ultracheck
  1. قول

ماذا تخبرنا دمعة ميسي عن أفكارنا حول السعادة؟

1 أغسطس 2026
ميسي
ميسي يبكي بعد خسارة نهائي المونديال (Getty)
فراس حمية فراس حمية

ما الذي يدفع شخصًا مثل ليونيل ميسي إلى البكاء؟ وما الذي يجعل لاعبًا يملك ثروة هائلة، وشهرة عالمية، ومحبة مئات الملايين، يقف عاجزًا أمام دموعه بعد خسارة مباراة نهائي كأس العالم؟ يصعب تخيّل حجم المكانة التي يحتلها ميسي، فملايين البشر يحفظون اسمه، ويعلّقون عليه آمالهم، ويتابعون كل خطوة يخطوها.
تشير التقديرات إلى أن نحو 1.8 مليار شخص تابعوا نهائي كأس العالم، وهو رقم يكشف حجم الجمهور الذي يخاطبه لاعب مثل ميسي، وحجم التوقعات التي تُلقى على عاتقه في كل مباراة.

عند هذه النقطة بدأت أطرح على نفسي أسئلة أخرى: كيف يعيش إنسان هذا القدر من الاهتمام والحب والشهرة والثروة؟ ثم عدت إلى السؤال الأساسي: لماذا يبكي شخص حقق تقريبًا كل ما يمكن أن يحلم به أي لاعب؟ لقد فاز بكأس العالم، وحصد معظم الألقاب الفردية والجماعية، وكتب اسمه في تاريخ كرة القدم بوصفه أحد أعظم من مارس اللعبة، إن لم يكن أعظمهم.

وحتى بعد عقود، قد ينسى التاريخ أسماء كثير من اللاعبين، لكنه على الأرجح لن ينسى ليونيل ميسي، اللاعب الذي رافق جيلًا كاملًا لأكثر من عشرين عامًا، وأمتع جماهير كرة القدم حول العالم. وربما لهذا السبب أيضًا نشعر أننا محظوظون لأننا عشنا في الزمن نفسه الذي لعب فيه وشاهدناه عن قرب، لا عبر مرآة التاريخ.

نهاية الرحلة

أحيانًا لا يبكي الإنسان بسبب الخسارة وحدها، بل بسبب إدراكه أن فصلًا كاملًا من حياته يوشك على الانتهاء. فبالنسبة لميسي، لم تكن المباراة مجرد نهائي خسره، بل لحظة مواجهة مع اقتراب نهاية رحلة امتدت لأكثر من عشرين عامًا على أعلى مستوى. فعمره البالغ 39 عامًا يجعل هذا المونديال، على الأرجح، آخر فرصة له للمنافسة على اللقب العالمي.

أحيانًا لا يبكي الإنسان بسبب الخسارة وحدها، بل بسبب إدراكه أن فصلًا كاملًا من حياته يوشك على الانتهاء

بعض الهزائم أقسى من غيرها

وربما كان السبب أن الهزيمة جاءت على بعد خطوة واحدة من اللقب. فخسارة الأرجنتين بهدف في الوقت الإضافي، بعد مشوار طويل، جعلت الإحساس بالخسارة أقسى، لأن الألم غالبًا يكون أكبر عندما يكون الإنجاز قريبًا جدًا. وربما كان الدافع شخصيًا أيضًا، فبعض الهزائم تكون قاسية ليس بسبب نتيجتها فقط، بل بسبب اللحظة التي تأتي فيها، خصوصًا عندما تكون في نهائي كأس العالم، لا في مرحلة مبكرة من البطولة أو في مرحلة مبكرة من العمر.

