ultracheck
  1. ثقافة
  2. مناقشات

"مات الشاه عاش الشاه": النفط الإيراني بين إنارة إسرائيل وسوط العقوبات الأميركية

4 فبراير 2026
نجل الشاه ونتنياهو
نجل الشاه يلتقي نتنياهو (منصة إكس)
مهاب محمد حسنين مهاب محمد حسنين

في عهد دونالد ترامب، برزت فنزويلا نموذجًا صارخًا لتوظيف القوة الأميركية ضد الدول النفطية، عبر فرض عزلة سياسية وخنق اقتصادي، وصولًا إلى ملاحقة رئيس دولة. ما جرى لم يكن مجرد خلاف سياسي أو حزمة عقوبات تقليدية، بل تعبيرًا صريحًا عن منطق يرى في الدول الغنية بالنفط ساحات نفوذ محتملة، لا كيانات سيادية متكافئة.

ومن هذا المنظور، يطرح السؤال نفسه، إذا كانت فنزويلا حلقة في هذا المسار، فهل تكون إيران الحلقة التالية؟ خاصةً وأن التاريخ النفطي الطويل بين واشنطن والدول المنتجة يوضح أن النفط كان دائمًا محور الاهتمام الأميركي، بغض النظر عن التحولات الأيديولوجية أو السياسية.

بالعودة إلى تاريخ العلاقة الأميركية الإيرانية، لا سيما في عهد الشاه، تكشف أن إيران كانت ركيزة أساسية في استراتيجيات الطاقة الأميركية في الشرق الأوسط، وضمانًا لتلبية احتياجات إسرائيل الطاقية، وبينما تهتز أسواق الطاقة ويتراجع اليقين في التحالفات التقليدية، تظل إيران قوة طاقة مركزية يصعب تجاهلها، سواء اعتبرت خصمًا أيديولوجيًا أو شريكًا استراتيجيًا محتملًا.

أزمة النفط في إسرائيل: معطيات مركز الدراسات العربية

شكّل تأمين النفط منذ قيام الكيان الصهيوني في فلسطين هاجسًا استراتيجيًا بالغ الخطورة، في ظل العداء البنيوي الذي ربط هذا الكيان بدول المنطقة العربية، ما جعل الاعتماد على المصادر الإقليمية شبه مستحيل. ولم يكن أمامه، في سنواته الأولى، سوى التوجّه إلى دول بعيدة جغرافيًا لكنها صديقة سياسيًا، لتأمين هذه المادة الحيوية، وهو ما توثّقه دراسة أمين مصطفى في كتابه "إيران وفلسطين بين عهدين".

في هذا السياق، برزت فنزويلا بوصفها المورّد الرئيسي للنفط إلى الكيان الصهيوني، حيث كانت تضخ حاجته النفطية، إلا أن تكاليف النقل الباهظة، والوقت الطويل، والمخاطر اللوجستية، جعلت هذا الخيار عبئًا اقتصاديًا واستراتيجيًا متزايدًا.

بالعودة إلى تاريخ العلاقة الأميركية الإيرانية، لا سيما في عهد الشاه، تكشف أن إيران كانت ركيزة أساسية في استراتيجيات الطاقة الأميركية في الشرق الأوسط، وضمانًا لتلبية احتياجات إسرائيل الطاقية

هذا الواقع دفع صناع القرار في إسرائيل إلى فتح قنوات اتصال مكثفة مع شركائهم وحلفائهم في الغرب، بحثًا عن "ثغرة نفطية" داخل المنطقة نفسها، تتيح لهم الحصول على الطاقة بأقل كلفة وأسرع زمن ممكنين، وتقلّل في الوقت ذاته من هشاشة الاعتماد على خطوط إمداد بعيدة.

