لي جاي ميونغ ينجح في تجنّب سيناريو "لحظة زيلينسكي".. التحالف بين واشنطن وسيول مستمر
26 أغسطس 2025
استطاع الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ بصعوبة بالغة تفادي تكرار سيناريو نظيره الأوكراني فلوديمير زيلينسكي في شباط/فبراير الماضي، إذ مرّ لقاؤه مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب من دون توترات أو أحداث درامية غير مرغوب فيها.
جاء ذلك رغم أن ترامب سبق اللقاء بتهديد صريح حين تحدث عن "تطهير أو ثورة" في كوريا الجنوبية، قبل أن يتراجع لاحقًا مبررًا ذلك بأنه وقع تحت تأثير "شائعات" أو "سوء تفاهم".
وبناءً على ذلك، رأى عدد من المسؤولين والمحللين أن القمة الأولى بين ترامب ولي جاي ميونغ جرت إلى حد كبير كما كانت سيول تأمل، رغم بدايتها غير المبشرة التي تخللتها تصريحات ترامب المتماهية مع دعاية نظريات المؤامرة اليمينية.
مع ذلك، لا تزال أسئلة رئيسية مطروحة بشأن المبلغ الذي ستدفعه كوريا الجنوبية مقابل استمرار تمركز نحو 28.500 جندي أميركي على أراضيها، إلى جانب تفاصيل عديدة لم تُحسم بعد في اتفاقية الرسوم الجمركية التي جرى التفاوض عليها على عجل من دون صياغة نهائية لبنودها.
ويرى مراقبون أن نجاح الرئيس الكوري الجنوبي في تجنب صدام علني مع ترامب يُعد مكسبًا لدبلوماسية سيول، خصوصًا في وقت تواصل فيه كوريا الشمالية تطوير أسلحتها النووية والصواريخ الباليستية، وتعمّق في الوقت نفسه شراكتها مع روسيا بعد مساهمتها في دعم المجهود الحربي الروسي على جبهة كورسك التي استعادتْها موسكو من كييف إثر التوغل الأوكراني في آب/أغسطس الماضي.
دقّ الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ ناقوس الخطر في واشنطن بحديثه عن عمَل الجارة الشمالية لبلاده على تطوير قدراتها النووية لإنتاج ما بين 10 إلى 20 رأسًا نووية في العام
أظهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ أجواء ودية خلال لقائهما في البيت الأبيض، متجاهلين، وفق ما نقلته وكالة "رويترز"، القضايا الخلافية الكبرى التي تلقي بظلالها على العلاقة بين البلدين، مثل ملفات التجارة والدفاع. فقد فضّل الطرفان تهدئة الأجواء على الخوض علنًا في هذه الملفات الشائكة.
وقبيل ساعات من القمة، نشر ترامب على منصته "تروث سوشيال" منشورًا مثيرًا للجدل تساءل فيه: "ما الذي يحدث في كوريا الجنوبية؟ يبدو وكأنه تطهير أو ثورة، لا يمكننا أن نشهد ذلك ونواصل أعمالنا هناك".
وعندما سئل لاحقًا من قِبل أحد المراسلين في البيت الأبيض عمّا يقصده، أجاب: "سمعت أنّ هناك مداهمات لكنائس خلال الأيام القليلة الماضية، لكنني واثق من أنه مجرد سوء تفاهم"، مشيرًا إلى أنها مجرد "شائعات"، ومؤكدًا في الوقت ذاته تطابق المواقف بينه وبين ميونغ إزاء كوريا الشمالية. وقد اعتُبر هذا التصريح إشارة دعم للرئيس الكوري الجنوبي الذي يواجه تحديات سياسية داخلية متوقعة أن تبلغ ذروتها في كانون الأول/ديسمبر المقبل.
وعقب اجتماعه مع ترامب، قال ميونغ في كلمة له بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: "قبل لقائي بالرئيس ترامب اليوم، نشر منشورًا بدا مُهددًا للغاية، وقد شعر موظفو مكتبي بقلق من احتمال مواجهة لحظة حرجة كتلك التي واجهها الرئيس الأوكراني زيلينسكي. لكنني كنت واثقًا من أنني لن أتعرض لموقف مماثل، فقد قرأت كتاب ترامب حول فن الصفقات".
وأضاف "لاحظت في المفاوضات الأميركية مع دول أخرى أن ترامب غالبًا ما يطرح شروطًا صعبة، لكنه في المرحلة النهائية يصل إلى نتيجة معقولة". وتابع: "بسبب أهمية التحالف الكوري الأميركي، كنت واثقًا من أنه لن يُلحق ضررًا بتحالفنا". وختم ساخرًا: "كان الجميع ينصحني بالصبر".
