ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

مؤتمر ميونيخ للأمن: تحولات كبرى وتصدّعات في الشراكة عبر الأطلسي

14 فبراير 2026
مؤتمر ميونخ للأمن
الدورة الثانية والستين لمؤتمر ميونخ (Getty)
أغيد حجازي أغيد حجازي

انطلقت، الجمعة، أعمال الدورة الثانية والستين من مؤتمر ميونيخ للأمن في أجواء يطغى عليها القلق الاستراتيجي وتراجع الثقة بين ضفتي الأطلسي. ويشارك في الاجتماعات أكثر من ستين رئيس دولة وحكومة ووزير خارجية، إضافة إلى أربعين وزير دفاع، إلى جانب مئات الخبراء والمتخصصين في شؤون الأمن الدولي. وتُعقد جلسات المؤتمر على مدى ثلاثة أيام في فندقي "بايريشر هوف" و"روزوود ميونيخ"، حيث تتقاطع ملفات الدفاع الأوروبي، ومستقبل العلاقات عبر الأطلسي، وصراع الرؤى حول شكل النظام العالمي المقبل.

توتر أطلسي مبكر وتحذيرات من انهيار القواعد

منذ الجلسات الأولى، برزت مؤشرات توتر واضحة في العلاقة الأوروبية الأميركية، على خلفية سياسات واشنطن الأخيرة وتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المثيرة للجدل بشأن غرينلاند وكندا وأوروبا بشكل عام. هذا المناخ انعكس في كلمات الافتتاح التي اتسمت بقدر عالٍ من التحذير والتشخيص القاتم لمسار النظام الدولي.

رئيس المؤتمر فولفغانغ إيشينغر اعتبر أن العالم يمر بمرحلة اضطراب غير مسبوقة، في ظل تصاعد النزاعات المسلحة داخل أوروبا ومحيطها وعلى مستوى عالمي. وأشار إلى أن النظام الدولي القائم على القواعد يواجه عملية تفكيك فعلية، ما يضع المجتمع الدولي أمام لحظة مفصلية. ولفت إلى أن استمرار الشراكة عبر الأطلسي بات مشروطًا بقدرة أوروبا على تعزيز استقلاليتها وقوتها الذاتية، مؤكدًا أن وحدة الصف الأوروبي تمثل المدخل الوحيد لذلك. كما طرح تساؤلًا مباشرًا بشأن ما إذا كانت إدارة دونالد ترامب تؤمن فعلًا بالحاجة إلى الحلفاء والتعامل معهم بوصفهم شركاء.

ألمانيا بين إعادة التسلح ودعم أوكرانيا

في السياق ذاته، رسم المستشار الألماني فريدريش ميرتس صورة لمرحلة دولية تتراجع فيها قوة القانون لصالح منطق القوة. وأوضح أن برلين تتجه إلى تعزيز قدراتها العسكرية والاقتصادية، مع إحياء الصناعات الدفاعية والاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة. وأعلن أن الحكومة الألمانية تعمل على جعل الجيش الألماني الأقوى في أوروبا، بالتوازي مع استمرار دعم أوكرانيا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا في مواجهة روسيا.

كما شدد على أن نهاية المواجهة مع موسكو مرهونة بقبولها بالسلام نتيجة الكلفة التي تتكبدها، مضيفًا أن ألمانيا تواصل تقوية الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي والدفاع عن الديمقراطية في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية.

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى استقلال أوروبي كامل عن الولايات المتحدة، معتبرًا أن العلاقات عبر الأطلسي تمر بمرحلة غموض

واشنطن بين الطمأنة وإعادة تعريف التحالف

ورغم غياب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حضر وزير الخارجية ماركو روبيو ممثلًا الإدارة الأميركية، وسط ترقب أوروبي لمضامين خطابه. واستحضر روبيو في كلمته تاريخ المؤتمر منذ انطلاقته عام 1963، معتبرًا أن التحالف الغربي شكّل في حينه قوة أنقذت العالم من انقسام حاد. وأشار إلى أن أوروبا والولايات المتحدة تنتميان إلى فضاء استراتيجي واحد، نافياً وجود نية أميركية لإنهاء التحالف عبر الأطلسي.

