ماذا بعد تشكيل لجنة الدستور السوري؟

ماذا بعد تشكيل لجنة الدستور السوري؟

يعتبر ناشطون أن تشكيل اللجنة الدستورية يمثل انحرافًا عن مسار جنيف (Getty)

ترحيب دولي بإعلان أنطونيو غوتيريش أمين عام الأمم المتحدة عن تشكيل لجنة صياغة الدستور السوري، رافقه تشكيك بجدية نظام الأسد في إنجاز حل سياسي، في حين وصف مراقبون تشكيل "اللجنة"، بأنه انحراف عن مسار جنيف التفاوضي والقرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن، الذي ينص على بدء عملية انتقال سياسي في سوريا ينتج عنه لجنة لصياغة الدستور السوري.

 وصف مراقبون تشكيل اللجنة الدستورية، بأنه انحراف عن مسار جنيف التفاوضي والقرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن بشأن الانتقال السياسي في سوريا

وكان غوتيريش أعلن يوم الإثنين الماضي تشكيل اللجنة الدستورية لسوريا، بعد تعثر العملية السياسية وفق بيان جنيف1.  وقال غوتيريش للصحفيين: "ستسهل الأمم المتحدة في جنيف عملها"، مضيفًا أن اللجنة ستجتمع خلال الأسابيع المقبلة".

اقرأ/ي أيضًا: اللجنة الدستورية قيد الإنجاز.. هل سيكون لبشار الأسد مستقبل سياسي؟

عوائق أمام عمل اللجنة

ولادة اللجنة جاءت بعد مباحثات قادها المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسون مع نظام الأسد والمعارضة السورية متمثلة بالهيئة العليا للتفاوض، وبينما تصر المعارضة على مرجعية القرار 2254 كأساس لعمل اللجنة، يرى مراقبون تضاربًا بين مسار جنيف ومسار سوتشي برعاية روسيا والذي أنتج فعلًا اللجنة الدستورية.

وكما يكشف تقرير نشرته صحيفة العربي الجديد، فإن عقبات عديدة تقف أمام هذه الخطوة، قد تحول العملية إلى مجرد مضيعة للوقت مع احتفاظ روسيا والنظام وإيران بالقدرة على اصطناع العراقيل أمام اللجنة والمسار السياسي بشكل عام، إضافة لإدراك هذا التحالف أن أي مسار سياسي حقيقي ترعاه الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بعيدًا عن الهيمنة الروسية، لا بد أن ينتهي بتغيير نظام الأسد، المتهم بارتكاب جرائم حرب ضدّ السوريين، وفق شهادات منظمات تابعة للأمم المتحدة وأخرى حقوقية متخصصة.

وبحسب الصحيفة تتخوّف بعض أوساط المعارضة السورية من أن هذه اللجنة لن تفضي، في ظلّ إمساك روسيا والنظام وإيران بزمام الأمور في سوريا، إلى حلّ سياسي حقيقي، بل ستؤدي إلى وأد طموحات السوريين بالتغيير، وفي أحسن الأحوال ستكون خدعة وملهاة لهم لردح من الزمن.

المستشار الخاص لدى معهد مونتني في باريس ميشال دوكلوس، الذي شغل منصب سفير فرنسا لدى دمشق، قال لوكالة فرانس برس إن الأسد "في موقع قوة ويوعز له الروس القيام ببعض الخطوات (على غرار اللجنة الدستورية) لكنه قاوم رغبتهم هذه على مدى أشهر". ويرى أن الأسد "يحتفظ بإمكانية عرقلة استمرار العملية. وفي غضون ذلك ستكون هناك انتخابات.. وسيُعاد انتخابه في العام 2021 في حال لم يتغير شيء".

ورجّح الباحث في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية جوليان بارنز- دايسي لفرانس برس أن "الحكومة السورية ستواصل بلا شك إعاقة هذه العملية"، مضيفًا "يجب علينا ألا نتوقع تسوية سياسية عادلة أو إصلاحات جوهرية من جانبها".

آلية عمل اللجنة

قال مصدر مطلع لموقع تلفزيون سوريا، إن اللجنة مكونة من 50 اسمًا للمعارضة و50 اسمًا للمجتمع المدني (مناصفة بين المعارضة والنظام مع هامش توازن) و50 اسمًا لنظام الأسد.

وتتألف المجموعة الأساسية للجنة من 45 اسمًا يتم اختيارهم من قبل المكونات الثلاثة (15 من كتلة المعارضة، 15 من كتلة النظام، 15 من كتلة المجتمع المدني)، وكل مكون يختار من يمثله مع الأخذ بعين الاعتبار وجود قانونيين لديهم خبرة بكتابة الدستور. وتكون رئاسة المجموعة الأساسية للعمل مشتركة.

ومن مهام المجموعة الأساسية كتابة دستور واحد مشترك، كما أنها ستجتمع في جنيف وتكتب الدستور، أما باقي الأسماء فستكون مرجعية لهم. وفي حال الخلاف حول مواد الدستور تحسم القرارات عن طريق التصويت ضمن المجموعة الأساسية (45 عضوًا).

وأضاف المصدر أنه بعد انتهاء المجموعة الأساسية من كتابة الدستور سيتم إحالته للجنة الدستورية (150 عضوًا) للتصويت عليه. مشيرًا إلى أن الأمم المتحدة ستشرف على العملية بشكل كامل بما فيها نقل الدستور المقترح للاستفتاء عليه وضمان شفافية عملية الاستفتاء داخل سوريا وخارجها.

