ليس الوحيد.. ترامب يرغب في سرقة نفط الشرق الأوسط

ليس الوحيد.. ترامب يرغب في سرقة نفط الشرق الأوسط

ظل الاستيلاء على نفط الشرق الأوسط دائمًا أحد لازمات ترامب المفضلة (صول لوب/أ.ف.ب)

"لقد كنت أقول دائمًا، خذوا النفط"، قال ترامب. لقد كانت لحظة نادرة من لحظات صراحة ترامب، كتب مايكل كلارك، أستاذ دراسات السلام والأمن العالمي بكلية هامبشير، في مقالٍ له بمجلة فورين بوليسي. ظل الاستيلاء على نفط الشرق الأوسط دائمًا أحد لازمات ترامب المفضلة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية. كرر ترامب نفس الكلمات تقريبًا خلال أول مناظرةٍ رئاسية في السادس والعشرين من أيلول/سبتمبر، وفي الكثير من الحشود الانتخابية خلال الربيع والصيف. يعود ذلك النمط إلى ما يسبق بكثير الحملة الرئاسية.

ظل الاستيلاء على نفط الشرق الأوسط دائمًا أحد لازمات ترامب المفضلة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية

في كل مرة تلفظ فيها ترامب بذلك التعبير، يتابع كلارك، كانت كلماته واحدة تقريبًا: "بينما كنا نحتل العراق، كان ينبغي علينا الاستيلاء على نفطه". هذا، بالطبع، لا يرقى بعد إلى سياسةٍ خارجية متماسكة. لكن ترشيح ترامب من قِبل الحزب الجمهوري يُلزم الجمهوري الأمريكي بفهمها كواحدة، وأن يسلم بأن ترامب لم يكن الشخصية الرئاسية الأولى التي تقترح الاستيلاء العنيف، بواسطة قواتٍ عسكرية أمريكية، على حقول النفط الشرق أوسطية. بالرغم من كونها سياسة طائشة، إلا أن إداراتٍ سابقة قد اقتربت من هاوية تبنيها.

اقرأ/ي أيضًا: أمريكا..كيف تغيرت آراء الجمهوريين والديموقراطيين؟

قدم ترامب تبريراتٍ عديدة للاستيلاء على نفط الشرق الأوسط. في مناظرة السادس والعشرين من أيلول/سبتمبر، ادعى ترامب أن القيام بذلك في العراق قبل الانسحاب النهائي للقوات الأمريكية عام 2011 كان ليمنع تكوين "تنظيم الدولة الإسلامية"، لأن النفط "كان مصدر دخلهم الرئيسي" (يتجاهل ذلك أن التنظيم يسيطر فقط على حقول العراق الشمالية، بينما كانت القوات الأمريكية تتمركز بصورةٍ رئيسية حول حقول النفط الجنوبية).

لكن في كثيرٍ من الأحيان، كانت نية ترامب هي السلب: "مصادرة النفط العراقي كمكافأةٍ شرعية على هزيمة صدام حسين واحتلال البلاد". "قديمًا، تعلم أنه عندما كنت تخوض حربًا، كانت الغنائم من حق المنتصر"، صرح ترامب لجورج ستيفانوبولس عام 2011، متحدثًا عن النفط العراقي. "تذهب إلى هناك. تنتصر في الحرب، وتأخذها".

لم تكن العراق الدولة الوحيدة التي اعتبرها ترامب هدفًا محتملًا للسلب الأمريكي. في 2011، عندما كان الربيع العربي جاريًا وكان قد اشتغل للتو في ليبيا تمردٌ ضد معمر القذافي، تحدث ترامب بصفاقة عن سرقة نفط ذلك البلد. "كنت لأذهب إلى هناك وآخذ النفط"، قال ترامب لجريتا فان سستيرين، مقدمة البرامج بقناة فوكس نيوز. كان الحديث عن مثل ذلك العمل منتشرًا يومًا ما بين صقور الجمهوريين في واشنطن، وربما يكون ترامب قد حصل على الفكرة من أي عددٍ من الجنرالات السابقين والخبراء الاستراتيجيين.

