيطة بها.
وفي مثال حديث على تطبيق القانون، تشير آلاء عامر إلى حادثة وقعت في مدينة سامسون التركية، حيث ألقت الشرطة القبض على شخص بعد أن وثقت كاميرات المراقبة قيامه بركل قطة بوحشية، عقب تقدم الأهالي بشكوى ضده.
وتقول عامر إنها تؤيد تجريم هذه السلوكيات العنيفة بحق الحيوانات، معتبرة أن محاسبة مرتكبيها يمكن أن تسهم في الحد من هذه الأفعال.