مئات مليارات اليوروهات.. تغير المناخ يضرب اقتصاد أوروبا
11 أغسطس 2026
إذا كان لا يزال هناك من يرى أن تغير المناخ مشكلة ستواجهها الأجيال المقبلة فقط، فإن صيف 2026 قدم لأوروبا دليلًا معاكسًا. فموجات الحر الشديدة والجفاف وحرائق الغابات تحولت إلى أزمة اقتصادية تضرب إنتاج الطاقة وحركة الشحن والزراعة والسياحة والصحة العامة، وتفرض أعباء متزايدة على ميزانيات الحكومات.
وحسب تقرير لوكالة "رويترز"، يقدر اقتصاديون وأكاديميون أن الأضرار التي لحقت باقتصاد أوروبا هذا العام يمكن قياسها بالفعل بمئات مليارات اليوروهات، محذرين من أن هذه قد تكون مجرد بداية، وأن تكاليف تغير المناخ سترتفع بوتيرة أسرع من درجات الحرارة.
يقدر اقتصاديون وأكاديميون أن الأضرار التي لحقت باقتصاد أوروبا هذا العام بسبب تغير المناخ يمكن قياسها بالفعل بمئات مليارات اليوروهات
وتشهد أوروبا تغيرًا مناخيًا أسرع من أي قارة أخرى، فيما بدأت آثاره تمتد إلى المالية العامة والتضخم والاستثمار، وتدفع دول القارة إلى إعادة التفكير في كيفية إنتاج الطاقة ونقل البضائع.
وتقول سهريش عثمان، الاقتصادية في جامعة مانهايم، إن ما يجعل عام 2026 مقلقًا اقتصاديًا هو تزامن عدة ظواهر متطرفة، من موجات الحر والجفاف إلى حرائق الغابات، وفي المناطق نفسها، ما يضاعف تأثيراتها.
ضربات متزامنة للاقتصاد
سجلت درجات الحرارة مستويات قياسية خلال حزيران/يونيو وتموز/يوليو، فيما أدت موجات الجفاف إلى اضطرابات واسعة في قطاع الطاقة والنقل. وانخفضت مستويات المياه في نهري الراين والدانوب، وهما من أهم ممرات نقل البضائع في أوروبا، ما أدى إلى فرض قيود شديدة على حركة الشحن. وتقدر مؤسسة ING أن توقف حركة النقل على نهر الراين وحده سيخفض الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا بنحو 0.3 نقطة مئوية هذا العام.
ولم تسلم الطاقة من الأزمة، إذ اضطرت أكثر من ستة مولدات نووية إلى التوقف أو خفض الإنتاج بسبب صعوبات التبريد المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة وانخفاض مستويات المياه.
وفي المجر، يقدر بنكMBH أن كل أسبوع تتوقف فيه أكبر محطة نووية في البلاد عن العمل، يمكن أن يخفض الناتج المحلي الإجمالي بنحو 0.1 نقطة مئوية.
كما أدى تعطل النقل النهري إلى صعوبة إيصال الوقود إلى بعض المناطق، ما ساهم في اتساع الفوارق في الأسعار داخل أوروبا.
الزراعة والصحة تدفعان الثمن
كان القطاع الزراعي من أبرز المتضررين، إذ أظهرت تقديرات تموز/يوليو خسائر تراوحت بين 6 و7% في بعض المحاصيل التي تأخر حصادها، مثل الذرة ودوار الشمس. وتنعكس هذه الخسائر على أسعار الغذاء، خصوصًا في جنوب أوروبا، حيث تكون التأثيرات السعرية للحرارة الشديدة أكبر.
ويشير الباحث ماكسيميليان كوتز من مركز برشلونة للحوسبة الفائقة إلى أن موجة الحر التي شهدتها أوروبا عام 2022 رفعت تضخم منطقة اليورو بنحو 0.34 نقطة مئوية، نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء.
ولا تقتصر فاتورة الحرارة على الاقتصاد، إذ تسببت درجات الحرارة المرتفعة في عشرات الآلاف من الوفيات، فيما سجلت ألمانيا وحدها أكثر من 10 آلاف وفاة مرتبطة بالحرارة.
كما تؤدي الحرارة إلى خفض إنتاجية العمال، في وقت ترتفع فيه تكاليف الاستجابة للطوارئ، من مكافحة الحرائق إلى الإجراءات الرامية للحد من استهلاك الطاقة.