برزت أول مناقشة عن تحركٍ أمريكي للاستيلاء على النفط العربي في أوائل السبعينيات، عندما أممت السعودية ومنتجي النفط الشرق أوسطيين الحقول التي كانت تمتلكها شركاتٌ أمريكية كبيرة وأسست أوبك لممارسة سيطرة أكبر على تسعير صادراتها. تفاقم الأمر في أواخر عام 1973 وأوائل 1974 عندما فرضت الدول العربية حظرًا على شحنات النفط إلى الولايات المتحدة (ردًا على شحنات الأسلحة الأمريكية إلى إسرائيل خلال حرب السادس من أكتوبر) وأعلنت أوبك زيادة بمقدار أربعة أضعاف في أسعار النفط، وهما الحدثان اللذان اتحدا ليسببا عجزًا أمريكيًا في الطاقة أعقبه ركود. في مواجهة تلك الخطوات التي اعتبروها هجومًا، دعا خبراء وسياسيون أمريكيون من خلفياتٍ مختلفة إلى تحركاتٍ عسكرية من نوعٍ آخر لمعالجة المشكلة.

في 2011، عندما اشتغل في ليبيا تمردٌ ضد القذافي، تحدث ترامب بصفاقة عن سرقة النفط الليبي

من بين التعبيرات العديدة عن ذلك التصور، كان هناك مقالٌ صدر في عدد آذار/مارس 1975 من مجلة هاربر بعنوان "الاستيلاء على النفط العربي"، كتبه مايلز إجنوتاس (وهو اسم مستعار يعني "الجندي الوحيد" باللاتينية)، هو الذي حاز أكبر قدر من الاهتمام، مؤكدًا أن رد الولايات المتحدة الباهت على الحظر وزيادة الأسعار كان مكافئًا لاسترضاء رئيس الوزراء البريطاني نيفيل تشامبرلين لأدولف هتلر في ميونخ عام 1938، جادل "إجنوتاس" (والذي تم تعريفه بأنه محلل سياسي مقيم في واشنطن) بأن الطريقة الوحيدة "لتحطيم أوبك" هي غزو واحتلال حقول النفط السعودية وجلب الشركات الأجنبية لاستئناف الإنتاج. كان الهدف، ادعى إجنوتاس، هو "احتلال مخزوناتٍ كبيرة ومركزة من النفط، والتي يمكن إنتاجها سريعًا لإنهاء الشح المصطنع للنفط وبالتالي تخفيض الأسعار".

أثار مقال هاربر عاصفةً من الجدل، ليس أقلها بسبب هوية كاتبه. رأى العديد من المراقبين يد (أو على أقل تأثير) هنري كيسنجر، والذي كان مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض في عهد الرئيس جيرالد فورد آنذاك، والذي كان شخصيةً مكروهة من قِبل اليسار، كما تم تداول عدة أسماء أخرى، دون الوصول إلى الكاتب الحقيقي. لكن الجدل الأشد كان بشأن مدى قابلية مثل تلك الخطوة للتنفيذ.

ادعى إجنوتاس أن الاستيلاء على حقول النفط السعودية يمكن تنفيذه بواسطة حوالي 40,000 جندي أمريكي، بالإضافة إلى القوات الجوية والبحرية الداعمة. اعترف إجنوتاس بأن الاتحاد السوفيتي قد يجد الفرصة سانحة للتدخل وإعاقة مثل تلك العملية، لكنه يفتقر إلى القوات طويلة المدى التي يحتاجها للقيام بذلك، كما أنه سوف يخشى دخول معركة مع "العم سام" قد تتحول إلى حربٍ نووية. لكن المحللين الآخرين لم يكونوا على نفس القدر من التفاؤل. خلصت دراسة أجراها خبراء عسكريون بمركز أبحاث الكونجرس في صيف عام 1975 إلى أن مثل تلك العملية سوف تتطلب عددًا أكبر بكثير من الجنود عما تنبأ به إجناتوس، وأن ذلك سوف ينتج عنه دمارٌ واسع لحقول النفط نفسها، ما يقضي على أي فائدة اقتصادية من الغزو. علاوةً على ذلك، وبالنظر إلى احتمالية هروب أو تخريب من قِبل العمال المحليين، يشير التقرير إلى أن "إرسال عمال مدنيين أمريكيين لتدعيم نظرائهم الأجانب قد يصبح ضروريًا. ينسب إلى تداول تقرير مركز أبحاث الكونجرس تهدئة حماسة العديدين في واشنطن الذين كانوا مستعدين لدراسة الاستيلاء على حقول النفط السعودية، ولم تتلق الفكرة أبدًا دعمًا من من مسؤولين أمريكيين.

