ماذا حلّ بالطيور اللاجئة؟

ماذا حلّ بالطيور اللاجئة؟

ستيفانو كول/ إيطاليا

لستُ لاجئًا في بورغِنلاند، وإن كنتُ كذلك وفقًا للورقة الخضراء المؤقتة التي استلمتُها أول وصولي هنا، إلا أنني لا أشعر بذلك فأنا أعرف المحافظ، توقفَ بسيارته وأوصلني وأنا في طريقي إلى محل السجائر ولم يقل لي وقتها بأنه المحافظ، عرفتُ ذلك لاحقًا.

أعرفُ عمال النظافة والجيران وقطهم "برونو" وأعرف مجنونة القرية، التي اعتادت على رؤيتي وبدأت مؤخرًا بالرد على تحيتي. المسكينة، ماذا سيحصلُ لها بعد أنْ أسافر بعيدًا. وأعرفُ السكارى الذين يقتربون مني في الماركت وينصحونني بأن أشتري البيض العادي بدلًا من العلامة الخصراء الـ"BIO" لأنه مرتفع السعر ثم ينسحبون بكل هدوء ليشتروا لأنفسهم بيرة جديدة.

لستُ لاجئًا في بورغنلاند إلا أنني أحاول من باب الحيطة، بأنْ أحفظ الرقم الاجتماعي الذي أعطوني إيّاه هنا غيبًا وأرددُهُ قبل النوم أحيانًا، مع أني لم أحفظ رقمي الوطني في سوريا أبدًا، أحاول ذلك لأنني أخاف يومًا ما أن يتغير اسمي لصعوبة لفظه فأبدأ بترديد رقمي كلما عرّفتُ عن نفسي لأحدهم.

كان من الأفضل أن يكتبوا على الورقة الخضراء بأنني يتيم فقدتُ بلدي، في حادثة قُيدتْ ضدّ مجهول حتى هذه اللحظة، ورميتُ بنفسي في حضن أول وطن حنون وجدته في طريقي.

في طريقنا لإحدى النقاط الساخنة الحدودية، بين النمسا وهنغاريا، كنتُ أحاول أن أشرح لصديقتي الصحافية، القادمة من سويسرا، والتي أرادت تصوير أحوال اللاجئين هناك، بأنّ الطيور تهاجر من بلد إلى آخر هربًا من الشتاء دون فيزا، فلماذا نحتاجها، نحن الذين هربنا من ربيع تسلل إليه كل برد شتاءات العالم.

أعرفُ بأنّ الفصول لا تتساوى ولكن الهرب واحدة.

سألتُ صديقتي إذا كانت الحكومة قد سجّلتْ بصمة أجنحة العصافير القادمة من البعيد؟ 

لم تفهم صديقتي بأني كنتُ أقترحُ وضع الطيور في كامبات لحظة وصولها، وفرزها وتوزيعها على المقاطعات بالتساوي، كيلا تسبب ازدحامًا وتضييقًا على الطيور الأصلية، التي لم تعرف في حياتها طعمًا للأوراق الخضراء المؤقتة.

الطريق من الكامب إلى محل السجائر مشيًا على الأقدام وفي طقس جميل 2.7 كلم، وقد يصبح أطول بكثير في الشتاء.
الطريق من الكامب إلى الطبيب 6.6 كلم.
الطريق من تركيا إلى اليونان 250 كلم.
الطريق من اليونان إلى النمسا ثلاثة أشهر وليلتين.
الطريق من باب غرفتنا إلى باب صاحبة الكامب التي لا تعرف الابتسام 50 مترًا.
أما الطريق إلى حفل عيد ميلاد أحد الأصدقاء أو إلى دعوة على الغداء من قبل أحد الجيران فهي الطريق الأطول على الإطلاق، لأنني بصراحة لا أملك ثمن بعض الورود أو ثمن زجاجة شراب لأدخل بها على أصحابي.

كان عليّ دائمًا أن أشرح لكل من ألتقي به بأنني لم أحتفل إلا نادرًا بعيد ميلادي وبأننا لا نحتفل بأعياد الميلاد كثيرًا، وبأنني منذ خرجتُ من سوريا، أصبحتُ أغلق صفحتي على الفيسبوك، كلما اقترب يوم ميلادي، لكي لا يحرجني أحدهم ويقول لي: "كل عام وأنت بخير" فأنا لستُ قريبًا من ذلك الخير، أنا بعيد منذ أصبحت كل الأمور تُقاس بالكيلومترات ومنذ صار لقاء أهلي وأصدقائي مسألة حسابية معقدة.