مسؤولية كبيرة

أو لأنه ببساطة كان محبطًا من أداء منتخب الأرجنتين، الذي لم يتمكن من فرض أسلوبه ولم يصنع فرصًا حقيقية تقريبًا خلال النهائي. وربما شعر ميسي أيضًا بأن هذا الفريق، بنسخته الحالية، لم يكن قادرًا على الانسجام مع قدراته الخاصة، وأنه كان يحتاج إلى مجموعة أكثر قدرة على مساعدته في اللحظات الحاسمة. وربما زاد من قسوة الشعور أنه وجد نفسه في هذه المباراة المصيرية وكأنه يحمل العبء الأكبر وحده.

فخلال هذا المونديال، كما في مراحل سابقة من مسيرته، طاولت ميسي انتقادات حمّلته مسؤولية النتائج، أو شككت في قدرته على التأثير بعيدًا عن فريق قوي من حوله. وهي مقولات اعتبرها كثيرون مجحفة بحقه، لكنها تكشف أيضًا حجم الضغط الذي يرافق لاعبًا بحجم ميسي، حيث تتحول كل نتيجة إلى مسؤولية شخصية ملقاة على عاتقه.

الأمل معقود دائمًا على البطل

وربما بكى لأنه شعر بالعجز. فالرياضي الكبير قد يتقبل الخسارة أحيانًا، لكن من أصعب المشاعر أن يشعر بأنه لم يتمكن من تغيير مجرى المباراة أو مساعدة فريقه كما اعتاد أن يفعل طوال مسيرته. وهذا الشعور يكون أكثر قسوة عندما يصيب لاعبًا بحجم ميسي، الذي اعتاد الجمهور أن ينتظر منه الحلول في أصعب اللحظات، كونه يمثل صورة "البطل" المنقذ في مخيلتهم.

دمعة تهزّ مفهومنا عن السعادة

فكّرت: إذا كان شخص يملك كل هذا المال والشهرة والحب، فلماذا تمرّ عليه لحظات يبكي فيها ويحزن؟ ربما لأن ميسي، في النهاية، إنسان. فلا المال، ولا الشهرة، ولا حب ملايين الناس يمنع الإنسان من الحزن أو البكاء. نعيش أحيانًا وهمًا بأن هناك نقطة معينة، إذا وصلنا إليها، تنتهي كل مشاكلنا. نقول: لو امتلكت مليون دولار، لو أصبحت مشهورًا، لو حققت حلمي، سأصبح سعيدًا، ولن يكون للحزن مكان في حياتي، وسأبقى سعيدًا إلى الأبد.

لكن دمعة ميسي تخبرنا العكس. فالإنسان لا يتوقف عن الحزن عندما ينجح. النجاح لا يلغي الخسارة، والشهرة لا تلغي الوجع، والمال لا يلغي المشاعر. ربما لا يبكي الإنسان لأنه يفتقد شيئًا فقط، بل أحيانًا لأنه يدرك قيمة الشيء الذي يخسره. وميسي ربما كان يبكي لأنه أدرك أن هذه قد تكون فرصته الأخيرة، وأن حتى أعظم المسيرات تصل في النهاية إلى لحظة الوداع. نحن نحب ميسي ربما لأننا نراه أحيانًا شخصًا يتجاوز حدود البشر. لكن عندما رأيناه يبكي، تذكرنا أنه يشبهنا: يخاف، ينهزم، ينكسر، ويتعلق بحلم. ربما لم تقلّل دموعه من صورته، بل جعلته أقرب إلينا.

كثير من الأساطير بكوا في النهاية؛ دموع تذكّر بأن كرة القدم تبقى إنسانية رغم كل شيء

وهذه ليست حال ميسي وحده، بل حال كثير من اللاعبين الذين حفروا أسماءهم في تاريخ كرة القدم. فقبل أكثر من ثلاثة عقود، بكى دييغو مارادونا بعد خسارة نهائي مونديال 1990، في لحظة ظهر فيها الجانب الإنساني للاعب الذي حمل أحلام شعب كامل على كتفيه. وكذلك بكى كريستيانو رونالدو بعد خسارة منتخب البرتغال أمام إسبانيا بهدف دون رد، في مشهد أعاد التذكير بأن حتى أعظم اللاعبين لا يقفون بمنأى عن مشاعر الخسارة والانكسار.