اقرأ/ي أيضًا: أمريكا تقرر..لا ضربات لبشار الأسد حاليًا

بعد منتصف السبعينيات، اختفت فكرة "الاستيلاء على النفط العربي" إلى حدٍ كبير من المجال الرسمي، لكن مبدأ استخدام القوة العسكرية لضمان وصول الولايات المتحدة إلى مناطق الإمداد بالشرق الأوسط لم يختف. عندما احتل الاتحاد السوفيتي أفغانستان وأطاح رجال الدين بشاه إيران، التي كانت حتى ذلك الوقت أقرب حلفاء واشنطن في منطقة الخليج، تعهد الرئيس جيمي كارتر باستخدام "أي وسائل ضرورية، بما في ذلك القوة العسكرية" للتغلب على أي تهديد للتدفق الآمن للنفط الشرق أوسطي (وهي سياسة عرفت منذ ذلك الحين بـ"مبدأ كارتر). وعندما احتلت القوات العراقية الكويت في آب/أغسطس 1990، سمح الرئيس جورج بوش الأب باستخدام القوة لمنع العراق من غزو السعودية ومنع صادرات النفط. "تستورد بلادنا الآن حوالي نصف النفط الذي تستهلكه وقد تواجه تهديدًا كبيرًا لاستقلالها"، أعلن بوش في كلمةٍ مذاعة تليفزيونيًا في الثامن من آب/أغسطس. وبالتالي فإن "الاستقلال السيادي للسعودية هو مصلحة حيوية للولايات المتحدة".

ثم حدث شيء مثير للفضول: تمرد أغلب الجمهور الأمريكي ضد احتمالية حرب يكون هدفها المعلن هو السيطرة على إمدادات النفط. "لا دم من أجل النفط" كان هو الشعار الذي تم ترديده في مسيراتٍ عديدة من أجل السلام خلال صيف عام 1990، قبل أن يجد طريقه إلى خطاب الديمقراطيين المعادين للحرب في الكونجرس. بحلول كانون الأول/ديسمبر، توقف بوش عن الحديث عن النفط كمبررٍ للتدخل في الخليج ليوجه غضبه ضد فظاعات حقوق الإنسان العراقية في الكويت وسعي بغداد إلى امتلاك أسلحة دمار شامل.

ورث جورج بوش الابن حساسية جورج بوش الأب تجاه نفور الجمهور الأمريكي من حربٍ تخاض من أجل اعتباراتٍ مالية خالصة -مقارنةً بأهدافٍ أكثر نبلًا، مثل تخليص العالم من طغاةٍ يملكون أسلحة دمار شامل- ما جعله يتحاشى تمامًا الحديث عن النفط عندما كان يحشد الدعم للغزو الأمريكي للعراق عام 2003. مرة أخرى كان التخوف بشأن أسلحة الدمار الشامل هو الذي قاد الطريق، إلى جانب الاستياء الأخلاقي من تجاوزات صدام الاستبدادية.

رغم تلك الواجهة الإيثارية، كان هناك هؤلاء في إدارة بوش الذين كانوا يعتقدون أن السيطرة الأمريكية على صناعة النفط ينبغي استخدامها من أجل أهدافٍ أكثر فائدة: خصخصة شركة النفط الوطنية العراقية المملوكة للدولة وتوزيع أصولها على الشركات الغربية والأمريكية خصيصًا. كانت الشركة العراقية تملك بعض أكبر حقول النفط في العالم وأكثرها ربحية، وكانت أكبر الشركات الأمريكية متحمسة للحصول على حصةٍ بها. كان تفكيك الشركات العراقية الكبيرة المملوكة للدولة أيضًا هدفًا للاقتصاديين المحافظين الذين كانوا منتشرين بإدارة بوش. بالنظر إلى تلك الآراء، بدأت مجموعة عمل النفط والغاز التي شكلها مشروع مستقبل العراق التابع لوزارة الخارجية الأمريكية في التخطيط لخوصصة شركة النفط الوطنية العراقية.

عندما احتلت القوات الأمريكية بغداد لأول مرة، في نيسان/أبريل 2003، بدا أن دافع الخصخصة لا يزال مترسخًا بقوة في أجندة واشنطن. عهد بول بريمر، الذي اختاره بوش ليرأس سلطة الاحتلال، بإدارة صناعة النفط لمديرٍ تنفيذي بشركة نفط أمريكية، وهو فيليب كارول، بنية تخفيف سيطرة الدولة. لكن مع انتشار المعارضة للاحتلال الأمريكي، كان ضمان ولاء عمال النفط العراقيين، ذوي النزعة الوطنية القوية أكثر أهمية من خصخصة أصول الدولة، وبذلك سقطت خطة توزيع أصول شركة النفط الوطنية العراقية إلى جانب الطريق.