ما مصير الحكم الانتقالي؟

أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أشار إلى أن اللجنة الدستورية ستعمل وفقًا للقرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، لكن تشكيل اللجنة يأتي تجاوزًا لإحدى أهم السلال والملفات التي تبنتها الأمم المتحدة في مسارها لحل القضية، وهي سلة الحكم الانتقالي، المتضمنة هيئة حكم انتقالي ذات صلاحيات تنفيذية واسعة، تشرف فيما بعد على صياغة دستور جديد والإعداد لانتخابات بإشراف الأمم المتحدة. وتلك السلة كانت المعارضة تصرّ على تقديمها مع كل جولة من جولات التفاوض في جنيف، قبل تشتيت القضية السورية بين مسارات مختلفة (أستانا، سوتشي)، رعتها ووضعت أسسها دول إقليمية بناء على رؤيتها للحل.

وكانت صحيفة "الوطن" الموالية للنظام السوري، قد قالت إن اللجنة تشكلت "بعد فرض الرؤية السورية" بالإشارة لرؤية النظام. ونقلت الصحيفة عن وزير خارجية النظام وليد المعلم تصريحات أدلى بها خلال مؤتمر صحافي، قال فيها إن "اللجنة أنجزت بفضل توجيهات الرئيس بشار الأسد، وحافظت القيادة السورية على تطلعات الشعب السوري، واحترمت هذه التطلعات".

وبحسب القرارين الأممين 2254 و2118 والقرارات الأممية الأخرى، فإن تشكيل لجنة صياغة الدستور هي من مهام هيئة الحكم الانتقالي، إلا أن ما حدث كان عكس ذلك، ومن وظيفتها أيضًا تمهيد الانتقال السياسي، ومن بين أعمالها كما يقول بيان جنيف1 إعادة هيكلة الجيش وإصلاح أجهزة الأمن حتى يكون الحكم ذا مصداقية وغير طائفي.

ويرى مراقبون أن اللجنة ستحتاج لتعمل إلى ضغوط دولية إضافية لتجاوز عقد معينة، مؤكدين أن قدرة المعارضة في اللجنة تنبع من مرجعية القرار 2254 بمعنى مرجعية القرارات الدولية.

هل تتفق الدول الضامنة والغرب حول مستقبل سوريا؟

أعلنت الدول الضامنة عن الاتفاق على تشكيل لجنة صياغة الدستور السوري خلال قمة أنقرة التي جمعت الشهر الجاري زعماء تركيا وروسيا وإيران، وشدد الزعماء على وحدة الأراضي السورية، وفي كانون الثاني/يناير 2018، صدر قرار بهذا الصدد من "مؤتمر الحوار الوطني" المنعقد في سوتشي الروسية، حيث قررت الأمم المتحدة وتركيا وإيران وروسيا البلد المضيف، وممثلون عن المعارضة والنظام، تشكيل لجنة دستورية.

سعت روسيا وإيران خلال السنوات الماضية إلى حماية نظام الأسد من السقوط، ونجحت موسكو في جعل الحديث عن مصير بشار الأسد غير مطروح على طاولة المفاوضات، في حين ما زالت أنقرة تعلن عن معارضتها لبقاء نظام الأسد المتهم بارتكاب جرائم حرب وتهجير وتشريد ملايين السوريين.

كذلك تحتاج إيران إلى بقاء نظام الأسد لاستكمال مشروعها الذي يصل طهران ببيروت عبر الأراضي السورية، ويأتي الإعلان عن تشكيل اللجنة بعد الاتفاق أيضًا بشأن ملف إدلب، حيث حققت روسيا والنظام تقدما عسكريًا على حساب المعارضة العسكرية المدعومة من تركيا.

 وكشفت مصادر خاصة لـ "ألترا صوت" عن دعوة أنقرة لناشطين وسياسيين سوريين للمشاركة في اجتماع مع المسؤول التركي عن الملف السوري والمعروف بين أوساط السوريين بـ "أبو فرقان" ويرجح مشاركون أن الاجتماع سيتناول موضوع إدلب والعملية السياسية.

في السياق نقلت الوكالة الألمانية عن مواقع التواصل الاجتماعي التابعة لقاعدة حميميم العسكرية الروسية في سوريا قولها: "باتت مقاطعة إدلب تحت سيطرة الإرهابيين ولم يعد هناك وجود لأي قوات معتدلة، ولا يوجد حل بسيط نهائيًا، فأي عملية عسكرية واسعة النطاق ستتحول إلى كارثة إنسانية تهدد الحلفاء، وتثير غضب تركيا الحليف القوي، وفي الوقت نفسه من المستحيل السماح لتنظيمي هيئة تحرير الشام وأحرار الشام أن تكون معقلًا لهم لتهديد مصالح روسيا".

اقرأ/ي أيضًا: خطة إعادة إعمار سوريا.. منفعةٌ للحلفاء وإمعانٌ في التمييز والاضطهاد

وأضافت: "لذلك يجب أن نقوم بسلسلة من عمليات مكافحة الإرهاب على مدار سنوات طويلة دون هجوم واسع النطاق".

كشفت مصادر خاصة لـ "ألترا صوت" عن دعوة أنقرة لناشطين وسياسيين سوريين للمشاركة في اجتماع مع المسؤول التركي عن الملف السوري والمعروف بين أوساط السوريين بـ "أبو فرقان"

وتأمل الدول الغربية أن يمهد تشكيل اللجنة الطريق لإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وأن يسمح لملايين اللاجئين السوريين، وكثيرون منهم معارضون للأسد، بالعودة إلى بلدهم. لكن محللين يقولون إنه من غير المرجح أن يوافق الأسد على أي شيء قد يهدد موقعه ويسقط نظامه.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

المأساة السورية وأوهام الحل السياسي