ماذا لو تنسحب الولايات المتحدة من حلف الناتو؟
1 ابريل 2026
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في مقابلة مع صحيفة "التلغراف" البريطانية، أن الولايات المتحدة تفكّر بشكل جدّي في مغادرة حلف شمال الأطلسي "الناتو"، بسبب ما وصفه بالدعم العسكري المحدود الذي قدّمه الحلف لحربه ضد إيران.
وردًّا على سؤال الصحيفة عمّا إذا كان سيعيد النظر في عضوية الولايات المتحدة في حلف "الناتو" بعد الحرب، قال ترامب: "أجل، أقول إن الأمر لا يقبل إعادة النظر فحسب.. لم أكن يومًا منجذبًا إلى حلف الناتو".
وتابع الرئيس الأميركي قائلًا: "لطالما عرفت أنهم مجرد نمر من ورق، وبالمناسبة، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعلم ذلك".
في المقابل، رفضت الدول الأوروبية المشاركة في العدوان الأميركي–الإسرائيلي على إيران، كما لم ينخرط حلف "الناتو" في تلك العمليات، رغم مرور شهر على بدء الحرب.
وبالتوازي، ترددت مجموعة من حلفاء واشنطن في الانضمام إلى مبادرة ترامب لتشكيل تحالف بحري يهدف إلى فتح مضيق هرمز، في ظل حاجة الولايات المتحدة إلى كاسحات ألغام بحرية تمتلكها هذه الدول، وسط تقارير عن قيام الحرس الثوري الإيراني بنشر ألغام في المضيق.
إن انسحاب ترامب من حلف شمال الأطلسي يعني تقليص الضمانات الأمنية الأميركية، وتحميل الدول الأوروبية مسؤولية أكبر في الدفاع عن نفسها، مع إضعاف مبدأ "الدفاع الجماعي" الذي قام عليه الحلف
ما هو حلف شمال الأطلسي "الناتو"؟
تأسس حلف شمال الأطلسي "الناتو" عام 1949 بقيادة الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، في سياق التوترات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، بهدف رئيسي تمثّل في ردع أي تهديد عسكري محتمل من الاتحاد السوفيتي. وقد شكّل الحلف آنذاك مظلة أمنية جماعية لدول أوروبا الغربية، في إطار ما عُرف بالحرب الباردة، حيث سعت واشنطن إلى تثبيت نفوذها العسكري والسياسي في القارة ومنع تمدد الخصم السوفيتي.
ويقوم جوهر الحلف على مبدأ "الدفاع الجماعي"، المنصوص عليه في المادة الخامسة، التي تعتبر أن أي هجوم على دولة عضو هو هجوم على جميع الأعضاء، ما يفرض ردًا مشتركًا سياسيًا أو عسكريًا.
ومع مرور الوقت، تحوّل "الناتو" إلى منصة أوسع للتعاون الأمني وإدارة الأزمات، وواصل توسعه ليضم دولًا جديدة، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، حتى بلغ عدد أعضائه اليوم 32 دولة، ما يجعله أحد أبرز التحالفات العسكرية في العالم.
ويُقدّر مجموع عدد الجنود في دول حلف "الناتو" بنحو 3.5 ملايين جندي، بينهم نحو 1.2 مليون جندي من الولايات المتحدة.
من هي دول حلف الناتو؟
يضم حلف شمال الأطلسي "الناتو" حاليًا 32 دولة عضوًا، بعد انضمام فنلندا والسويد مؤخرًا، ويتوزع أعضاؤه بين أميركا الشمالية وأوروبا. وتشمل هذه الدول الولايات المتحدة وكندا، إلى جانب قوى أوروبية كبرى مثل المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، إضافة إلى دول أوروبا الغربية والشمالية مثل البرتغال وهولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ والدنمارك والنرويج وآيسلندا واليونان وتركيا، فضلًا عن دول أوروبا الوسطى والشرقية مثل بولندا والتشيك والمجر وسلوفاكيا وسلوفينيا ورومانيا وبلغاريا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا، إضافة إلى دول البلقان مثل كرواتيا وألبانيا والجبل الأسود ومقدونيا الشمالية.
