ماتياس إينار وروايته

ماتياس إينار وروايته "البوصلة": صورة الشرق من ثقافته

ماتياس إينار

بعد روايته "شارع اللصوص" التي نقلتها إلى اللغة العربيّة المترجمة اللبنانيّة ماري طوق، وصدرت عن "منشورات الجمل" سنة 2013، يطلُّ الروائيّ الفرنسيّ ماتياس إينار (1972) على القارئ العربيّ مُجدَّدًا عبر روايته "البوصلة" (أكت سود، 2015 - جائزة غونكور) الصادرة حديثًا عن "منشورات الجمل" أيضًا، بترجمة اللبنانيّ طارق أبي سمرا.

"البوصلة" عمارة سرديّة مُبهرة، وزّعت أحداثها على عدّة مدن مشرقيّة، واستحضرت أدباء وفلاسفة ومستشرقين

تُعرّي هذه الرواية ولع وشغف إينار بالمشرق، بالإضافة إلى خبرته ومعرفته لأسراره وثقافاته المتنوّعة والمختلفة، ما مكّنه من بناء عمارة سرديّة مُبهرة، وزّع أحداثها على عدّة مدن مشرقيّة، مُستحضرًا في الوقت نفسه أدباء وفلاسفة ومستشرقين شرقيين وغربيين. هكذا، نتعرّف أولًا إلى شخصيّة مُتخيّلة هي فرانز ريتر، باحث موسيقيّ نمساويّ يُعاني من أرق يمنعه من النوم، ويدفعه أيضًا إلى استعادة شريط ذكرياته في المدن والبلدان الشرقيّة، كمدينة إسطنبول وحلب ودمشق وتدمر وغيرها، في ليلة واحدة فقط.

إلى جوار ذلك، يستعيد ريتر علاقات سالفة في تلك الأماكن، ومن بين تلك العلاقات، يقف مطوّلًا عند علاقته الصاخبة بامرأة مستشرقة تُدعى سارة، يصفها ريتر بأنّها مختصّة على نحوٍ دقيق بمعرفة كيفية ممارسة الشرق لسحره على المستشرقين والزوّار.

اقرأ/ي أيضًا: رواية "أرض الكلام".. قوة الشكل وتراجيديا المضمون

سارة التي لا يزال ريتر واقعًا في حبّها، يستعيد من خلالها ذكريات وأحداث وأشخاص مختلفين، كأدباء ومفكّريّ القرن التاسع عشر، وموسيقييّ فرنسا والنمسا وألمانيا: بيتهوفن وباخ وشومان وموزارت وفاغنر وليزت وسواهم من موسيقييّ القارّة العجوز الذي حفروا أسماءهم عميقًا في تاريخ الموسيقى العالميّة. بالإضافة إلى "فرقة الكندي" لصاحبها جوليان جلال الدين فايس وأعضاءها كالتونسي لطفي بو شناق وغيره. والموسيقيين الإيرانيين والغجر.

ماتياس إينار

يستحضر ماتياس إينار صاحب رواية "احكِ لهم عن المعارك والملوك والفيلة" كلّ من ديك الجنّ، وأسامة بن منقذ، وبدر شاكر السيّاب، وعمر الخيام، والكاتب الإيراني صادق هدايت، ودون كيخوته وكاتبها سرفانتس، وبلزاك، وكافكا.

عدا عن فصولٍ خصّصها الكاتب لعدد من الفنانين التشكيليين الاستشراقيين. وبذلك، يضعنا ماتياس إينار إزاء رواية محشوّة بكميّات هائلة من المعلومات التي جعلت منها رواية موسوعيّة استحقّت بجدارة جازة "غونكور" الفرنسيّة، بالإضافة إلى أنّها نسفت الصور السائدة عن المجتمعات الشرقيّة لجهة أنّها مجتمعات غارقة في العنف والتخلّف، دون الالتفات إلى جوانبها الأخرى.


من الرواية

حين وصلتُ إلى المعهد، أخبرتُ هذه القصّة العجيبة إلى سارة التي لم تضحك قط، وإلى فوجيه الذي راح يقهقه عاليًا. كان ذلك قبل مدّة وجيزة من اعتداء عناصر من الباسيج عليه؛ تلقّى بضعة ضربات بالهراوات ولم يتّضح سبب تعرّضهم له - رسالة سياسيّة موجّهة إلى فرنسا، أم "مجرد قضيّة إخلال بالآداب العامة"، لم نكن نعلم. راح فوجيه يداوي كدماته الزرق بالضحك والأفيون، وكان يرفض الدخول في تفاصيل المواجهة، مُكررًا لكلّ من يرغب في الإنصات إليه أن "علم الاجتماع هو فعلًا رياضة قتالية". [...]كان يأبى الإقرار بالعنف الذي تعرّض له. كنا نُدرِك أن إيران بلدٌ يمكن أن يكون أحيانًا محفوفًا بالأخطار، بلدٌ أزلام نظامه الرسميون والمستترون يرتكبون ما يحلو لهم من شناعات في وضح النهار، لكن كنا نظنّ أن جنسياتنا الأجنبيّة ومناصبنا الجامعيّة تقينا شرورهم - كنا مخطئين: إذ أن الاضطرابات الداخليّة للسلطة الإيرانيّة كان يمكنها أن تطاولنا وتلحق بنا الأذى، من دون أن نفهم تمامًا سبب ذلك. لكن المعنيّ الأساسي في هذه المسألة لم يكن مُخطئًا: كانت أبحاثه تتماهى مع سلوكياته وأخلاقه وآدابه، فآدابه وأخلاقه وسلوكياته جزء لا يتجزّأ من أبحاثه، وكان الخطر أحد العوامل الرئيسية التي تجذبه إلى موضوعاته البحثيّة. كان يؤكدّ أن تلقّي المرء ضربة سكين في حانة من حانات إسطنبول المريبة أمرٌ أكثر احتمالًا من تعرّضه للمثل في حانات طهران، ولا شكّ في أنه كان مُحقًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

سعد محمد رحيم.. أهوال الحياة العراقية

الصفح.. ذلك المستحيل الممكن