مؤتمر

مؤتمر "تواصل 3".. أرشفة السينما الفلسطينية

لقطة من فيلم تل الزعتر- موقع أفلام فلسطين

ينطلق في إسطنبول غدًا، 17 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، "مؤتمر تواصل 3" الذي ينظِّمه سنويًا "منتدى فلسطين الدولي للإعلام والاتّصال"، الذي يستمر حتى يوم 18 من الجاري أيضًا.

السينما الفلسطينية ذاكرة مرئية لأرضٍ مُغتصبة، منهوبة ومحتلّة، ولشعبٍ مُضطّهد ومُهجّر ومجرّد من حقوقه

يأتي المؤتمر بفعّاليات وأنشطة مختلفة؛ ندوات حول العلاقة بين فلسطين والإعلام العالميّ، صورتها ومستقبلها في هذا الإعلام، وخطاب الأخير عنها عالميًا. بالإضافة إلى عددٍ من ورش العمل، كالتعامل مع التطبيع في الإعلام العربيّ، واستراتيجيات مواجهة الخطاب الإسرائيليّ العنصريّ وغيرها. لكنّ الحدث الأبرز لمؤتمر "تواصل" بنسخته هذه، يكمن في تدشين النسخة التجريبية لموقع "أفلام فلسطين" الذي بدأ العمل عليه قبل ما يزيد عن عامين من الآن تقريبًا، ليكون أرشيفًا حيًّا لـ"مركز الفيلم الفلسطينيّ" الذي أسَّسهُ المنتدى لاستعادة وحفظ أرشيف السينما الفلسطينية المُبعثر والمفقود.

اقرأ/ي أيضًا: وثّق.. أرشفة التراث الفلسطيني رقميًا

مشروع موقع "أفلام فلسطين" و"مركز الأفلام الفلسطينيّ" الذي يشتغل عليه "منتدى فلسطين الدولي للإعلام والاتّصال" ليسَ أوّل مبادرة فردية تُطلق لبناء أرشيفٍ خاصّ للسينما الفلسطينية. وفي هذا السياق، نستعيد مبادرة المخرج الراحل مصطفى أبو علي التي تمثّلت في إعادة "جماعة السينما الفلسطينية". ومن المعروف أنّ المخرج الفلسطينيّ كان أحد أبرز مؤسِّسين "وحدة الأفلام الفلسطينية" التي عُرفت لاحقًا بـ"مؤسّسة السينما الفلسطينية". وكان الهدف من المبادرة التي أطلقها، دون أن يكتب لها النجاح، هو الهدف ذاته من مبادرة "موقع أفلام فلسطين"، أي تأسيس وحفظ الأرشيف السينمائي الفلسطينيّ، وجمع الأفلام القديمة والعمل على ترميمها.

المبادرة، وفقًا للقائمين عليها، تواجهُ صعوبات كبيرة، بدءًا من العمل للحصول على الأفلام القديمة وجمعها، والبحث عن تلك المفقودة أيضًا. وانتهاءً بمسألة الحصول على حقوق هذه الأفلام من أجل أن تُعرض في الموقع دون مواجهة أية مساءلة قانونية. القائمون على المشروع، وهم في الأساس مجموعة من المتطوّعين، وجدوا في التواصل مع الأشخاص المعنيين بالسينما الفلسطينية وأرشيفها سبيلًا للحصول على الشرائط المُبعثرة هنا وهناك. لا سيما تلك التي تناولت واقع المخيمات الفلسطينية في عددٍ من دول الشتات، والحوادث المفصلية في تاريخ القضية الفلسطينية وحركة التحرر الوطنيّ، من حروبٍ ومعارك وصراعات. ومن المعروف أنّ هذه الأفلام صوّرت بعدسات العاملين في "مؤسّسة السينما الفلسطينية"، والتي نالت حصّةً كبيرةً من الخراب الذي لحق بالأرشيف الفلسطينيّ إبّان الاجتياح الإسرائيليّ لبيروت سنة 1982. حيث تنقّل أرشيفها بين منطقة جامعة بيروت العربية، والسفارة الفرنسية، وأقبية المساجد والمستشفيات، وهكذا إلى اختفت أخيرًا.

إذًا، لا تملك السينما الفلسطينية، بالمعنى الدقيق للقول، أرشيفًا خاصًّا وشاملًا لها. الفكرة ذاتها، أي أن يكون لهذه السينما، التي تتجاوز فكرة السينما التقليدية، لكونها ذاكرةً مرئيةً لأرضٍ مُغتصبة، منهوبة ومحتلّة، ولشعبٍ مُضطّهد ومُهجّر ومجرّد من حقوقه؛ طُرحت قبلًا، واشتُغِلَ عليها مرّاتٍ عدّة، ولكنّ شيئًا ما حال دون أن تتحقَّق. من الممكن أن يعود ذلك إلى الصراعات والأزمات المستمرّة، إن كانت صراعات فلسطينية – فلسطينية، أو فلسطينية – صهيونية أيضًا، أو لأسبابٍ أخرى تتعلّق بالتمويل وغيره. وبالتالي، نحن إزاء سينما بأرشيفٍ غير مكتمل، مُبعثّر ومُشتَّت داخل فلسطين وفي دول اللجوء والشتات، ومؤخّرًا في مواقع التواصل ومنصة يوتيوب.

حميد دباشي: لا يمكن لشعب أن يسمح لنفسه بالتنعم برفاهية نسيان ذاته عندما يصبح له دولة

ما الذي يجعل من بناء أرشيفٍ للسينما الفلسطينية أمرًا مهمًا، أو حاجّة مُلحّة؟ ولماذا على الأرشيف أن يوجد من الأساس؟ يُجيب المفكّر والفيلسوف الإيرانيّ حميد دباشي في دراسته المعنونة بـ "السينما الفلسطينية: من المقاومة الثورية إلى الانتصار الفنّي" (قضية فلسطين ومستقبل المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ/ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)؛ قائلًا إنّ الأرشيف ممتلكات تعود وتمتلك أصحابها. فهي: "تضمّ تاريخًا لا يلبث أن يصبح أرضًا خصبة لرعاية الوعي بالذات ونموّه، الأمر الذي يقود إلى جوانية منحوتة كليًا، من دونها، لا يمكن لشعب أن يسمح لنفسه بالتنعم برفاهية نسيان ذاته عندما يصبح له دولة".

اقرأ/ي أيضًا: مستودع الأنيس الرقمي.. مركز بحجم عاصمة

لكن، هل بناء هذا الأرشيف أمر سهل؟ بالطبع لا. والمشقّة الكبرى في عملية البناء هذه تكمن في العثور على الأفلام الفلسطينية المبعثرة ومنها المفقودة أيضًا. ما معناهُ أنّ الأرشيف لن يكون مكتملًا؛ وسيظلّ بشكلٍ أو بآخر ناقصًا. ولكنّ هذا لن يُلغي من الأهمية الكبيرة التي سوف يحظى بها فور انطلاقه، لا سيما وإن نجح في العثور على الشرائط المفقودة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

القضية الفلسطينية ووعي السينما المصرية

الدراما الفلسطينية.. إخفاقاتها وآمالها