في ضوء هذه الحاجة، أوفد البارون إدموند روتشيلد، الثري اليهودي الصهيوني المعروف، ممثله فرنسوا فارار إلى المنطقة في شهر آب / أغسطس من العام 1957، بهدف دراسة الوضع ميدانيًا. وبعد المعاينة، توصّل فارار إلى قناعة بضرورة مدّ أنبوب نفطي يربط بين العقبة وحيفا، باعتباره الحل الأمثل لتجاوز العقبات الجغرافية والسياسية.

ولم يكن الهدف من المشروع غامضًا؛ إذ سرعان ما تحرّك الكنيست الصهيوني، فوافق في 17 تموز / يوليو 1959 على المشروع، قبل أن تُوقَّع الاتفاقية رسميًا في 29 تشرين الأول / أكتوبر من العام نفسه بين الحكومة الإسرائيلية وممثلي البارون روتشيلد، ما أعطى المشروع غطاءً قانونيًا وماليًا مكّن من الشروع في تنفيذه.

وقد كشفت صحيفة "هآرتس" الصهيونية، في مقال كتبه بس تيفت بتاريخ 21 تشرين الثاني / نوفمبر 1962، عن الغاية الحقيقية من إنشاء هذا الأنبوب، موضحة أن الهدف لم يكن تلبية الاحتياجات الإسرائيلية فقط، بل تأمين خط إمداد بديل لأوروبا بالزيت الخام، بعد ما تبيّن "خطر الاعتماد على الأنابيب العربية".

وبحسب المقال، بلغت الطاقة الاستيعابية لأنبوب نفط "العقبة – حيفا" نحو ستة ملايين طن سنويًا، كانت حاجة إسرائيل منها ثلاثة ملايين طن، في حين يُصدَّر المقدار المتبقي إلى أوروبا، ما يبرز البعد الدولي والاستراتيجي للمشروع، ويتجاوز البعد المحلي أو الاستهلاكي البحت.

عمليًا، قام الكيان الصهيوني ببناء الأنبوب، قبل أن يبيعه لاحقًا إلى عائلة روتشيلد ضمن اتفاق خاص أعفى الشركة المالكة من الضرائب. وفي ضوء حقيقة أن روتشيلد كان أحد الممولين الرئيسيين لشركة النفط الهولندية الملكية، وكذلك للشركة الإنجليزية "شل" التي كانت تستغل النفط الإيراني منذ عام 1903، يصبح من السهل فهم طبيعة العلاقة التي ربطت الشاه بعائلة روتشيلد.

ومن هذه القناة الاقتصادية تحديدًا، جرى نسج العلاقة الشاهنشاهية – الصهيونية، التي اتخذت من النفط قاعدة مادية لها.

الشاه ينير إسرائيل

بات النفط الإيراني، بكل تشعباته من شركات وناقلات واستثمارات ومصافي تكرير، خاضعًا لسيطرة الأسرة الشاهنشاهية، ومن هذا المنطلق، فرضت لغة المصالح الاقتصادية نفسها كعامل جامع بين الحكم في إيران والكيان الصهيوني، لتنتقل العلاقة من مستوى التعاون النفعي إلى درجة من التداخل والاندماج، تُرجمت لاحقًا في مواقف سياسية وتحالفات غير معلنة.

ويظهر ذلك بوضوح في المعاهدة النفطية الموقعة بين طهران وتل أبيب بتاريخ 29 تشرين الأول/أكتوبر1959، والتي أفضت إلى حلف سري وقّعه ديفيد بن غوريون مع الشاه في كانون الأول / ديسمبر 1961.

وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن شركة النفط الإيرانية، المملوكة للحكومة الملكية، بدأت تزويد الكيان الصهيوني بالنفط منذ العام 1957، وقد ازداد حجم البترول الإيراني المصدر إلى إسرائيل بشكل ملحوظ بعد إنشاء خط أنابيب إيلات – حيفا عام 1960، ليصل في عام 1967 إلى نحو 5.5 ملايين طن سنويًا.