في الوقت ذاته، دعا إلى إصلاح المؤسسات المنبثقة عن النظام الدولي القديم وإعادة بنائها، في إشارة إلى التوجه الذي تتبناه إدارة ترامب في إعادة صياغة علاقة واشنطن بحلفائها. وذكّر بأن التفاؤل الذي أعقب نهاية الحرب الباردة قاد إلى اعتقاد خاطئ بأن الديمقراطية الليبرالية ستعمّ العالم تلقائيًا، وأن التجارة وحدها كفيلة بتجاوز النزعات القومية، معتبرًا أن تلك الرؤية أثبتت محدوديتها.

وتباينت نبرة روبيو مع الخطاب الذي ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في نسخة العام الماضي من المؤتمر، حين وجّه انتقادات حادة لأوروبا بسبب اعتمادها الكبير على الدعم الأميركي. وكان فانس قد شدد آنذاك على أن التحدي الأخطر الذي يواجه الأمن الأوروبي ينبع من الداخل، متحدثًا عن تراجع في احترام حرية التعبير والقيم الديمقراطية.

كما ضم الوفد الأميركي شخصيات ديمقراطية بارزة، من بينها حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم وحاكمة ميشيغان غريتشن ويتمر وسيناتور أريزونا روبن غاليغو، في خطوة تعكس رغبة الحزب الديمقراطي في إعادة ترميم الجسور مع أوروبا.

أوروبا بين الاستقلال الاستراتيجي وإعادة توزيع الأدوار

في المقابل، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى استقلال أوروبي كامل عن الولايات المتحدة، معتبرًا أن العلاقات عبر الأطلسي تمر بمرحلة غموض. وحثّ على التعامل مع أوروبا كنموذج يُحتذى بدل الاكتفاء بانتقادها، مطالبًا واشنطن بتوضيح ما يمكن أن تقدمه للقارة في ظل التحولات الدولية المتسارعة.

وجاءت تصريحاته كرد على الخطاب الذي ألقاه نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس خلال مؤتمر العام الماضي لميونخ.

ومن جهته، أشار الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته إلى تحوّل في الذهنية داخل الحلف، موضحًا أن أوروبا باتت تؤدي دورًا قياديًا أكبر. واعتبر أن وجود أوروبا قوية داخل ناتو قوي سيعزز متانة الرابط عبر الأطلسي بدل إضعافه.

وفي السياق البريطاني، أفادت صحيفة "فاينانشيال تايمز" بأن رئيس الحكومة كير ستارمر يعتزم طرح مبادرة دفاعية متعددة الجنسيات تهدف إلى تنسيق عمليات شراء الأسلحة بين بريطانيا وحلفائها وخفض كلفة إعادة التسلح.

أوكرانيا في صلب المشهد واستطلاع يكشف القلق الأوروبي

احتلت أوكرانيا موقعًا مركزيًا في أعمال المؤتمر. ووجّه رئيس المؤتمر سؤالًا إلى الصين حول مدى استعدادها للضغط على موسكو لوقف الحرب والانسحاب، إذا كانت تسعى فعلًا إلى تعزيز علاقاتها مع أوروبا. وعلى هامش الاجتماعات، افتُتح "البيت الأوكراني" بوصفه أكبر مساحة مخصصة داخل المؤتمر، في رسالة تؤكد تمسّك الأوروبيين باستمرار الدعم السياسي والعسكري لكييف، إلى جانب التحضير لمرحلة إعادة الإعمار.

وتتضمن أجندة هذا العام ملفات تآكل النظام الدولي، وتداعيات انتهاء معاهدة "نيو ستارت" النووية، وتنامي أنماط الحرب الهجينة، إضافة إلى التوترات المرتبطة بغرينلاند بعد إعلان ترامب سابقًا رغبته في ضمها.

وبالتوازي، أظهرت نتائج استطلاع رأي نُشر بطلب من المفوضية الأوروبية أن 68 في المئة من الأوروبيين يشعرون بتهديد مباشر، فيما يرى 42 في المئة أن سلامتهم الشخصية باتت معرضة للخطر في ظل المناخ الجيوسياسي الراهن.

