ماذا تعرف عن

ماذا تعرف عن "صيد الساحرات" في المغرب؟

عادت ممارسات الخرافة للازدهار في المغرب (مواقع التواصل الاجتماعي)

بكاميرته الهاتفية يحاول الشاب الثلاثيني، رضوان، الذي أصبح يلقب بـ"صائد الساحرات"؛ فضح نسوة وهن يهمن بالدخول إلى منزل "مشعوذة"، أو خارجين منه بعد أن تلقين "وصفة السحر" من صاحبة البيت، في إحدى ضواحي مدينة سلا بالمغرب، حيث يقوم بتصوير وجوههن وهو يُقَرّع ما يقمن به بتعليقات مرتجلة. مبررًا فعلته بأنه قرر الإقدام على هذه الخطوة بعد أن عانى شباب حيه وساكنته من تبعات "السحر والشعوذة".

انتشرت على نطاق واسع بالسوشيال ميديا في المغرب، مقاطع فيديو لشاب يعمل على "صيد الساحرات" والنسوة اللائي يترددن عليهن!

وانتشرت مقاطع الفيديو التي صورها الشاب على نطاق واسع بفيسبوك ويوتوب، محققة مئات الآلاف من المشاهدات. ويظهر في هذه المقاطع مجموعة من النساء من طبقات اجتماعية مختلفة، يترددن على "بيت الساحرة"، كما تظهر بعض الفيديوهات الأخرى بقايا حيوانات مرمية في المكان، وكذا طلاسم ومواد غريبة، يقول المصور إن المشعوذة تستعملها في ممارسة السحر.

اقرأ/ي أيضًا: كيف خدع "وليّ" كنز سرغينة 20 ألف مغربي واتّبعوه للوهم؟

ولاقى فعل "صائد الساحرات" ذاك، دعمًا وإشادة من قبل رواد مواقع التواصل الاجتماعي، الذين أعادوا مشاركة فيديوهاته على صفحات اجتماعية مختلفة، معتبرين ما فعله الشاب مبادرة في الاتجاه الصحيح لمحاربة ظاهرة الشعوذة، بعد أن توانت السلطة في وضع حد للسحرة والمشعوذين في البلاد.

وفي المقابل، رأى البعض أن تصوير هؤلاء النسوة ونشر صورهن على فيسبوك، يعد تشهيرًا بهن وتشويهًا لسمعتهن، داعين السلطات الأمنية إلى التدخل من أجل اعتقال الواقف وراء تصوير هذه الفيديوهات وبثها.

وفي هذا الاتجاه قال الباحث الإسلامي عبد الوهاب رفيقي، الملقب بأبي حفص، في تدوينة له، إن "الاحتفاء بمصور الفيديوهات، وتقديمه بصفة البطل هو تشجيع على الفوضى وقضاء الشارع والمحاكمات الشعبية" مضيفًا أنه "لن نستغرب، إن شجعنا هذا السلوك الأرعن، قيام آخرين فيما بعد بتصوير النساء اللواتي يلبسن لباسًا يرونه غير لائق، أو بتصوير العشاق وهم يسترقون قبلة على ضفة شاطئ أو بين أشجار غابة أو داخل سيارة، ثم يشهرون بهم على مواقع التواصل الاجتماعي".

وذهل الكثير من خلال هذه الفيديوهات التي صوّرها "صائد الساحرات" من استمرار رواج ظواهر الشعوذة والسحر في المجتمع المغربي إلى الآن، وكونها لا زالت تستقطب فئات اجتماعية مختلفة، بما فيها المتعلمة والثرية، إلى حد أن شيئًا ما من الهلع بدأ في الانتشار بين الناس من احتمال تعرضهم للأذى نتيجة "السحر الأسود"، وتحديدًا الشباب، الذين يرون أنفسهم مستهدفين من قبل الإناث اللاتي يلجأن إلى هذه الوسيلة للانتقام أو التحكم في الرجل، كما يشيع في المعتقد الشعبي. ما أجبر بعضهم على التصدي بأنفسهم للظاهرة حتى لو كلفهم الأمر السجن بتهمة التشهير!

غير أن تعاطي السحر ليس غريبًا، بالنظر إلى أن للمجتمع المغربي تاريخ عريق مع الخرافة، ولا تزال المعتقدات الخرافية، التي ترجع المرض الجسدي والنفسي أو صدمات الحياة إلى السحر والعين والمس من الجن وغيرها من المعتقدات غير العلمية، إلى اليوم تسيطر على عقول كثير من الناس، مما يحذو بهم إلى التوجه نحو الدجالين والمشعوذين والرقاة والأضرحة طلبا للعلاج.

يبدو أن العودة لممارسات السحر في المغرب، رغم حداثة العصر الذي نعيشه، إنما هي ناجمة عن تدني مستوى الثقة العامة وتدهور الأوضاع المعيشية

و"مطاردة الساحرات" كانت ممارسة سائدة في أوروبا ومستعمراتها في أمريكا الشمالية بين القرنين الـ15 إلى 18، وأدّت إلى مقتل ما يقدر بـ35 ألف إلى 100 ألف امرأة اتهمت بالسحر، حيث كانت النساء المشتبه فيهن يتعرضن إلى محاكمات استعراضية علنية، ويتم تعذيبهن ثم شنقهن أو حرقهن أمام الملأ، فآنذاك كان الناس في أوروبا يعرفون ذعرًا أخلاقيًا وهستيريا جماعية من الساحرات، ويتصورون أنهن مصدر شر في مجتمعاتهم المحلية.

وعمومًا فالاعتقاد في السحر والعرافة ومحاولات استخدام السحر للتأثير على الرفاه الشخصي (زيادة المال، والفوز بالحب ، وما إلى ذلك) هي ظاهرة ثقافية عالمية. لكن التفشي الدوري لممارسة مطاردة الساحرات في مجتمعات مختلفة منفصلة جغرافيًا وثقافيًا (أوروبا وأفريقيا والهند وغينيا الجديدة) في حقب زمنية معينة، أثار اهتمام الأونثروبولوجيين للنظر في خلفية هذا السلوك.

وتوصلت إحدى الدراسات، التي استخدمت بيانات من 19 دولة في أفريقيا جنوب الصحراء، إلى أن معتقدات السحر وممارسة مطاردة الساحرات، تسود عندما يكون المجتمع في مستويات أدنى من الثقة، وفي مستوى منخفض من العطاء الخيري، ولديه مشاركة أقل في الشأن العام. فيما وجدت دراسة أخرى في تنزانيا أن صدمات الدخل تؤدي إلى زيادة كبيرة في مقتل "الساحرات".

وتبعًا لذلك، يبدو أن العودة القوية لممارسات السحر في المجتمع المغربي، حتى مع عصر المعلومات والإنترنت، ناجمة عن تدني مستوى الثقة العامة والتدهور السريع للأوضاع المعيشية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"الرقية الشرعية".. طريق الدجالين إلى المال والجنس!

كيف تفاقم "طب الخرافة" على كتف قطاع الصحة المغربي؟