مؤتمر حل الدولتين: هل يساهم في إطلاق ديناميكية جديدة لتسوية القضية الفلسطينية؟
30 يوليو 2025
تُختَتَم اليوم الأربعاء في مقر الأمم المتحدة بنيويورك فعاليات المؤتمر الدولي رفيع المستوى بشأن التسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين. وقد اكتسب المؤتمر زخمًا كبيرًا في أعقاب إعلان فرنسا اعترافها بالدولة الفلسطينية، وإعلان بريطانيا أنها تعتزم الاعتراف بها في أيلول/سبتمبر المقبل.
ويعود هذا الحراك الدبلوماسي المتسارع حول القضية الفلسطينية إلى عوامل عدّة، في مقدمتها حرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل على غزة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. فقد عرّت تلك الحرب دولة الاحتلال من أي غطاء أخلاقي، نتيجة استخدامها التجويع كسلاح حرب، ومنعها دخول المساعدات الإنسانية، إلى جانب تدمير البنية التحتية المدنية، واستهداف خيام النازحين، والمدارس، والمستشفيات، وإطلاق النار على طالبي المساعدات.
وأمام عجز المجتمع الدولي عن اتخاذ إجراءات فعالة لوقف الحرب الوحشية في غزة، في ظل الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل، اتجهت عدة دول، وخصوصًا الأوروبية، إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية وتصعيد لهجتها تجاه إسرائيل، في محاولة للحدّ من تداعيات الصدمة واحتواء الغضب الشعبي المتصاعد نتيجة مواقفها السلبية تجاه المجازر الجارية. فقد شهدت الأشهر الماضية موجات احتجاجية متواصلة في كبرى العواصم الأوروبية دعمًا للفلسطينيين وتنديدًا بالعدوان الإسرائيلي.
وفي ختام مؤتمر "حل الدولتين"، أُعلن في نيويورك عن اعتماد وثيقة ختامية وصفتها الدول الراعية بأنها "إطار متكامل قابل للتنفيذ من أجل تطبيق حل الدولتين وتحقيق السلم والأمن للجميع".
وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي: "رفض حكومة نتنياهو لحل الدولتين خطأ أخلاقي وإستراتيجي"
يُشار إلى أن 142 دولة من أصل 193 دولة في الأمم المتحدة تعترف بالدولة الفلسطينية، ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد في أيلول/سبتمبر المقبل بعد إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن باريس ستعترف رسميًا بفلسطين خلال أقل من شهرين، ومن المرجح أن تتبع عواصم أخرى باريس في هذه الخطوة.
وذَكّر الطرف العربي المشارك في مؤتمر حل الدولتين بأن "مبادرة السلام العربية تبقى هي الأساس للحل العادل للقضية الفلسطينية". يُشار إلى أن هذه المبادرة تم تبنّيها في القمة العربية ببيروت عام 2002، وتقوم على مقايضة التطبيع بانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967. كما تنصّ على إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، وعلى إيجاد حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين.
لكن من الملاحظ أن أنظمة عربية عديدة طبَّعت علاقاتها مع إسرائيل دون التقيّد بشروط تلك المبادرة، الأمر الذي شجّع دولة الاحتلال على مواصلة قضم الأراضي العربية في فلسطين المحتلة وغيرها، كما شجّعها على التمادي في رفض المبادرة العربية للسلام.
من جانبه، شدّد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في كلمته الافتتاحية لمؤتمر تسوية القضية الفلسطينية، على أنّ حل الدولتين "هو المسار الوحيد الموثوق به لتحقيق سلام عادل ودائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين، كما أنه يُعدّ الشرط الأساسي للسلام في الشرق الأوسط".
واستدرك غوتيريش بالإشارة إلى أن هذا الحل "وصل إلى نقطة الانهيار، فقد بات أبعد من أي وقت مضى"، وذلك بسبب السياسات الاستيطانية الإسرائيلية، ووصول اليمين المتطرّف، الرافض لأي دولة فلسطينية، إلى سدّة الحكم، فضلًا عن تواطؤ الإدارة الأميركية مع هذا النهج.