دعا روبيو  إلى إصلاح المؤسسات المنبثقة عن النظام الدولي القديم وإعادة بنائها

حضور عربي وتحولات تاريخية

شهدت الدورة مشاركة عربية لافتة، ضمّت رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، ووزير الخارجية في المملكة العربية السعودية فيصل بن فرحان آل سعود، والمستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات العربية المتحدة أنور محمد قرقاش، ومساعد وزير الخارجية الإماراتي لشؤون الطاقة والاستدامة عبد الله بالعلاء، ووزيرة الخارجية والمغتربين في دولة فلسطين فارسين أغابيكيان شاهين، ورئيس مجلس القيادة الرئاسي في الجمهورية اليمنية رشاد محمد العليمي، وأمين سر لجنة حقوق الإنسان والتضامن الاجتماعي في مجلس النواب المصري أميرة صابر قنديل، ووزير الخارجية والمغتربين في الجمهورية العربية السورية أسعد الشيباني، ووزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل في سوريا هند قبوات، ما يعكس اهتمامًا إقليميًا متزايدًا بمسارات الأمن الأوروبي وتأثيراته العابرة للحدود.

يُذكر أن مؤتمر ميونيخ للأمن تأسس عام 1963 تحت اسم "الاجتماع العسكري الدولي"، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى منصة عالمية للنقاش الاستراتيجي. وقد شكّل عام 1991 محطة مفصلية بعد انتهاء الحرب الباردة التي تمثلت بتفكك الاتحاد السوفييتي، تلاه منعطف عام 2003 مع الخلاف الأوروبي – الأميركي بشأن غزو العراق، ثم عام 2014 عقب ضم روسيا لشبه جزيرة القرم. وفي الدورات اللاحقة، تصاعدت النقاشات حول تراجع دور الغرب وصعود نظام دولي متعدد الأقطاب.

وبين تحذيرات من تفكك القواعد التقليدية وإشارات إلى إعادة توزيع الأدوار داخل التحالفات، تعكس دورة هذا العام لحظة إعادة تموضع كبرى في بنية الأمن العالمي، حيث تتداخل حسابات القوة مع أسئلة الهوية والشراكة والمصالح الوطنية.

كلمات مفتاحية
الحرب على إيران

لماذا تصرّ الولايات المتحدة على استراتيجية "الخنق الاقتصادي" في حربها مع إيران؟

تتجه الولايات المتحدة إلى تكريس نهج جديد في مواجهتها مع إيران، يقوم على "الخنق الاقتصادي" بدلًا من التصعيد العسكري المباشر

ميناء نوشهر

الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية: بين الضغط ومسار التسوية الدبلوماسية

انتقل الصراع بين الولايات المتحدة وإيران من مرحلة المواجهة العسكرية إلى أدوات الخنق الاقتصادي المباشر

جنوب لبنان

المنطقة العازلة حتى جبل الشيخ.. إسرائيل تمهّد لربط جنوبَي سوريا ولبنان؟

يتحوّل الواقع الميداني في لبنان إلى منحى خطير جدًا، ينطوي على مشاريع إسرائيلية لم تعد خافية، تهدف إلى إحداث تغيّرات استراتيجية وجغرافية كبرى

الصين
أعمال

رغم الحرب وتداعياتها.. الاقتصاد الصيني يسجل نموًا فاق التوقعات

أظهرت البيانات الرسمية الصينية أن الناتج المحلي الإجمالي للصين ارتفع بنسبة 5% على أساس سنوي خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، متجاوزًا توقعات المحللين التي دارت حول 4.8%

الشارع المصري
مجتمع

الانتحار في مصر: أزمة تتجاوز الإحصاء إلى أسئلة الأسرة والمجتمع

شهدت الساحة المصرية خلال الأيام القليلة الماضية عددًا من وقائع الانتحار في محافظات مختلفة، الأمر الذي خلّف صدمة واسعة في الشارع المصري

الحرب على إيران
سياق متصل

لماذا تصرّ الولايات المتحدة على استراتيجية "الخنق الاقتصادي" في حربها مع إيران؟

تتجه الولايات المتحدة إلى تكريس نهج جديد في مواجهتها مع إيران، يقوم على "الخنق الاقتصادي" بدلًا من التصعيد العسكري المباشر

محمد صلاح
رياضة

عن ليلة الأنفيلد القاسية.. هل كُتب على محمد صلاح أن يغادر من الباب الخلفي؟

عاشت جماهير ليفربول مع محمد صلاح تسع سنوات من السحر والمتعة، أثبت فيها للعالم أن الفتى القادم من أقاصي الريف المصري قادر على كتابة تاريخ جديد، وأن من يترك خلفه هذا الإرث العظيم والكبير، لن يسير وحده أبدًا