ماذا سيبقي من أعراس قسنطينة؟

ماذا سيبقي من أعراس قسنطينة؟

نصب تذكاري في قلب قسنطينة

إنها الأنفاس الأخيرة لتظاهرة "قسنطينة عاصمة الثقافة العربية" بعد عام كامل من "الأعراس" كما سمتها وزيرة الثقافة المخلوعة قبل اكتمال التظاهرة السينيمائية نادية العبيدي ليخلفها الكاتب عز الدين ميهوبي، وقد أحسنت عن وعي أو عن غيره اختيار اللفظة، فالعرس الثقافي الذي يعني لحظة فرح/استعراض محدود في الزمكان، غير الفعل الثقافي الذي يدخل في تثمين وعي جميل قديم وصناعة وعي جميل جديد بالثقافة بما هي فن العيش.

ليست "قسنطينة عاصمة الثقافة العربية" ثمرة لاستراتيجية ثقافية واضحة المنطلقات والآفاق 

التظاهرة التي قالت الحكومة إنها افتكتها افتكاكًا من مدن عربية كثيرة كانت تسعى إليها، أعدت لها خليدة تومي ودشنتها نادية العبيدي وواصلها عز الدين ميهوبي، وقد كان ممكنًا أن يكون هناك وزير آخر أو وزيران، بما يعني أنها ليست ثمرة لاستراتيجية ثقافية واضحة المنطلقات والآفاق في إطار الرهانات الثقافية الوطنية، بل هي ثمرة لاستراتيجية سياسية باتت ترى في النشاط الثقافي رافدًا إضافيًا لتلميع الصورة، ولا يهمها المدى الذي وصل إليه هذا النشاط أو ذاك، المهم أنه كان مبرمجًا وتداوله الإعلام الرسمي وما شابهه من الإعلام "الخاص".

اقرأ/ي أيضًا: جبران خليل جبران.. حادي الأرواح المتمردة

تتأكد لنا هذه النزعة حين نراعي أن هذا الإعلام كان يضيء الفقرات التي يحضرها الرسميون ثم يحدث بعد ذلك إظلام تام، حتى وإن كان المتدخلون بعدهم من أرباب الفكر والفن والأدب، وكانت القاعات تفرغ بعد تلك الافتتاحات الرسمية، ليجد المفكرون والفنانون والأدباء أنفسهم يدردشون مع أنفسهم كأنهم لم يغادروا فضاء فيسبوك. إنها سلطة الواجهة التي بلا اتجاه.

لا يهمنا أن نعرف المبلغ المصروف على هذه الأعراس بالضبط، فقد تعودنا في الجزائر على أن تُخصص ميزانية أولية ثم ميزانية إضافية ثم أخرى ملحقة، ليس في قطاع الثقافة فقط بل في كل القطاعات، في تضارب يشي بغياب الشفافية، لكننا نعلم أنه ليس مبلغًا بسيطًا أو عاجزًا عن صناعة ثورة ثقافية لو توفرت الأفكار عند الرسميين أو استعانوا فعلًا بذويها، فالثروة لا تصنع وحدها الثورة.

إن الأرقام التي تم الإعلان عنها في دوائر الكتاب والمسرح والسينما والتشكيل والملتقيات ليست بسيطة أيضًا، لكن السؤال الذي يطرح نفسَه هنا: كم جزائريًا وصلته هذه "الخيرات الثقافية والفنية والأدبية"؟

كم جزائريًا وصلته "الخيرات الثقافية والفنية والأدبية" التي قدمتها قسنطينة؟

في مجال الكتاب مثلًا، قيل إنه تم صرف تسعين مليارًا، أي ما لا يقل عن عشرة ملايين دولار، فهل وصلت العناوين المطبوعة إلى القارئ في قسنطينة نفسها حتى لا نقول في مدن الجنوب؟ كم جزائريًا شاهد العروض المسرحية التي أنجزت، بغض النظر عن جوانبها الفنية؟ علمًا أن الواحدة منها استهلكت ما لا يقل عن مائة ألف دولار؟

اقرأ/ي أيضًا: بودلير.. روائح أزهار الشرّ

فرق بين التدفئة بالغاز الاصطناعي والتدفئة بالحطب، فالأولى تزول بمجرد توقيف الفرن والثانية تبقى بعد أن تخبو النار، لأن هناك جمارًا متوقدة تبقى تحت الرماد، والحديث قياس على النشاطات الثقافية في الجزائر، فأية جمار تركتها تظاهرة "سنة الجزائر بفرنسا" عام 2003 وتظاهرة "الجزائر عاصمة الثقافة العربية" عام 2007 وتظاهرة "المهرجان الإفريقي" عام 2009 وتظاهرة "تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية" عام 2011؟ لقد انطفأت كلها من غير أن تخلّف لنا مثلًا جوائز وازنة تدفع بالمواهب المبدعة إلى الواجهة أو مجلات ثقافية تقدم ملامح الثقافة الوطنية، إذ هل يُعقل أن "القارة الجزائرية" لا تملك جائزة ومجلة محترمتين؟

كنت نائمًا وما الله بنائم، فرأيت مجموعة من الأشباح تدخل وتخرج من غير ضجيج يُسمع، سألت عن الأمر، فقيل لي إنهم يفكرون في عواصمَ ثقافية أخرى بعد قسنطينة لتدوير المال العام، ثم فجأة صاح شبح منهم: وجدتها.. وجدتها.. بجاية عاصمة للثقافة المتوسطية وأدرار عاصمة للثقافة الأفريقية، فصحوتُ على هتافات الأساتذة المتعاقدين المعتصمين بالقرب من بيتي: يا بن باديس.. إن الأستاذ تعيس.

اقرأ/ي أيضًا: 

المكتبات في خلفيّة الصورة

في الشعر كما في القهوة