مئوية أمين ريّان.. الصامت الذي ملأ حياتنا صخبًا
31 ديسمبر 2025
في "أتيليه القاهرة" العريق بوسط البلد، وفي قاعة راتب صديق، وبمناسبة مئوية ميلاده (1925-2025)، يقيم الأتيليه معرضًا استعاديًا للفنان والروائي الراحل المصري أمين ريان، يستمر حتى 4 كانون الثاني/يناير 2026. هذا المعرض ليس مجرد جردة حساب للوحات فنية، بل هو إعادة بعث لروح الفنان الذي استطاع بعبقرية نادرة أن يزاوج بين ريشة التشكيلي وقلم السارد، ليوثق أدق تفاصيل الشخصية المصرية وتحولاتها الزمكانية.
مئوية "الكنز المخبئ"
مئة عام مرت على ميلاد هذا المُبدع الشامل الذي ولد مع تنوير العشرينيات ورحل في هدوء عام 2014. الاحتفالية التي شهدها الأتيليه، والتي ضمت مقتنيات نادرة ودراسات نقدية، جاءت لتجيب على تساؤل طرحه ناقد شاب عندما سأل نجل الفنان ذات يوم: "لماذا خبأت عنا هذا الكنز؟".
إن الاحتفاء بمئوية ريان هو في جوهره احتفاء بالقاهرة التي كانت، والقاهرة التي نتمناها؛ مدينة تتسع للفنان والمثقف والمهمش. ريان الذي بدأ رحلته من حي "النجيلي" الشعبي، انتهى به المطاف أيقونةً عابرة للزمن، يحللها النقاد اليوم بوصفها "شيفرة" ثقافية تجمع بين المرئي واللامرئي.
من الريشة إلى حيرة الحرف
ولد ريان عام 1925، حيث الضفة الشرقية للنيل بمنطقة "روض الفرج". في ذلك الزمان، كانت المنطقة بمثابة "برودواي" الشرق، وفي حي "النجيلي" تشربت عيناه أولى ملامح الدراما الإنسانية. لم يمضِ وقت طويل حتى أثبت أن موهبته أكبر من هواية؛ ففي عام 1944 فاز بجائزة "بيت الفنانين" بالقلعة، والتحق بكلية الفنون الجميلة.
ببراعة لافتة حققت له شهرة مبكرة، نال جائزة مختار عام 1946، ورشحته الجوائز للعمل بالقصور الملكية عام 1948 تحت رعاية الرائد أحمد صبري. لكن في هذا العام تحديدًا (1948)، بدأت بذور تحول درامي؛ إذ بدأ ريان ينشر قصصه القصيرة، وعندما شرع في كتابة روايته "حافة الليل"، اصطدم بعقبة "أداة التعبير". لم يكن يرضى بغير الإتقان، فشعر أن مشكلات الصياغة بين الفصحى والعامية تتطلب وقفة معرفية، فقرر بجرأة نادرة دراسة اللغة العربية في كلية الآداب، لينال الليسانس عام 1961.
هذا التحول الأكاديمي واكبه تحول سياسي واجتماعي بعد عام 1952، مما أدى لانحسار نسبي لدوره التشكيلي وبروز دوره الأدبي. ومع ذلك، لم يغادر الرسم وجدانه؛ فكان يعود للريشة بشكل مفاجئ ومتقطع، وكأنه يختار للفكرة أداتها المناسبة؛ فما لا تقوله الكلمات، تقوله الألوان.

حريق القاهرة وحيرة جائزة الدولة
في عام 1952، وبينما كانت القاهرة تحترق، انخرط ريان مع الفنان كمال الملاخ في تسجيل الحدث فنيًا وأدبيًا، وهو ما أثمر عن روايته "القاهرة 1951". استمر ريان في مساره الأدبي حتى نال جائزة الدولة التشجيعية عام 1979 عن "حافة الليل". ويروى أن أعضاء اللجنة كانوا في حيرة حقيقية؛ هل يمنحون الجائزة للرسام الذي عرفته الحركة التشكيلية في نهاية الأربعينيات، أم للأديب الذي فرض نفسه في نهاية السبعينيات!
علاء الديب: ريان والمقصلة الأخلاقية
لا يمكن قراءة أمين ريان دون العودة لرؤية الكاتب الكبير علاء الديب، الذي اعتبر رواية "حافة الليل" وثيقة اجتماعية وتحذيرًا مبكرًا من أزمة عميقة. يرى الديب أن ريان استشرف بوضوح أزمة المجتمع المصري المعجون بالفن والضمير، في مواجهة الفهم الديني الخاطئ الذي يقف حائلًا دون انطلاق الحياة وتحررها. لقد قرع ريان الجرس منذ عام 1948، محذرًا من تحوّل البشر إلى "أشباح جهنمية" أسيرة لمفاهيم ضيقة عن العورة والذنب، وهو ما جعله في نظر الديب "كنزًا مصريًا غاب قبل أن نعرف قيمته الحقيقية".
سيد الوكيل وفلسفة "المعابر" الزمكانية
يأخذنا الناقد سيد الوكيل إلى منطقة أعمق؛ فهو يرى أن ريان هو "فيلسوف المعابر". المكان عند ريان ليس مجرد جدران، بل هو كائن حي يتنفس بذاكرة سكانه. يوضح الوكيل أن ريان اهتم بالمعابر التي تفصل بين الأحياء، مثل "المزلقان" في قصص النجيلي، أو "الكوبري" في "حافة الليل". في الرواية، نجد الصراع الوجودي بين آدم الفنان المؤرق بهواجس الذنب، وبين أطاطا الموديل التي تعبر كوبري الزمالك يوميًا لتتخلص من قلقها وتعود لحيها الشعبي "بريئة ومتجددة". يرى الوكيل أن هذا العبور هو "البرزخ" أو "المطهر"، حيث تمتلك أطاطا طاقة للحياة لا تنفد، بينما يظل آدم مصلوبًا في مكانه.

الصامت الذي ملأ الحياة صخبًا
يتحدث أسامة أمين ريان عن والده بمرارة ممزوجة بالفخر، يصفه بأنه "الصامت الذي ملأ حياتنا صخبًا". يحكي عن مرسمه "الباب السحري" في شقتهم، وكيف كان ريان يرفض "الطنطنة" الإعلامية، مؤمنًا بأن "العمل الجيد يفرض نفسه". يقول أسامة: "كان والدي يزاوج بين دراسة الفنون واللغة العربية ليصقل أداءه. كانت مائدتنا ندوة يومية من سبينوزا إلى سارتر. ورغم إحباطات النشر، ظل مخلصًا لمبادئه، يكتب ويرسم لنفسه وللتاريخ".
مئوية تكسر طوق التهميش
إن المعرض الاستيعادي في أتيليه القاهرة اليوم هو اعتذار متأخر لمبدع قرر أن يخرج عن "نظام القطيع". ريان الذي لم يرضَ بالقوالب الجاهزة، يفرض نفسه اليوم كواحد من أهم أعمدة الحداثة المصرية.