وفي عام 1966 وحده، حققت إسرائيل من تصدير منتجات النفط مبلغ 16.5 مليون دولار، وفي المقابل، شكّل اطمئنان إسرائيل إلى استمرار تدفق النفط الإيراني عاملًا حاسمًا في قرارها إنشاء خط أنابيب إيلات – أسدود، بما يعكس مدى الاعتماد البنيوي على هذا المصدر.

وعلى الرغم من الطابع السري الذي أحاط بالعقود والاتفاقات النفطية بين الطرفين، فإن معالم هذه العلاقة تجاوزت حدود الكتمان، إلى درجة أصبح معها الشاه نفسه يفاخر بها علنًا.. فقد كشف تقرير صادر عن الكونغرس الأميركي، تناول العلاقات الإيرانية – الإسرائيلية، أن تعهد إيران بتزويد إسرائيل بالنفط لعب دورًا رئيسيًا في توقيع اتفاق سيناء الثاني عام 1975، ما يبرز الوزن السياسي لهذا التعاون النفطي في معادلات إقليمية حساسة.

وكان الشاه حريصًا في تصريحاته ولقاءاته كافة على التأكيد المتكرر على فصل مسألة النفط عن السياسة، في إشارة واضحة إلى رفضه استخدام النفط كورقة ضغط ضد الكيان الصهيوني. ففي 25 كانون الثاني/يناير 1978، نفى الشاه ما تردد في الأوساط الإعلامية والدبلوماسية حول احتمال وقف إيران تزويد إسرائيل بالنفط للضغط عليها من أجل القبول بالشروط المصرية للتسوية.

كما عزز الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الإيرانية هذا الموقف في تصريح لوكالة "يونايتد برس" من طهران، مؤكدًا أن "ليس هناك أي تغيير في سياسة إيران الثابتة بعدم استخدام صادراتها من النفط كسلاح سياسي".

وتأكيدًا لهذا النهج، أعلن الشاه عام 1975 أن إيران "لن تشترك بأي حظر للنفط إذا نشبت حرب جديدة في الشرق الأوسط". ويضيء هذا الموقف على ما أوردته صحيفة "يديعوت أحرنوت" الصهيونية في عددها الصادر بتاريخ 27 شباط/فبراير 1975، حين نقلت أن "الشاه معني بإسرائيل قوية حتى لا يبقى وحده في مقابل العرب"، في دلالة واضحة على عمق التعاون والتحالف العسكري والسياسي والاقتصادي بين الطرفين.

في 21 أيار/مايو 1970، كشف الخبير النفطي عبد الله الطريقي، في رسالة إلى طلبة كويتيين، عن الأساليب غير المباشرة التي استخدمها الصهاينة وحلفاؤهم للحصول على النفط العربي والإيراني، عبر شركات وهمية أو كبرى، موضحًا دور شركة "شل" في إيصال النفط الإيراني والعُماني إلى فلسطين المحتلة.

كما أشار إلى اتفاقية "الكونسورتيوم" عام 1954 التي أعادت تنظيم القطاع النفطي بعد تأميم الشركة الإنجليزية–الإيرانية، مبينًا أن الولايات المتحدة وبريطانيا لجأتا إلى إنشاء شركات أميركية صغيرة مثل "إيركون" لتزويد إسرائيل بالنفط بغطاء تجاري يخفي هدفًا سياسيًا، في سياق تعاون نفطي واقتصادي مموَّه شكّل أحد الأسس الفعلية للعلاقات الشاهنشاهية–الصهيونية لاحقًا.

دور الولايات المتحدة وإسرائيل في تثبيت نظام الشاه

وضعت إسرائيل مجمل كفاءاتها وإمكاناتها في خدمة الشاه ونظامه، إدراكًا منها أن استمرار حكمه يشكّل ضمانة استراتيجية لبقاء ظهيرٍ إقليميٍّ صديقٍ ومخلصٍ لها على مختلف الصعد، فوجود نظام شاهنشاهي متحالف معها كان يعني، بالنسبة للكيان الصهيوني، تأمين مظلة دعم اقتصادية وعسكرية وأمنية، تمنحه قدرًا عاليًا من الطمأنينة في بيئة إقليمية معادية، ويوفّر له أشكالًا متعددة من الدعم المباشر وغير المباشر.

