فريد بلكاهية/ المغرب

يجب إنقاذ النص الأدبي من هيمنة النقد الشكلاني، والرجوع إلى البعد الإنساني في العملية الإبداعية بدلًا من الإغراق في الشكل. فالخطر الذي يتهدد الأدب اليوم هو التعليم الشكلاني الذي يلقن التلاميذ النظريات التي تتحدث بدلًا عن النص، وتستمع إلى الناقد بدلًا من الإنصات إلى المؤلف.

الخطر الذي يتهدد الأدب اليوم هو التعليم الشكلاني الذي يلقن التلاميذ النظريات التي تتحدث بدلًا عن النص

وقد أكد تزيفان تودوروف أن مجموع هذه التعليمات -يقصد التعليمات الرسمية- تسعى إلى تحقيق هدف وحيد، هو تعريف المتعلم بالأدوات التي يتم استخدامها  في قراءة القصائد والروايات دون تحفيزه على التفكير في الوضع الإنساني، في الفرد والمجتمع، في الحب والكراهية، في الفرح واليأس، بل التفكير في مفاهيم نقدية، تقليدية أو حديثة. في المدرسة، لا نعلم عن ماذا تتحدث الأعمال وإنما عن ماذا يتحدث النقاد.

لقد وقع الأدب الحديث في شباك "الثالوث" المعاصر: "الشكل، العدمية، الأحادية"، وأصبح النقد غاية بعد ما كان وسيلة تساعد المتلقي على فهم النصوص والظواهر الاجتماعية، فانحرف عن وظيفته وسقط في الشكلانية.

والأخطر من ذلك في نظر تودوروف هو "استيراد" المؤسسات التعليمية من ثانويات وجامعات لتلك النظريات النقدية الجديدة والتي عوض أن تؤدي رسالتها الحقيقية بدأت تسيء إلى النص الأدبي نفسه. إن الأدب الذي يُعلَّم في الثانويات والجامعات لم يعد يتحدث، عن الإنسان في العالم بقدر ما يتحدث عن نفسه وعن "الفرد" الذي كتبه. أما النقد الحديث فقد أصبح غارقا في "الشكلانية" مفتقدًا للبعد الإنساني والبساطة، وهذان عنصران يحتاج النقد إليهما كل الاحتياج ليتمكن من التواصل مع قارئه ومع الكاتب صاحب النص.

نشير هنا إلى أن من أشهر المقولات الذي انتشرت في النقد الشكلاني والبنيوي تلك التي أطلقها رولان بارت حول موت المؤلف، حتى يتحرر القارئ من سلطة الفاعل الأول الرمزية ويمارس نشاطه الإبداعي الذي هو القراءة . كيف يموت المؤلف وهو في نفس الوقت قارئ لنصوص أخرى؟ بل كيف يموت القارئ الأول ليعيش القارئ الثاني؟ ألا تعتبر مقولة موت المؤلف من بين المقولات التي أغرقت النقد في الشكلانية وأبعدته عن المضمون الإنساني؟

إذا كان نداء تودوروف الذي ينبه إلى خطورة الوضع الذي أصبح عليه الأدب في العصر الحالي، موجها للنقاد والكتاب الفرنسيين والمؤسسات التعليمية والجامعات الفرنسية والقارئ الفرنسي. فهو كذلك موجه إلى كل المعنيين بالقراءة والأدب في العالم، وخصوصًا في العالم العربي الذي تأثر بصورة كبيرة بالتيارات البنيوية والشكلانية في الربع الأخير من القرن العشرين، إذ لقيت انتشارًا وتجاوبًا كبيرين  بسبب تدريسها في الجامعات العربية واحتضناها في المؤسسات الثقافية.

أي نوع من الفكر يتولد عن النصوص الأدبية؟

إن الفلسفة الأدبية هي فلسفة الأدباء العفوية بالمعنى الذي نتكلم فيه عن فلسفة العلماء العفوية، وهذه الفكرة تبرز حضور البعد الابستمولوجي في تحديد بيير ماشري لهذه الإشكالية عندما استعار من لويس ألتوسير فكرة فلسفة العلماء العفوية، وهذا أحد عناوين كتبه التي يتناول فيها ألتوسير.

الفلسفة الأدبية هي الفكر الذي ينتجه الأدب، وليس الفكر الذي ينتج الأدب

الفلسفة الأدبية هي الفكر الذي ينتجه الأدب، وليس الفكر الذي ينتج الأدب وإلى حد ما بدون علمه. وبالتالي فإن هذا الفكر ليس جسمًا غريبًا عن الأدب ينبغي استخراجه من الأشكال الأدبية. الأدب ينتج فكرًا كما تنتج الكبد المرارة، الفلسفة الأدبية هي فكر من دون مفاهيم مجردة ومن دون المرور عبر مذاهب فكرية، أو نظرية تدمج البحث عن الحقيقة بعملية برهانية.

فأعمال فكتور هوجو وجورج باتاي ولوس فردناند سيلين، كانت عبارة عن تتبع لحركة تغوص إلى عمق الأشياء، حركة تمنح الأدب بعدًا أنطولوجيًا، ومع فيكتور هوغو ظهرت فكرة الروايات الشعبية التي بدأها أوجين سو، فكانت "البؤساء" رواية من الشعب ومن أجله، لا عنه فقط. تناول هوغو عمق الهوة الاجتماعية في فرنسا، وكان يرغب في القول إنّه "حين يُدرَك المجتمع في أعماقه، يصبح مجتمع البؤساء".

كما استعملت مدام دوستايل الأدبي في أعمالها كنوع من آلية لاستكشاف دروب الصيرورة الإنسانية من منظور أنتروبولوجي. إذ نجد في رواياتها دراسات الشعوب والثقافات القومية ضمن حدودها المكانية والزمانية، مع اعتمادها على فلسفة فريدريك هيغل. لقد وظِفت مدام دوستايل الأفكار الفلسفيّة في نصوصها الأدبية لخدمة الموضوع الذي تتناوله. كما أنها لخّصت فلسفة كانط كلّها في صفحات ثلاث في  رواية "عن ألمانيا". وذلك لتقريب الفلسفة من الجمهور العادي. وانطلاقًا من اقتناعها بأنّ كانط فيلسوف الحماسة الذي يصالح العام والخاص، ابتكرت دو ستايل فكرًا جديدًا يوحد الأدب بالفلسفة.

إذن إذا لم تكن الفلسفة الأدبية هي لا وعي الأدب فقد تكون لاوعي الأدباء لأنها فلسفة بدون فلاسفة، وهي ليست فلسفة أديب معين بل هي فلسفة تخترق مجمل النصوص الأدبية باعتبار أنها تؤلف كلًا متباينًا ومتضاربًا بمعزل عن المؤلفين والمذاهب، حيث الأدب هو الذي يفكر إذ حل في عنصر فلسفي وجوده سابق على وجود كل الفلسفات الخاصة.

هكذا يفتح الأدب للفلسفة آفاقاً جديدة ومجالات بحث. تمكن الأدب من قول ما يفكر به العصر، مع ابتعاده عن أن يكون رسالة إيديولوجية. ألا يمكننا إذاً أن نعلن أنّ الفلسفة والأدب وجهان لخطاب واحد؟                                                                                                                                                                                                 

اقرأ/ي أيضا:

أدب المفتاح

زمن السيداف.. حفر في الرمال المتحركة