مات ولا يزال عاضًا على أصابعهِ

مات ولا يزال عاضًا على أصابعهِ

سيروان باران/ كردستان العراق

صورة شهيد

أبوه وهو يحبس دموعه

فتتيبس على أحداقه مثل مخلفات حربية،

أمه وقد نمت التجاعيد على وجهها

مثل خطوط دفتر الملاحظات.

زوجته وهي تشعر أن قلبها يبعث الدخان

من ثقوب تشبه الناي. 

إخوته وقد تساقطت أيامهم شيبة شيبة

أصدقاؤه وهم يطاردون

ذكرياته  كمن يطارد أثر الفراشة!

أطفاله تسحب كلمة "بابا" دموعهم

من مآقيهم مثل دلو بئر

أنا لا أنظر إلى صورة الشهيد وحده

أنا أفتح باب قلبي بما فيه الكفاية

لأحمل كل صور أحبته 

وأدسها فيه

على هيئة عراقٌ مستلب!

 

كيف يموت العراقي محتجًا؟

1

ولأنه ورثَ كُل آلام العراق مبكرًا؛

مات وهو لم يزال عاضًا على أصابعهِ

كعلامة تعفيه عن سؤال الهوية

في عوالم أخرى!  

 

2

ولأنه سخي بما فيه الكفاية

اخترقت الرصاصة رأسه

ودمه تدفق باتجاه

شجرة تيبست أوراقها!

 

3

ولأن قلبه بيت مأهول بالسكن؛

اخترقت الرصاصة صدره

قبل أن يودع

جميع من فيه.

 

4

ولأنه كان مغمورًا

بأسئلة الوجود والعدم؛

قُتل وهي لم تزل

تنساب من ثغره

مثل خيط دخان.

 

5

ولأنهم لم يعثروا على تابوت يلمُ جثته الصغيرة

صرخت أمه:

حضني رحب بما فيه الكفاية؛

لينام فيه إلى آخر العمر!

 

بلاد الأعداء

كان لنا بيت يلم شتاتنا

نسكنه بالإيجار

لذلك كما سمعنا طرقات

الباب آخر

الشهر تهتز أمي

مثل شجرة صفصاف

وتتساقط دموعها جمرة جمرة

والآن يا أمي

عائلتنا كبرت وكبر البيت أيضًا

وصار يسمى وطنًا

طرقات المؤجر هي الأخرى تغيرت

وصارت تخلف أنهارًا من الدم

فنهتز

وتتساقط أورقنا

أوراقنا

التي كتبنا فيها "نريد وطنًا".

 

يولد الشعر في العراق

قال درويش إن الشِّعْرَ يُولَدُ في العراقِ،

ولم يبين لنا السبب

فلسنا موطنًا لثأر الله

ولسنا أقوامًا منسية

الأرض التي يولد فيها الشعر

تزورها الفجائع طوفان من الدم

تكبر وتكبر ويتمخض عنها المزيد

من القصائد

كلما اصفرت في حقولها أوراق المعنى! 

 

طرف ثالث

في ليلة من ليالي أكتوبر

رأيت إحدى عشرة جثة

والنجم والقمر

كانا على ذلك من الشاهدين

ومدينتي صمت أذنيها

حين رويت لها ما رأيت.

فعندها من أنباء الموت ما يكفي.

والكل يتهم الذئب

والذئب

صام عن لحومنا منذ أول حرب

وانسلت ذئاب أخرى بلا ذاكرة

لا يهمها طقوس الأسلاف

وعهودهم

قبل أن ينهشون لحومنا

يبسملون

ويخلعون

عمائمهم

يغسلونها من دماءنا النافرة

ويصنعون من عظامنا "تمائم"

تضمن لهم الفوز بـ الانتخابات

وحين يستيقظون صباحًا

يتهمون "الطرف الثالث"!

 

التقاطات

1

ليس دخانًا

هذا الذي غطى

ليل المدينة

بغتةً

ليس دخانًا،

إنها قلوب

الثكالى استعرت.

 

2

لمْ يشفق القاتل على الطفلةِ

حين رفع للسماء أهلها

وتركها على قيد الحياة

ربما نفدتْ رصاصاتهِ

أو أرادَ أن يصنع ثلمًا

يحولُ دون لم شمل العائلةِ.

 

3

صور القتلى

المنتشرة في الطرقات،

تشبه النواعير

التي تدور كلما امتلأت

بدموع الأمهات

وتتوزع على أرجاء المدينة

فتمنوا أشجارًا للحزن

كلما سقط قتيل

لدى أمه احتياطي دمع كثير.

 

اقرأ/ي أيضًا:

يمضي النهار داخل البصيرة

إيليا كامنسكي.. لا أسمع طلقات النّار