أما الولايات المتحدة، فقد نظرت إلى حكم الشاه بوصفه نظامًا حليفًا قادرًا على ترجمة مشاريعها ومخططاتها في المنطقة، وحماية مصالحها الاستراتيجية، وتأمين خط عسكري متقدم في مواجهة قوى المعارضة الإقليمية، فضلًا عن دوره المحوري في منع وصول الاتحاد السوفياتي آنذاك إلى المياه العربية الدافئة ومصادر النفط.

التعاون العسكري والاستخباراتي

اعتمد الشاه محمد رضا بهلوي في إنشاء أجهزته الأمنية والعسكرية بشكل أساسي على الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، سواء من حيث البناء المؤسسي أو التدريب أو العقيدة الأمنية. ومن الطبيعي في هذا الإطار أن تمارس هذه الأجهزة أدوارها وفق المفاهيم والتحليلات والمعلومات التي كانت تتلقاها من الخبراء والمدربين الأجانب، لا سيما الأميركيين والصهاينة، لتحوّلها إلى أدوات تنفيذ سياسات تتجاوز الإطار الوطني الإيراني وترتبط مباشرة بحسابات إقليمية ودولية.

وقد تميّز هذا الجهاز، كما تظهر الأرقام والوقائع، بطابع قمعي صارخ، إذ لم يسمح بأي شكل من أشكال الحوار الديمقراطي، ورفض كل معارضة سياسية أو فكرية، وفتح مئات الزنازين في وجه المعارضين، ظنًا منه أن القمع الممنهج قادر على إسكات الأصوات المخالفة وإفراغ الساحة السياسية لصالح الشاه وأجهزته البوليسية. وبذلك تحوّلت الدولة إلى فضاء مغلق، تُدار فيه الحياة العامة بمنطق الأمن والخوف بدل المشاركة والتعدد.

وفي هذا السياق، كانت إسرائيل شديدة الحرص على التعاون الوثيق مع الشاه على الصعيد الاستخباراتي والأمني، مستفيدة من خبرتها المتراكمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث مارست سياسات القمع اليومي ضد السكان العرب، ومستندة كذلك إلى تجارب ودراسات أمنية طويلة، استلهمت الكثير من مناهجها من الأساليب النازية والفاشية. وقد رأت في إيران الشاهنشاهية ساحة ملائمة لتطبيق هذه الخبرات، ونقلها إلى جهاز أمني محلي قادر على أداء أدوار مشابهة.

ولذلك وضعت إسرائيل كل كفاءاتها وخبراتها في خدمة الشاه ونظامه، انطلاقًا من قناعة مفادها أن استمرار حكمه يضمن لها ظهيرًا إقليميًا صديقًا ومخلصًا على المستويات الاقتصادية والعسكرية والأمنية، ويوفر لها حالة من الطمأنينة الاستراتيجية في محيط معادٍ. أما الولايات المتحدة.

كما نظرت إلى نظام الشاه بوصفه حليفًا موثوقًا قادرًا على تنفيذ مشاريعها ومخططاتها في المنطقة، وحماية مصالحها الحيوية، وتأمين خط عسكري متقدم في مواجهة قوى المعارضة الإقليمية، فضلًا عن دوره في منع وصول الاتحاد السوفياتي، آنذاك، إلى المياه العربية الدافئة ومنابع النفط.

لذا فإن قراءة العلاقات الاستخباراتية والعسكرية بين الشاه والكيان الصهيوني، بتمويل ودعم مباشر من الولايات المتحدة، تفرض التوقف عند تعاونين تعكسان عمق هذا التعاون وتشعباته.

