ليس داعش وحده داعش

ليس داعش وحده داعش

محسن أزادي/ إيران

لستُ داعشيًا ولا بعثيًا، وأني أدفع عن نفسي تهمة وخوفًا من غدٍ جلادوه ليسوا متدينين ولا حزبيين ولا يتبعونَ ملة منقرضة، لكنهم يشبهون البشر، وفي المناسبات يتخلقون بأخلاقه ومنطوقهم نفس منطوقه، يتزاوجون وينجبون سلالات مشوهة على أنها الأنقىَ، السكين ليست ظاهرة، والكلمة مواربة كباب مكسور، وفي الزمن الذي يمكن أن تؤلب طرفًا ضد طرف آخر، هو زمن يشبه زمن "التقارير"، و"المحافظة على أمن الوطن"، تعديل طفيفٌ فقط ههنا السوق رائجة أكثر والبضاعة جديدة، يكفي أن تقول إنك ضد داعش والداعشيين حتى تحصل على صك براءة وغفران مما كنت توسم به من كتابة للتقارير أو الكيد لأقرب المقربين.

داعش مؤسسة عقلية متكاملة تعمل جاهدة لأسلمة القتل، القتل فقط

الحمد لله للذي جعلني ماركسيًا في مفصل من مفاصل حياتي، وهو إعلان سيجعل رأسي عند أخمص قدمي لو كنت في (دولة الخلافة)، لكن الحكمة الإلهية التي لم تمنعني قراءتي للماركسية من عدم تصديقها والإيمان بها، وفّرت لي حياة أخرى لأقول وأكتب وأتنفس مع بعض الطمأنينة، ويكون رأيي إلى حد ما متخلصًا من سطوة القوة التي تمارس عليه فتجعله ناقصًا وعدميًا، ذلكَ أن سنين طوال في التمرنِ على قول (لا) ومع الخوف الشديد من ممارسة فعل النفي هذا، جعل مني شخصًا أقربُ إلى الشجاعة منه إلى الجبن. ولا أخفي خوفي مرات كثيرة، وقد قال الشاعر البدوي في هذا الشأن "أروم العزايم يوم وأيام مسلوبة".

داعش تبالغ في فعلها، هذه الإعلانية المفرطة تجعلها واضحة من حيث المشوّه الذي تأتي به، مشوّه يقالُ عنه" إسلامي"، وهو بحث متعمّد في المختلف عليه إذ توجد نصوص من الموضوعة الدينية نفسها تدحضه، وثمة تعال على الحدث والظرف وتمييعهما بالثانوي وتناسي الحالة الفاضحة لانتهاك قوة جبرية لحيوات بلد بأكمله، لتصبح المشاكلة ضمن هذه المسوخ والمبالغات والثانويات في تنفيذ "حكم الله والشرع" والابتعاد عن الأصل نصًا وممارسة من حيث الزمان والمكان، ونكون في هذه الحال أمام القانون الديني الذي لم يستنفذ فرصته في التحقق، ولا هو ضمن الدولة المشيدة الأركان ومنظومتها المتكاملة، ولا هو في حالة حرب ضد" الكفّار" بالمطلق لتكونَ هذه الأحكام الجائزة كما لو أنها في حال" الفتوحات"، ويذكر التاريخ أنَّ القائد الإسلامي في هذه الحال تحديدًا، أوصى جنده بلاءات كثيرة منها عدم قتل المسن والمرأة والطفل وقطع الشجرة أو حرقها. 

اقرأ/ي أيضا للكاتب: احتمالات الفقد.. أيا ليل الهجرة ما أطوَلَك!

هذا الانتهاك الصارخ للآيات الناعمة أو الإتيان بالصعب بحكم مقتضاه لفترة زمنية استوجبته هو دليل على أن مؤسسة عقلية متكاملة تعمل جاهدة لأسلمة القتل والقتل فقط، ما يشير بقوة إلى ما ورائية هذه الأفعال، والتنظيم برمته، وبالتالي قتل كل من قال "لا إله إلا الله" بالتهمة الميالة إلى الربط بين القرآن وداعش، وعلى أن التنظيم المغالي سياسيًا حقيقة هو نتاج الالتزام الحرفي بالآيات الموطئة لعمله لهو إعادة إنتاج للقتل من زاوية ضيقة، لا تنتمي للحقيقة بقدر ما تنتمي للتشويه، إن إخراج "الله أكبر" من قوتها المعنوية وشحنتها العالية إلى السخرية، يعني التنكر لتلك الفترة التي خرجت فيها المظاهرة من المسجد جامعة الجميع باختلاف الدين والطوائف والقوميات. 

الخلخلة المزلزلة هذه حَدَت ببعض من هم ليسوا داعشيين، حسب (تصريحهم)، إلى المناداة بقتل "حواضن داعش" للخلاص منها ومن فكرها، وهنا الحديث يخرج من أفواههم بسلاسة من يتحدث عن العمل تربويًا وثقافيًا على مناطق مبتلية بالجوع والكوارث، وأخيرًا بالثنائيات المتناهبة لها من تنظيم متطرف أو من قوة، وهم أو من حزب يدعي تمثيله لقومية أو جماعة بشرية معينة.

ليست داعش وحدها داعش، بل الموضة التي تلقفها بعضهم، وحشًا خطابه بمقولات التصدي لهذه الآفة وهو بكل الأحوال حق، غير أن التوجه إلى المسخ المصطنع وترك الصانع والظروف التي رافقت الصناعة هو تحقيق للمثل" ترك الحمار وتبع البردعة" وبدا الحق يراد منه باطل.

إنَّ إعادة إنتاج المشوّه عملية مركبة، فهمها يتطلبُ الدخول إلى جوانية ما يحدث، وليس الاكتفاء بالظاهراتي والإعلاني من حمل رؤوس مقطوعة، إلى جهاد النكاح، إلى التفنن بالصورة وخلق مناخات هوليودية للإعدام.

اقرأ/ي أيضا للكاتب: 

أوسلَندَر

ميليشيا الثقافة.. مقهورو الأمس قاهرو اليوم