ليس عدوك دائمًا.. متى يصبح التوتر مدمرًا لصحتك؟
10 يوليو 2025
في أحد المطاعم، وعلى وقع أغنية "You Are My Sunshine" التي غناها والده بصوت جهوري، عاش جورج سلافيتش لحظة عائلية دافئة مع ابنته ووالده. لم يكن يعلم أن تلك اللحظة ستكون الأخيرة. فبعد أقل من ساعة، تلقى اتصالًا يخبره بوفاة والده المفاجئة.
سلافيتش، الباحث في علم النفس بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، لم يكن غريبًا عن آثار التوتر على الجسد والعقل. لكنه فوجئ بأن طبيبه لم يطرح عليه أي سؤال عن حالته النفسية. يقول سلافيتس في تقرير لمجلة "نيتشر" العلمية: "إذا لم يتم تقييم التوتر، فلن يتم التعامل معه"، مشيرًا إلى الفجوة بين ما يعرفه العلم عن التوتر وما يُطبق فعليًا في الرعاية الصحية.
التصاعد العالمي للتوتر
تشير الدراسات إلى أن التوتر ارتفع عالميًا خلال الأزمات الكبرى، مثل الركود الاقتصادي وجائحة كوفيد-19، ولم يعد إلى مستوياته السابقة. ويؤكد ديفيد ألميدا، أستاذ علم النفس التنموي بجامعة ولاية بنسلفانيا، أن أي حالة من عدم اليقين المجتمعي تؤدي إلى ارتفاع في معدلات التوتر. حتى المواقف البسيطة، مثل الزحام المروري، أصبحت تثير ردود فعل مبالغًا فيها لدى كثيرين. لكن متى يتحول التوتر من محفّز إلى مدمّر؟
رغم أن التوتر قصير الأمد قد يكون محفزًا، إلا أن استمراره لفترات طويلة يؤدي إلى خلل في استجابة الجسم، ما يرفع من خطر الإصابة بأمراض مزمنة
رغم أن التوتر قصير الأمد قد يكون محفزًا، إلا أن استمراره لفترات طويلة يؤدي إلى خلل في استجابة الجسم، ما يرفع من خطر الإصابة بأمراض مزمنة. فالجسم البشري لم يتطور للتعامل مع ضغوط الحياة الحديثة مثل الديون أو التنمر الإلكتروني. وعندما تبقى استجابة "الكرّ والفرّ" نشطة لفترة طويلة، تبدأ في التسبب بأضرار جسدية ونفسية، مثل ضعف المناعة واضطرابات النوم.
أدوات القياس تتطور
حتى الآن، تعتمد معظم أدوات تقييم التوتر على استبيانات ذاتية وقياسات مثل ضغط الدم أو معدل ضربات القلب، لكنها ليست دائمًا دقيقة. لذلك، يعمل الباحثون على تطوير أدوات أكثر شمولًا، تشمل تحليل الكورتيزول في توقيتات محددة، مراقبة تقلّب معدل ضربات القلب، واستخدام أجهزة قابلة للارتداء تقيس النوم والنشاط البدني. كما أصبح بالإمكان جمع عينات من اللعاب والدم والبراز لتحليل المؤشرات الحيوية المرتبطة بالتوتر. ففي دراسة حديثة، وجد فريق سلافيتش أن التوتر الاجتماعي يمكن أن يغيّر تعبير أكثر من 1500 جين خلال عشر دقائق فقط، خاصة تلك المرتبطة بالالتهاب والمناعة.
تطرح أبحاث حديثة فرضيات مثيرة حول العلاقة بين التوتر والشيخوخة، من بينها أن التوتر يستهلك طاقة الخلايا ويُسرّع تلف الميتوكوندريا، ما يؤدي إلى تدهور في وظائف الجسم
وتشير الأبحاث إلى أن استجابة الأفراد للتوتر تختلف باختلاف الجنس، الخلفية البيولوجية، والتجارب السابقة. الرجال يتأثرون أكثر بتوتر الأداء، بينما تتفاعل النساء بشكل أقوى مع التوتر العاطفي أو الاجتماعي. كما أن الأطفال الذين تعرضوا لإهمال أو إساءة في الطفولة معرضون لاستجابات توتر غير صحية لاحقًا. حتى توازن البكتيريا المعوية في الجسم قد يلعب دورًا في تضخيم أو تهدئة الاستجابة للتوتر.
التدخلات العلاجية تتوسع
ورغم التحديات، هناك العديد من التدخلات الفعالة لمواجهة التوتر، مثل العلاج السلوكي المعرفي، التمارين الرياضية، والدعم الاجتماعي. كما تُستخدم أحيانًا أدوية مثل حاصرات بيتا أو أوميغا-3 لتخفيف الأعراض الجسدية. ويجري حاليًا اختبار برامج علاجية مخصصة بناءً على "بروفايل التوتر" لكل شخص، كما في تجربة أجراها فريق بحثي على أكثر من 400 مشارك في كاليفورنيا، حيث تم توزيعهم على برامج تركز على تحسين النوم، التغذية، النشاط البدني، التفكير، أو العلاقات الاجتماعية، مع متابعة دقيقة لمؤشراتهم النفسية والبيولوجية.
نظريات جديدة
تطرح أبحاث حديثة فرضيات مثيرة حول العلاقة بين التوتر والشيخوخة، من بينها أن التوتر يستهلك طاقة الخلايا ويُسرّع تلف الميتوكوندريا، ما يؤدي إلى تدهور في وظائف الجسم. كما تشير دراسات أخرى إلى أن التوتر يخل بتوازن بكتيريا الأمعاء، والعكس صحيح، ما يفتح الباب أمام تدخلات جديدة مثل تحفيز العصب المبهم أو تناول سلالات معينة من البكتيريا النافعة.
لا يقتصر أثر التوتر على الفرد فقط، بل يمتد إلى المجتمع. تشير نماذج رياضية حديثة إلى أن التوتر يؤثر على القرارات والسلوكيات، ما قد يؤدي إلى خلل مجتمعي واسع. ويقول الباحثون إن قراراتنا وسلوكياتنا مترابطة أكثر مما نعتقد، وإن التوتر الجماعي قد يضعف قدرتنا على دعم بعضنا البعض.
رغم مخاطره، لا يدعو العلماء إلى القضاء على التوتر تمامًا. فالتوتر المنظم قد يعزز المرونة النفسية ويحفّز على التغيير الإيجابي. سواء كان الدافع هو الغضب من الظلم أو القلق من تغير المناخ، فإن التوتر قد يكون شرارة للعمل الجماعي. وإذا نجح العلم في فهمه وقياسه بدقة، فقد يتحول من عبء صحي إلى أداة لتحسين جودة الحياة.