"السافاك" والتعاون العسكري

أُنشئ جهاز مخابرات الشاه "السافاك" في 20 آذار / مارس 1957، وتولى تدريبه خبراء من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وجهاز "الموساد" الإسرائيلي، ليصبح أحد أكثر أجهزة الاستخبارات شهرة بسمعته القمعية. بلغت ميزانيته الرسمية 255 مليون دولار بين عامي 1972و1973 وارتفعت إلى 310 ملايين دولار في العام التالي، مع تقديرات تشير إلى أن الأرقام الحقيقية كانت أعلى.

ورغم إعلان الشاه عام 1976 أن عدد عناصره لا يتجاوز 3120 فردًا، كشفت مجلة "نيوزويك" عام 1974 أن عدد المتعاونين والمخبرين تراوح بين 30 و60 ألفًا، وأن ملايين الإيرانيين تورطوا بشكل مباشر أو غير مباشر في شبكته، ما يعكس حجم الاختراق العميق للمجتمع.

استخدم الشاه جهاز "السافاك" أداة مركزية لقمع المعارضة، خصوصًا رجال الدين، إضافة إلى الصحافة ووسائل الإعلام والثقافة، عبر الاعتقال والنفي والتعذيب والمراقبة الشاملة. وقدّر الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان عدد السجناء السياسيين في إيران عام 1977 بما بين 25 ألفًا و100 ألف شخص، في ظل استخدام أساليب تعذيب وحشية شملت الصعق بالكهرباء والضرب المبرح والكرسي الكهربائي واقتلاع الأظافر والأسنان.

وبعد سقوط النظام، كشفت اعترافات ضباط "السافاك"، نشرتها صحيفة "اطلاعات" عام 1979، عن تبادل معلومات وتعاون مباشر مع المخابرات الإسرائيلية، بما في ذلك زيارات سرية ودورات تدريبية لضباط إيرانيين في إسرائيل.

على الصعيد العسكري، اعتمد الشاه في بناء ترسانته على السلاح الأميركي والإسرائيلي والتدريب المرتبط بهما، ما أدى إلى قفزة هائلة في الإنفاق العسكري من نحو 100 مليون دولار عام 1954 إلى 10 مليارات دولار عام 1978، وارتفاع نسبته من الناتج القومي إلى 14.1% عام 1971، وهو رقم قياسي عالمي آنذاك.

وأكدت تقارير صحفية واعترافات لاحقة تزويد الجيش الإيراني بأسلحة إسرائيلية مثل رشاشات "عوزي"، وتدريب طيارين ووحدات إيرانية على أيدي خبراء إسرائيليين. وتُظهر هذه الوقائع أن التعاون العسكري بين حكم الشاه والكيان الصهيوني كان عميقًا ومنظمًا، وجزءًا من منظومة تنسيق أوسع تخدم المصالح الأميركية الإسرائيلية في المنطقة.

من زمن الشاه إلى لحظة المواجهة

تصاعد حدّة التوتر في الأيام الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة، إذ اتهم إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، كلًا من تل أبيب وواشنطن بالتورط في تنظيم الاضطرابات الأخيرة داخل إيران. ولم يأتِ هذا الاتهام بمعزل عن تطورات ميدانية لافتة، بل تزامن مع وقائع عززت مناخ تبادل الاتهامات ورسّخت حدّته.

فقد تعرّض البث التلفزيوني الرسمي الإيراني لاختراق إلكتروني، جرى خلاله بث رسائل داعمة لرضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، تضمنت دعوات موجّهة إلى قوات الأمن بعدم استخدام السلاح ضد المواطنين والانضمام إليهم. وعلى إثر ذلك، شهدت بعض المناطق انقطاعًا مؤقتًا في البث دون توضيح رسمي لمضمونه، في حين سارع مكتب بهلوي إلى نشر مقطع الفيديو الذي حمل رسالة مباشرة إلى الجيش الإيراني تحثه على الوقوف إلى جانب الشعب. وانتشرت لقطات الاختراق على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مع ترجيحات بأنها صُوّرت باستخدام أقمار "ستارلينك".