بدأت بتكلم الألمانية بعد انقضاء الأشهر الثلاثة الأولى من إقامتي في الكامب، ولكنني كنت أترك قدرتي على الكلام في الغرفة، قبل أن أخرج وفي نيتي أن أركب الباص لأذهب لشراء شيء ما من المدينة المجاورة، كنتُ أعرف بأن السائق سيستشعر دون الحاجة للغات العالم بأنني لا أملك نقودًا زائدة عن حاجتي لأدفع ثمن التذكرة، فيُشيرُ بإصبعه لأجلس دون أن أدفع وأضعُ أنا يدي على قلبي تعبيرًا عن امتناني.

بعد انقضاء أشهر أخريات حصلتُ على بعض النقود، وعدتُ إلى السائق لأعيد له عشرة يورو تعويضًا عن المرّات التي ركبتُ فيها الباص دون شراء تذكرة، لكنه لم يأخذها مني، رغم إصراري.

طريق اللجوء بحد ذاته ليس صعبًا لأني مشيته وأنا صامت، وإن تكلمتُ فإنّ كل ما كنتُ أقوله لنفسي أو لأخي: "غدًا سنصل، لم يبق لنا سوى القليل، إنا جائع، أنا بردان، هانت بعض الجبال وننتهي".

اللجوء هو الاغتراب في اللغة وعدم معرفتها، أو أن ينتهي قاموس كلماتك التي تعرفها من لغة البلد الذي انتهى طريق إليه.

نزلتُ، في أحد أيامي الأولى في بورغنلاند، إلى محل السجائر وسألته بالإنجليزية عن موقف الباصات، ولكنه لوّح لي بيده مشيرًا إلى الباب لأخرج، وعدت مشيًا إلى الكامب مسافة 6.6 كلم طويلة. كنتُ متأكدًا من أن الرجل صاحب المحل سينسى مروري فور خروجي من عنده، بعد قليل من الشتائم أو الانتقاد الحاد لأزمة اللاجئين، فأنا وقتها لم أكن سوى لاجئ غريب اللغة بكل ما تعنيه الكلمة. رجعتُ إلى المحل نفسه بعد أشهر، وهذه المرة لم أترك مقدرتي في تحدث اللغة الألمانية في الغرفة، وضعتُ ما حفظته أمام عيني متجهزًا للانقضاض على الرجل صاحب محل السجائر فور وصولي، ولكنني لم أملك وقتًا للانقضاض عليه حقيقة.

بعد أن خرجتْ من فمي كلمتان اثنتان باللغة الألمانية، استوقفتني ابتسامته العريضة التي لم تترك لي مجالًا لأكمل حديثي، وخرج فورًا من خلف طاولة البيع وانقضَ علي وهو يربتُ على كتفي ليكيل لي المجاملات عن طلاقتي في اللغة، وإن لم تتعدَ كلمتين إثنتين فحسب. أجابني عن سؤالي وأرسلني في طريقي.

الطريق من باب غرفتي الأخيرة إلى باب غرفتي الأولى 3151 كم. انظروا إلى أين وصلتُ وكم من المسافات قطعتُ في حياتي.

أحسدُ الطيور لأنها ترفرف ببساطة من مكان إلى آخر، وأحسدها لأنها لا تتعلم لغة كل بلد تذهب إليه، وبالتأكيد أحسد طائر اللقلّق الكبير الذي يعيش فوق مبنى البلدية في "أوبرشوتسن"، ويغيب لأيام دون أن يُبلّغ السلطات عن وجهة سفره.
 
أنا مثقف أعيش في قرية كلابها مثقفة. المسافة من "أوبرشوتسن" إلى مدرسة اللغة الألمانية 7.9 كلم.

عندما كتبتُ أول رسالة إلى أصدقائي في سويسرا، وقعتُ الرسالة بتحية "حيث نهاية العالم، وثلاثة أميال أبعد"، كانت المسافات آنذاك كبيرة جدًا، وكانت القرية الصغيرة آنذاك نهاية العالم فعلًا، واعتقدتُ بأنه لن يكون هناك بدايات بعد هذه الإقامة الملونة بالصمت والموسومة بالعزلة.

لا أملكُ الكثير من الوقت في هذه الحياة الجديدة، وعندي الكثير من المسافات التي يجب عليّ أن أقطعها، مشيًا على الأقدام أو باستخدام الباص، برفع يدي للسيارات العابرة من على زاوية الطرق، باستخدام القطار، بتذكرة أو من دون تذكرة، باستخدام الرسائل الورقية، أوالبريد الإلكتروني. ولكني أوقّعُ الرسائل الآن بتحية "من بداية العالم الجديد"، ريثما أسترد عالمي الأول، عالمي الذي كان يتكوّن من غرفة تبعد مسافة بضعة أمتار عن عائلتي.

اقرأ/ي أيضًا:

‎بغداد في زمانين

أشياء متأخرة عن جدّي