تداعيات الانسحاب الأميركي من الناتو
إن انسحاب ترامب من حلف شمال الأطلسي يعني تقليص الضمانات الأمنية الأميركية، وتحميل الدول الأوروبية مسؤولية أكبر في الدفاع عن نفسها، مع إضعاف مبدأ "الدفاع الجماعي" الذي قام عليه الحلف.
كما يعكس هذا التوجه تغييرًا في أولويات الولايات المتحدة، حيث لم تعد أوروبا في مركز الاهتمام، مقابل تركيز أكبر على تحديات أخرى.
كما قد يدفع الدول الأوروبية إلى تنويع شراكاتها الدولية، بما في ذلك تحسين العلاقات مع الصين، مدفوعة بالحاجة إلى بدائل اقتصادية واستثمارية، وتأمين سلاسل التوريد، وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، وهو ما انعكس في إعادة تنشيط قنوات التواصل والتعاون بين أوروبا وبكين منذ العام الماضي.
أما بالنسبة إلى روسيا، فإن هذا الانسحاب يمنحها فرصة لتوسيع نفوذها في أوروبا، مستفيدة من تراجع الدور الأميركي داخل الحلف. فغياب الولايات المتحدة يضعف قدرة الردع، ويفتح المجال أمام موسكو للتحرك سياسيًا وعسكريًا في محيطها، خصوصًا في أوروبا الشرقية، كما يتيح لها تعزيز علاقاتها وتحالفاتها.
وفي سياق أوسع، يمنح هذا التحول روسيا فرصة لإعادة طرح نفسها كقوة موازنة في النظام الدولي، لا كطرف معزول كما سعت واشنطن إلى تصويرها خلال العقود الماضية. وبذلك، لا يكون انسحاب واشنطن مجرد إضعاف للناتو، بل خطوة تفتح الباب أمام إعادة توزيع النفوذ العالمي، حيث تتحرك روسيا لملء جزء من الفراغ الناتج، في لحظة تشهد فيها بنية النظام الدولي إعادة تشكيل عميقة.
ما الذي يدفع الولايات المتحدة إلى الانسحاب من الناتو؟
تتعدد الدوافع التي قد تدفع ترامب إلى التفكير بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي، ويأتي في مقدمتها اعتقاده بأن الحلف لا يحقق توازنًا عادلًا في تقاسم الأعباء، إذ يرى أن الولايات المتحدة تتحمل الجزء الأكبر من الكلفة الدفاعية، بينما لا تلتزم بعض الدول الأوروبية بنسبة الإنفاق العسكري المطلوبة.
ومن جهة أخرى، تزايدت الفجوة بين واشنطن وعدد من العواصم الأوروبية في ملفات كبرى، مثل الحرب على إيران، والعلاقة مع الصين، وأولويات الأمن العالمي. ويعزّز امتناع بعض الدول الأوروبية عن دعم السياسات الأميركية أو الانخراط في عمليات عسكرية تقودها واشنطن شعورًا داخل دوائر القرار بأن حلف شمال الأطلسي لم يعد أداة فعالة لتحقيق الأهداف الأميركية كما في السابق.
وفي السياق ذاته، تتعمّق هذه الخلافات بفعل ملفات أخرى مثيرة للجدل، من بينها الطروحات التي ارتبطت بالرئيس ترامب بشأن توسيع النفوذ الأميركي، سواء عبر السعي للسيطرة على غرينلاند أو الحديث عن ضم كندا.
وقد أثارت هذه الطروحات رفضًا أوروبيًا واسعًا، إذ اعتُبرت خروجًا عن قواعد النظام الدولي القائم على سيادة الدول، ما زاد من حدّة التوتر وأضعف مستوى الثقة بين ضفتي الأطلسي.
تقرؤون المزيد في: دعم الناتو لترامب يثير انقسامًا أوروبيًا مع تصاعد تداعيات الحرب على إيران