وفي سياق مكمّل لهذه التطورات، ظهر رضا بهلوي، عبر قناته الخاصة موجّهًا خطابًا مباشرًا إلى الإيرانيين، حمل طابعًا تحريضيًا صريحًا على النزول إلى الشارع وتصعيد الاحتجاجات. وقدّم بهلوي نفسه بوصفه صوتًا بديلًا للنظام القائم، داعيًا إلى ما وصفه بـ"التحرك الشعبي المنظم" في مواجهة السلطة، في توقيت بالغ الحساسية سياسيًا وأمنيًا.

هذا الظهور الإعلامي لم يأتِ منفصلًا عن حادثة اختراق البث الرسمي، بل بدا كحلقة إضافية في مسار واحد يسعى إلى استثمار حالة الاضطراب الداخلي وتكثيف الضغط المعنوي على مؤسسات الدولة، ولا سيما القوات الأمنية والعسكرية، ومع تزامن الخطاب التحريضي مع تداول واسع لمقاطع الاختراق، بدت الصورة مكتملة الأركان، رسائل موجهة من الخارج، منصات إعلامية بديلة، ودعوات مباشرة لتوسيع رقعة التظاهر، بما يعزز رواية طهران عن وجود تنسيق خارجي يستهدف زعزعة الاستقرار الداخلي.

في خلفية هذا التصعيد السياسي والإعلامي، يبرز البعد النفطي بوصفه عاملًا حاسمًا في فهم المشهد برمّته، إذ لا يمكن فصل أي تحرك يستهدف إيران عن مسألة استغلال نفطها الهائل، فثمّة قراءة ترى أن الخطوة التالية قد تكون إعادة فتح هذا الملف بوصفه رافعة استراتيجية لتأمين الاحتياج الأميركي والأوروبي للطاقة، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي.

بات النفط الإيراني، بكل تشعباته من شركات وناقلات واستثمارات ومصافي تكرير، خاضعًا لسيطرة الأسرة الشاهنشاهية، ومن هذا المنطلق، فرضت لغة المصالح الاقتصادية نفسها كعامل جامع بين الحكم في إيران والكيان الصهيوني

ومن هذا المنظور، يبدو شعار "عاش الشاه" وكأنه نداء غير معلن لعودة النفوذ الغربي، الأميركي والأوروبي، إلى إيران، بعد عقود من التغاضي المقصود عن الملف الحقوقي الإيراني طوال سنوات حكم علي خامنئي، بما في ذلك تجاوز تظاهرات عام 2019 وما رافقها من قمع واسع وقتل تجاوز الثلاث مئة من المتظاهرين، مقابل الحفاظ على معادلة إقليمية تخدم توازنات أكبر.

اليوم، ومع تصاعد ما يُوصف بالتهديد الشرقي، في ظل الحرب الروسية–الأوكرانية، وتوتر علاقات الطاقة، يعاد إحياء هذا الملف من زاوية مصلحية بحتة، تتقاطع مع تحركات دونالد ترامب الخطابية، ولا سيما تصريحاته حول غرينلاند وإمكانية مدّ خطوط نفط جديدة لتأمين مصادر بديلة للطاقة.

وتتضح ملامح هذه المقاربة أكثر عند النظر إلى البعد الأوروبي، حيث يكتسب النفط الإيراني أهمية خاصة ضمن تصور "المصلحة المشتركة"، فبحسب ما أوردته صحيفة "هآرتس" العبرية، في مقال كتبه بس تيفت بتاريخ 21 تشرين الثاني/نوفمبر 1962.

فإن الغاية الحقيقية من إنشاء خط الأنابيب لم تكن تلبية الاحتياجات الإسرائيلية وحدها، بل تأمين خط إمداد بديل لأوروبا بالزيت الخام، بعد أن تبيّن، وفق الصحيفة، "خطر الاعتماد على الأنابيب العربية"، هذه الفكرة القديمة تعود اليوم بثوب جديد، في ظل أزمة الطاقة التي تواجهها أوروبا عقب تراجع الاعتماد على روسيا.