السؤال المطروح هنا هو عن طبيعة "الصفقة" التي ربما أبرمها الجانبان خلال القمة. إذ لا مؤشرات على اتفاق جديد خارج ما تم التوصل إليه في حزيران/يونيو الماضي، حين التزمت سيول بضخ أكثر من 350 مليار دولار في الأسواق الأميركية، وزيادة الإنفاق الدفاعي بشكل قياسي، إضافة إلى شراء أسلحة أميركية جديدة، تنفيذًا لما وصفه ترامب سابقًا بأن كوريا الجنوبية "آلة مال".
لكن، كما يرجّح محللون، فإن غموض ما دار بين ترامب وميونغ يوحي بوجود أهداف سياسية كورية لم تُطرح بعد علنًا، من بينها طلبات سيول الحصول على موافقة واشنطن لإعادة معالجة الوقود النووي، ومراجعة القوانين الأميركية الخاصة بصناعة السفن.
وفي هذا السياق، قال رئيس معهد الاقتصاد العالمي، جون كوانغ وو، لوكالة رويترز: "ترامب لم يُحرج الرئيس ميونغ، وكان واضحًا أن الطرفين سعيا لتجنب الملفات الحساسة، مثل موقف كوريا الجنوبية من التوترات بين الصين وتايوان." وأضاف: "من غير المرجح أن يُصعّد ترامب ضد سيول الآن، بينما يواجه خلافات ضاغطة مع دول أخرى."
أما الباحث يانغ أوك من معهد "آسان" للدراسات السياسية في سيول، فرأى أن أسلوب ترامب يعكس إدراكه لمدى المكاسب التي يمكن انتزاعها من حليفه الآسيوي. وقال: "صيغة ترامب المعتادة ـ مداعبة الطرف الآخر قدر الإمكان ثم الحصول على ما يريد ـ طُبقت بالكامل مع ميونغ."
الأسلحة النووية لكوريا الشمالية:
هيمنت الترسانة النووية لكوريا الشمالية على قمة الرئيس الأميركي ونظيره الكوري الجنوبي، حيث بدا ترامب متفائلًا بإمكانية التوصل إلى تسوية مع بيونغ يانغ، بينما دقّ ميونغ ناقوس الخطر محذرًا من تسارع تطوير القدرات النووية لجارته الشمالية.
وقال الرئيس الكوري الجنوبي إن بلاده تتابع عن كثب عمل كوريا الشمالية على إنتاج ما بين 10 و20 رأسًا نوويًا سنويًا، مشددًا على "الحاجة الملحة لخفض التوترات في شبه الجزيرة الكورية ومنع أي صدام محتمل بين الكوريتين".
وبحسب تقديرات معهد "ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام"، تمتلك كوريا الشمالية حاليًا نحو 50 رأسًا نوويًا، إضافة إلى ما يكفي من المواد الانشطارية لصنع 40 قنبلة أخرى. وكشف ميونغ عقب قمته مع ترامب أن بيونغ يانغ طورت صاروخًا باليستيًا عابرًا للقارات "قادرًا على بلوغ الأراضي الأميركية"، لافتًا إلى استمرارها في توسيع برنامجها النووي بوتيرة متسارعة.
وأشار الرئيس الكوري الجنوبي إلى أن أسلافه انتهجوا سياسات متشددة حيال الشمال بهدف ردعه، "لكن النتيجة كانت أن كوريا الشمالية واصلت تطوير برنامجها النووي، وزاد عدد الأسلحة التي بحوزتها خلال الأعوام الأخيرة."
ورغم هذه المخاوف، أكد ميونغ التزامه بالاعتماد على "الأسلحة التقليدية لردع الشمال"، معوّلًا في المقابل على الدبلوماسية لاحتواء الخلافات والتوصل إلى تفاهمات. وأوضح أنه اتخذ خطوات "لتقليل الإجراءات التي تُعتبر استفزازية، مثل وقف بث الرسائل الدعائية المناهضة لكوريا الشمالية باستخدام مكبرات الصوت عبر الحدود".
ترامب وكيم:
جدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب رغبته في لقاء نظيره الكوري الشمالي كيم جونغ أون، مشيرًا قبل لقائه بالرئيس الكوري الجنوبي إلى أنه يعرف كيم "أفضل من أي شخص آخر تقريبًا، باستثناء أخته".
وكان ترامب قد اجتمع بكيم ثلاث مرات خلال ولايته الرئاسية الأولى بين عامي 2017 و2021، غير أن الزعيم الكوري الشمالي تجاهل لاحقًا دعوات ترامب إلى استئناف المسار الدبلوماسي مع واشنطن، معتبرًا أن كوريا الجنوبية والولايات المتحدة "تتصرفان بعدائية تجاه بلاده"، وأنه "لا مجال للتفاهم معهما".