وهم السعادة الكاملة

كثير من الأساطير بكوا في نهاية رحلتهم الكروية أو بعد خسارتهم للألقاب. وهي دموع ثمينة لأنها تذكّرنا بأن كرة القدم، رغم الشهرة والمال والتكنولوجيا التي دخلت إليها وغيرت شكلها، لا تزال لعبة إنسانية في جوهرها. فالدموع تحافظ على الجانب العاطفي في هذه اللعبة، وتربطها بذلك المعنى البسيط الذي عرفناه عندما كنا أطفالًا نركل الكرة في الأزقة والأحياء.

وربما تكشف لنا هذه الدموع أيضًا أن السعادة لا تأتي دائمًا من الأشياء التي تبدو كاملة من الخارج. فما يراه الناس لامعًا ومثاليًا قد يخفي في داخله إنسانًا رقيقًا، يحمل أحلامًا وضغوطًا، ويتألم ويخسر مثل أي إنسان آخر. وربما هذا هو ما تخبرنا به دمعة ميسي: أننا لا نصل إلى السعادة عندما نتوقف عن الحزن، بل عندما نجد أشياء في حياتنا تستحق أن نحزن لفقدانها.

كلمات مفتاحية
السلطة الجديدة في سوريا

سقوط نظام الأسد وتحولات الدولة: سوريا في بنية النظام الدولي

نطلق الواقعية الجديدة التي طورها كينيث والتز من اعتبار الدولة وحدة تتحرك داخل بنية دولية تتجاوز إرادة الحكومات والأفراد

بلدة بيتا

كيف يكرّس اليمين الإسرائيلي واقعًا بلا أفق سياسي في الأراضي المحتلة؟

لم يعد السؤال الأكثر إلحاحًا في إسرائيل اليوم هو ما إذا كان "حل الدولتين" ممكنًا، بل ما الذي يحلّ مكانه على الأرض فيما يستمر الجميع في الحديث عنه

زياد خداش وسليمان منصور

عن سليمان منصور: البراءة والمخيم والحب

سأتحدث عن صفة في شخصية الفنان الراحل سليمان منصور لا ينتبه لها أحد، أو لا يركز عليها واصفو سليمان ومحللو شخصيته ولوحاته ومكانته

صورة تعبيرية
نصوص

رسائل هاملت المتأخرة

لا وقتَ للشعرِ؛ فالذِكرياتُ تئن، في حبرٍ جليلٍ وأوراقٍ جَميلة، لا وقت للشعر، فالشعر في المنفى قليلُ الحيلة

صورة تعبيرية
تكنولوجيا

كيف توظّف تايوان "سلاح الرقائق الإلكترونية" لتعزيز نفوذها؟

تواجه تايبيه معضلة استراتيجية، فكلما نجحت في استخدام صناعة الرقائق لتعزيز علاقاتها الدولية، زادت الضغوط عليها لتوزيع هذه الصناعة عالميًا

فرنسا
مجتمع

"عزلة وفرط تنبّه".. عن المعركة النفسية والتعليمية للطلاب العرب في فرنسا

يعاني الطلاب العرب في فرنسا من انعدام اللغة والتواصل، إلا أن أعداد كبيرة منهم يتجاوزون التحديات وينجحون بالالتحاق بالجامعات الفرنسية، ومختلف مجالات العمل

أديداس
راصد

أديداس تروّج لجندي إسرائيلي مبتور الساق.. غضب واسع ودعوات للمقاطعة

تركزت الانتقادات بشكل أساسي على المفارقة التي تتمثل في إبراز تجربة جندي إسرائيلي مبتور الساق، في الوقت الذي يعاني فيه آلاف الفلسطينيين، وبينهم عدد كبير من الأطفال، من إصابات وبتر للأطراف جراء حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة