ليندسي غراهام: عندما تصبح الانتهازية صوت الديمقراطية
14 يوليو 2026
هيمنت وفاة السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام على تغطية كبرى المجلات الأميركية، لكن اللافت أن زاوية التناول اختلفت بين من ركز على تحوله السياسي وعلاقته بالرئيس دونالد ترامب، وبين من سلط الضوء على تداعيات غيابه على السياسة الأميركية تجاه إسرائيل وإيران.
وفي ثلاثة مقالات منفصلة، تناولت مجلة "ذا أتلانتيك" شخصية غراهام بوصفه أحد أبرز الأمثلة على السياسي الذي غيّر مواقفه للحفاظ على نفوذه داخل الحزب الجمهوري، بينما ركزت "بوليتيكو" على الفراغ الذي سيتركه رحيله بالنسبة لإسرائيل داخل واشنطن.
"ذا أتلانتيك": من أشد منتقدي ترامب إلى أقرب حلفائه
رأت الكاتبة آن أبلباوم، في أحد مقالاتها، أن غراهام لم يكن مخدوعًا بشخصية ترامب، بل كان من أوائل الجمهوريين الذين حذروا منه، بعدما وصفه عام 2015 بأنه "متعصب" و"كاره للأجانب"، ودعا إلى رفضه سياسيًا.
لكن المجلة اعتبرت أن غراهام اتخذ لاحقًا قرارًا واعيًا بالتقرب من ترامب للحفاظ على مكانته السياسية، مستشهدة بقوله للصحفي مارك ليبوفيتش عام 2019: "حاول أن تظل مهمًا"، وهي العبارة التي رأت أنها تلخص فلسفته السياسية في التعامل مع السلطة.
وكان غراهام قد أعلن، بعد اقتحام مبنى الكابيتول عام 2021، انتهاء علاقته بترامب، لكنه عاد لاحقًا إلى دعمه بعدما تأكد أن الأخير ما زال الزعيم الفعلي للحزب الجمهوري، وشارك في جهود إعادته إلى البيت الأبيض.
يمثل غياب غراهام خسارة مؤلمة" لإسرائيل، خصوصًا في ظل تراجع التأييد الشعبي لها داخل الولايات المتحدة، وتزايد الانتقادات الموجهة لحربها في غزة
ازدواجية في الخطاب الأخلاقي
وفي مقال آخر، قالت "ذا أتلانتيك" إن غراهام احتفظ بخطاب أخلاقي واضح في دعمه أوكرانيا، إذ زار كييف عشر مرات، ودافع باستمرار عن تسليحها وفرض عقوبات على روسيا.
لكن المجلة رأت أن هذا الخطاب لم ينعكس على موقفه من الحرب في غزة، إذ منح إسرائيل تفويضًا مفتوحًا لاستخدام القوة، مستشهدة بتصريحه في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 بأنه "لا يوجد حد" لعدد الضحايا المدنيين الذي ينبغي أن يدفع الولايات المتحدة إلى تقييد الدعم العسكري لإسرائيل.
ودافع عن تزويد إسرائيل بالقنابل الثقيلة، واستحضر قصف هيروشيما وناغازاكي لتبرير استمرار الدعم العسكري الأميركي، فضلًا عن دعمه فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية بعد ملاحقتها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت.
وترى الكاتبة أن هذا ليس مجرد تشدد في السياسة الخارجية، بل خيال سياسي يرى السكان المدنيين كتلة يمكن سحقها كي تستعيد القوة المهيمنة شعورها بالأمان. واستدعاء هيروشيما أمام غزة لم يكن مقارنة تاريخية بريئة، بل كان إعلانًا بأن حجم الدمار لا يشكل في حد ذاته اعتراضًا أخلاقيًا، ما دام الطرف الذي يلحقه حليفًا أميركيًا.
ولا تكمن المشكلة في دعمه إسرائيل وحدها، فهذا موقف راسخ في المؤسسة السياسية الأميركية ويتخذ أشكالًا متعددة، وإنما في أنه تجاوز الدعم السياسي والعسكري إلى منح الحرب تفويضًا أخلاقيًا بلا سقف، في وقت يمارس فيه الجيش الإسرائيلي إبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
رجل المؤسسة الذي منح الشعبوية شرعية
من جهة أخرى، وفي مقال للكاتب مارك ليبوفيتش، اعتبر أن غراهام كان شخصية معقدة؛ فقد جمعت سيرته بين حياته الخاصة، ووفاته المفاجئة، ومواقفه الأخلاقية في الحياة العامة، وكل ما أحاط بشخصيته من تناقضات.