وقد بلغ هذا التواطؤ ذروته خلال الولاية الرئاسية الأولى لدونالد ترامب، بالاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، وهو إجراء لم تتراجع عنه إدارة الديمقراطيين خلال عهد الرئيس جو بايدن. ومن غير المستبعد أن يُقدم ترامب، في حال فوزه بولاية ثانية، على خطوات مماثلة لما اتخذه سابقًا.
يُذكر أن واشنطن وتل أبيب عبّرتا عن رفضهما الشديد لعقد مؤتمر "حل الدولتين" في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، واعتبرت الإدارة الأميركية أن تنظيمه يؤثّر سلبًا على فرص إنهاء الحرب في غزة.
وفي ما يتعلّق بمجريات حرب الإبادة الجماعية في غزة، المستمرة منذ قرابة 22 شهرًا، شدّدت الوثيقة الختامية لمؤتمر "حل الدولتين" على "دعم جهود قطر ومصر والولايات المتحدة لوقف إطلاق النار في غزة"، كما لفتت إلى رفض الدول المشاركة "أي تغييرات ديموغرافية أو تهجير قسري بحق المدنيين الفلسطينيين".
وتُفيد الوثيقة باتفاق الدول المشاركة على "إجراءات جماعية لإنهاء الحرب في غزة".
الاعتراف البريطاني وشروطه
تحت ضغط الاحتجاجات وما يشبه تمردًا سياسيًا داخل حزب العمال الحاكم، وجد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر نفسه مضطرًا إلى إعلان أن بريطانيا بصدد الاعتراف بدولة فلسطين في أيلول/سبتمبر المقبل، لكن ستارمر وضع شروطًا لهذا الاعتراف، من بينها: عدم اتخاذ دولة الاحتلال خطوات جوهرية لإنهاء الوضع المروّع في غزة، بالإضافة إلى شروط أخرى تشمل توضيح تل أبيب أنه لن يكون هناك ضمّ للضفة الغربية، والالتزام بعملية سلام طويلة الأمد تُفضي إلى حل الدولتين.
وكان ستارمر قد استدعى حكومته من العطلة الصيفية لمناقشة ما وصفها بـ"خطى سلام جديدة يجري العمل عليها بالتعاون مع زعماء أوروبيين آخرين، وكيفية إيصال المزيد من المساعدات الإنسانية إلى غزة".
وسلّط وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي الضوء على ما سمّاه "العبء التاريخي" الذي تتحمّله المملكة المتحدة تجاه القضية الفلسطينية، مشيرًا إلى أن "تاريخنا يعني أن بريطانيا تتحمّل مسؤولية خاصة في دعم حل الدولتين". واعتبر أن "رفض حكومة نتنياهو لهذا الحل يمثّل خطأً أخلاقيًا واستراتيجيًا"، مضيفًا: "نأمل أن يُسهم قرارنا بالاعتراف بدولة فلسطين في التوصّل إلى وقف لإطلاق النار في غزة". ولفت إلى أن "المجتمع الدولي يشعر بالإهانة من جرّاء تعذيب الفلسطينيين وقتلهم"، مؤكدًا أن "الوقت قد حان لوقف هذه الحرب".
وفي دفاع عن موقف حكومة ستارمر من تأجيل الاعتراف بدولة فلسطين وربط ذلك الاعتراف بشروط، قال ستارمر إن بريطانيا "اتخذت قرارات بفرض عقوبات على مسؤولين إسرائيليين، وهذه إجراءات لم يقم بها الاتحاد الأوروبي"، وأضاف: "أعدنا التمويل لوكالة الأونروا، والعمل جارٍ مع الشركاء لإيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة".
وتجمّع مئات البريطانيين أمام مكتب ستارمر أمس الثلاثاء للضغط عليه وعلى حكومته من أجل اتخاذ قرارات حاسمة بشأن ما يحدث في غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة، كما طالب أكثر من 200 نائب بريطاني حكومة ستارمر بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، ولوّح الحزب الوطني الأسكتلندي بفرض تصويت على المشروع في مجلس العموم ما لم يتخذ ستارمر قرارًا صريحًا بالاعتراف بالدولة الفلسطينية.
ويبدو أن رئيس الوزراء البريطاني قد استجاب في الأخير لهذه الضغوط، وإنْ ذيّل الاعتراف بدولة فلسطينية بشروط من المستبعَد أن تنفّذها إسرائيل.