فروسيا، التي كانت لسنوات المورّد الأكبر للوقود الأحفوري إلى الاتحاد الأوروبي، شكّلت في عام 2021 المصدر الأول للنفط والغاز الطبيعي. وتشير بيانات "يوروستات" إلى أنه في عام 2017 شكّلت منتجات الطاقة نحو 60% من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي من روسيا، حيث بلغت حصة النفط البترولي 30%، فيما وصلت واردات الغاز الطبيعي إلى 39%. ومع تقلّص هذا الاعتماد نتيجة الحرب والعقوبات، يبرز النفط الإيراني مجددًا كخيار استراتيجي محتمل، لا سيما من منظور غربي براغماتي.

وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى إيران، من منظور غربي يعكس خيالًا استعماريًا سياسيًا، بوصفها "ضربة مثالية": دولة غنية بالنفط، محاصرة بالعقوبات، ومتداخلة إقليميًا عبر أذرع عسكرية وسياسية مثل الحوثيين في اليمن، حزب الله في لبنان، وفصائل أخرى في العراق.

إن إسقاط هذه الأذرع أو تحييدها يفتح الباب أمام تغلغل أميركي-أوروبي أوسع في المنطقة، ويؤدي في الوقت نفسه إلى إنهاء أحد أهم حلفاء موسكو في الشرق الأوسط، بما يعيد رسم خريطة الطاقة والنفوذ معًا.

كلمات مفتاحية
علييف وبزشكيان

أذربيجان بين إيران وإسرائيل: معادلة التوازن الصعب في القوقاز

دخلت العلاقات الإيرانية–الأذربيجانية مرحلة جديدة من التصعيد، عقب سقوط مسيّرتين داخل إقليم "نخجوان" الأذري

مقاتلون أكراد إيرانيون

المعارضة الكردية: التمرد كأداة ضغط على إيران

أنتجت الحرب الدائرة حول إيران ديناميكية ميدانية جديدة بعد انتقال جماعات المعارضة الكردية الإيرانية المتمركزة على طول الحدود العراقية-الإيرانية إلى مرحلة الحشد العملياتي

منظومة باتريوت

مواجهة بلا سقف: الحرب على إيران وتصعيد استراتيجي تحت ضغط السلاح المتطور

تحول المواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة مسرح العمليات إلى مختبر مفتوح لأنماط التسليح الحديثة

هل تؤدي حرب إيران إلى هزيمة ترامب؟
سياق متصل

هل تؤدي حرب إيران إلى هزيمة ترامب؟

عكس أكبر ارتفاع في أسعار النفط منذ أكثر من ثلاثة عقود يتطلب أكثر من ذلك. إما أن تنتهي الحرب أو أن تُضعف الولايات المتحدة قدرات إيران إلى الحد الذي لا تستطيع فيه الأخيرة تهديد ناقلات النفط العابرة لمضيق هرمز

الطفل خالد
سياق متصل

طفل فلسطيني يروي لحظات قتل قوات الاحتلال لوالديه وشقيقيه

طفل فلسطيني يروي تفاصيل قتل عائلته برصاص الاحتلال في طمون، بعدما أطلق الجنود النار على السيارة أثناء عودتهم من التسوق

الجزائر
رياضة

عن الليلة التي أرعب فيها صائمو الجزائر منتخب ألمانيا

كيف تحولت موقعة الجزائر وألمانيا في مونديال 2014 من هزيمة إلى انتصار معنوي خالد؟

بعثت
رياضة

كيف قلبت الحرب الرياضة الإيرانية رأسًا على عقب؟

تسبب العدوان بتدمير عدد من الملاعب والمنشآت، ما أدى إلى توقف النشاط الرياضي وتعطل مشاركات دولية لفرق ومنتخبات إيرانية