وفي رؤية غراهام، ظلت وسائل الإعلام التقليدية ذات أهمية بالغة. وكان هذا الاعتقاد القديم، الذي ربما يبدو متقادمًا للبعض، مفيدًا له في السنوات الأخيرة، لأن ترامب، الذي أصبح النجم الذي يدور غراهام في فلكه، كان أكثر من يستهلك تلك البرامج التلفزيونية، كما يروي الكاتب. ولم يدرك أحد، مثل غراهام، أن برامج صباح الأحد يمكن أن تكون وسيلة فعالة لإدارة العلاقة مع البيت الأبيض.
وقال مسؤول كبير في البيت الأبيض، متحدثًا إلى ليبوفيتش خلال الولاية الأولى لترامب: "كان ليندسي بارعًا جدًا في هذه اللعبة".
وعندما سأله ليبوفيتش عن مفاتيح تأثيره في ترامب، كان غراهام صريحًا بشكل لافت بشأن الأساليب التي اعتاد استخدامها. ويقول الكاتب إنه أدهشه كيف كان غراهام يصور ترامب وكأنه هدف سهل يمكن استمالته.
وقال غراهام عن الرئيس: "إذا بالغت في مدحه طوال الوقت فسيفقد احترامه لك". وإذا أراد إقناع ترامب باتخاذ خطوة ما، خصوصًا في السياسة الخارجية، كان يكفيه أن يخبره بأن سلفه باراك أوباما كان سيتخذ موقفًا معاكسًا تمامًا.
وأضاف: "هذه الطريقة قد تكون فعالة جدًا.. أوباما يثير جنونه".
واعتبر ليبوفيتش أن غراهام كان بارعًا دائمًا في تغيير جلده سياسيًا، متنقلًا بسهولة بين نخبة واشنطن الرسمية والشعبويين المتشددين من أنصار حركة "ماغا" في ساوث كارولاينا. وامتد هذا التباين إلى شخصيته أمام الكاميرا وخلفها؛ ففي لحظة كان يتبادل الأحاديث الودية مع زميل ديمقراطي قبل بدء البث، وما إن تُضاء الكاميرات حتى يتحول إلى مهاجم شرس دفاعًا عن البيت الأبيض أو عن مؤيدي ترامب في ولايته.
وكان غراهام يبحث باستمرار عن شخصيات نافذة يرتبط بها، أو كما كان يسميهم "الذكور المهيمنون". وكان يرى فيهم حماة له، وفي الوقت نفسه وسيلته للبقاء مؤثرًا وذا صلة. ومن بينهم عضو مجلس الشيوخ الراحل جون ماكين، وأخيرًا دونالد ترامب.
"بوليتيكو": إسرائيل تخسر أبرز حلفائها في واشنطن
في المقابل، ركزت مجلة "بوليتيكو"، في تقرير للكاتبة نحال توسي، على التداعيات الجيوسياسية لوفاة غراهام، معتبرة أن إسرائيل فقدت أحد أهم المدافعين عنها داخل العاصمة الأميركية.
وقالت المجلة إن غراهام كان من أكثر أعضاء الكونغرس دعمًا لتشديد المواجهة مع إيران، ودعا مرارًا إلى توجيه ضربات عسكرية ضدها، حتى في الفترات التي أبدى فيها ترامب ترددًا.
وأضاف التقرير أن علاقته الوثيقة بترامب ومكانته داخل مجلس الشيوخ منحتاه نفوذًا كبيرًا في ملفات السياسة الخارجية والإنفاق العسكري، ما جعله أحد أكثر الأصوات تأثيرًا في الدفاع عن المصالح الإسرائيلية داخل واشنطن.
ونقلت "بوليتيكو" عن محلل مطلع على الاتصالات الإسرائيلية قوله إن المسؤولين الإسرائيليين كانوا ينظرون إلى غراهام باعتباره شخصية تعمل باستمرار على دمج إسرائيل في المنطقة ومواجهة النفوذ الإيراني، معتبرًا أن غيابه يمثل "خسارة مؤلمة" لإسرائيل، خصوصًا في ظل تراجع التأييد الشعبي لها داخل الولايات المتحدة، وتزايد الانتقادات الموجهة لحربها في غزة.
تقرؤون المزيد في: وفاة ليندسي غراهام.. برّر الإبادة ودعا إلى قصف غزة بالنووي