خسائر قد تتجاوز التوقعات
تقدر شركة Allianz أن موجة الحر التي استمرت أسبوعين في حزيران/يونيو وحدها ستخفض الناتج المحلي الإجمالي لأوروبا بنحو 0.3 نقطة مئوية. لكن الاقتصادي حازم كريشينه من Allianz يحذر من أن الفاتورة النهائية ستكون أكبر بكثير، لأن هذا التقدير لا يشمل تأثيرات حرائق الغابات والجفاف والفيضانات المختلفة، إضافة إلى التأثير المحتمل لظاهرة "النينيو". وتزداد خطورة الخسائر لأن منطقة اليورو متوقعة للنمو بنحو 1% فقط هذا العام. والأكثر إثارة للقلق أن التأثير الاقتصادي قد لا يبلغ ذروته في العام الذي تقع فيه الكارثة المناخية.
وتقول عثمان إن الظواهر المتطرفة تطلق سلسلة من التداعيات الاقتصادية البطيئة، ما يجعل تأثيرها يتزايد خلال السنوات التالية بدلًا من أن يتلاشى سريعًا.
جنوب أوروبا أمام أزمة سياحية
قد يكون جنوب أوروبا الأكثر تضررًا بسبب ارتفاع درجات الحرارة، التي تهدد السياحة والزراعة وتزيد الضغوط على أسعار الغذاء. ويحذر كارستن برزيسكي، الاقتصادي في ING، من أن السياحة الصيفية التقليدية قد تتغير مع وصول درجات الحرارة إلى مستويات شديدة الارتفاع، متسائلًا عن إمكانية استمرار تدفق السياح إلى جنوب إيطاليا وإسبانيا في ظل درجات حرارة تصل إلى 45 درجة مئوية.
وقد ينتقل جزء من السياحة الصيفية نحو شمال أوروبا، بينما قد تشهد دول الجنوب مزيدًا من الزوار خلال فصلي الربيع والخريف أو على مدار العام. وبذلك يمكن أن يعيد تغير المناخ رسم الخريطة السياحية للقارة، ويضرب أحد أهم مصادر الدخل في اقتصادات جنوب أوروبا.
فاتورة ثقيلة على الحكومات
تتزايد الضغوط على المالية العامة مع تراجع الإنتاج وارتفاع تكاليف الطوارئ والاستثمارات المطلوبة للتكيف مع المناخ. وتقدر Allianz أن انخفاض الإيرادات الضريبية السنوية الناجم عن تراجع الناتج قد يصل إلى 1.8% في فرنسا، و1.3% في كل من إيطاليا وإسبانيا. وفي الوقت نفسه، تتعرض أرباح الشركات للضغط، ما قد يؤدي إلى تراجع الاستثمار وتعميق الخسائر الاقتصادية.
وتواجه الحكومات معضلة إضافية، إذ إن مستويات الدين مرتفعة بالفعل، خصوصًا في فرنسا وإيطاليا، بينما تحتاج الدول إلى الإنفاق على الدفاع والتحول إلى الطاقة الخضراء، إلى جانب تمويل إجراءات التكيف المناخي.
وتحذر هيذر غرابي، من مركز Bruegel، من أن الاعتماد المفرط على الاستجابة الطارئة للكوارث مكلف وغير فعال، ما يجعل الاستثمار المسبق في البنية التحتية أكثر أهمية.
هل يتدخل البنك المركزي الأوروبي؟
قد تمتد تداعيات الأزمة إلى السياسة النقدية، فارتفاع أسعار الغذاء والطاقة يمكن أن يزيد التضخم، بينما يؤدي تراجع الإنتاج والاستثمار إلى إضعاف النمو. وفي الوقت نفسه، قد تضطر الحكومات إلى زيادة الاقتراض لتمويل الاستجابة للكوارث والاستثمارات المناخية، ما يرفع مستويات الدين ويزيد الضغط على أسواق السندات.
ويرى برزيسكي أن ارتفاع احتياجات الإنفاق سيقود على الأرجح إلى زيادة الدين الحكومي، ما قد يفرض ضغوطًا على البنك المركزي الأوروبي للتدخل مجددًا إذا شهدت أسواق السندات عمليات بيع مفاجئة، وربما العودة إلى التيسير الكمي الذي استخدمه البنك خلال العقد الماضي لخفض تكاليف الاقتراض.