يرى كلارك أن ترامب عندما يقول "كان ينبغي علينا أخذ النفط"، فإنه يشير إلى لحظة الهوس تلك في ربيع 2003 عندما بدا أن القوة الأمريكية مطلقة وأن واشنطن مازالت تسيطر على كل شيء. في تلك الأيام المسكرة، لابد أن فكرة مصادرة أكثر أصول البلاد قيمة وتسليمها إلى الشركات الأمريكية كانتقالٍ مباشر نسبيًا: أرسل بعض موظفي الاحتلال إلى حقول ومصافي النفط، أخبر عمال النفط الوطنيين والمنظمين جيدًا بأنه سوف يتم استبدالهم بعمالٍ أمريكيين، ونشر قليل من المارينز للتعامل مع أي نتائج غير سارة.

بالطبع نحن الآن نعلم ماذا حدث عندما أخبر بريمر موظفي صدام وجنوده بأنه لم يعد هناك حاجةٌ إليهم، اشتعل تمرد لم يهدأ تمامًا على الإطلاق. من المأمون افتراض أن أي محاولة لمعاملة عمال النفط العراقيين بنفس الطريقة كانت لتقود إلى مقاومةٍ وتخريب وتفكيك صناعة النفط. أي محاولة من قِبل شركاتٍ أمريكية للعمل في حقول النفط العراقية تحت تلك الظروف كانت لتتطلب قوة حماية أمريكية وكانت لتضع العمال الأمريكيين المقيمين هناك تحت تهديدٍ خطير بالخطف والقتل. لم يكن هناك "أخذ نفط" سهل.

لم يكن هناك أبدًا وقتٌ كان يمكن فيه للولايات المتحدة أن "تأخذ النفط" العراقي حتى في أوج قوتها في 2003

رغم أن البعض في حاشية بوش-تشيني بدا أنهم يعتقدون أن الغنائم تفوق المخاطر، إلا أن المسؤولين عن اتخاذ القرارات قرروا سريعًا أن نجاح المهمة الأمريكية في العراق -وأمن الأمريكيين- لن يسمح بشيء من ذلك النوع. أي حكومة جديدة قد تخلف نظام صدام تحت وصاية الولايات المتحدة سوف تصر على ملكية حقول النفط، ولم يقدم أي بديل واقعي آخر نفسه. بالإضافة إلى ذلك، كان بوش يفهم بالتأكيد أن أي تحرك لمصادرة النفط العراقي سوف يجعل ادعاءاته المعلنة بشأن غزو العراق لأهدافٍ إيثارية محل سخرية، ما كان سيجعل الجمهور الأمريكي ينقلب ضده.

وبالتالي فإنه من الواضح تمامًا، يخلص كلارك، أنه لم يكن هناك أبدًا وقتٌ كان يمكن فيه للولايات المتحدة أن "تأخذ النفط". حتى في ذروة القوة الأمريكية، في ربيع وصيف عام 2003، كانت مثل تلك الخطوة لتؤدي إلى كارثة، الاعتقاد بأنه كان يمكن تنفيذها في وقتٍ لاحق، كما يؤكد ترامب، هو جنونٌ مطبق. ألق نظرة على أكبر حماقاته: "الادعاء بأن بوش، في شهوره الأخيرة في منصبه، أو الرئيس باراك أوباما، في شهوره الأولى، كان ينبغي عليهم ترك بعض القوات في العراق لحماية حقول النفط (التي يفترض أنها تحت السيطرة الأمريكية) بينما تبدأ قوات القتال الرئيسية في الانسحاب. كان هذا ليشعل تمردًا من قِبل كل أطياف المجتمع العراقي، والذي لن يتطلب فقط وقف انسحاب القوات وإنما زيادة أخرى للقوات الأمريكية على نطاقٍ أكبر من الأولى. من الصعب معرفة ما إذا كان "تنظيم الدولة الإسلامية" ليظهر في تلك الظروف، لكن ليس هناك شك في أننا كنا سنشهد ظهور الكثير من الجماعات المسلحة الأخرى، والمميتة بنفس القدر".

سوف يتحدث ترامب، بلا شك، مجددًا عن "أخذ النفط"، يختتم كلارك. إنها فكرة، كما رأينا، لها جذور عميقة في الدوائر النخبوية لصناعة القرار. لكنها تم رفضها مرة بعد الأخرى من قِبل هؤلاء الذين كان عليهم دراسة عواقبها السياسية والعسكرية ولم يروا شيئًا سوى كارثة. تكشف تلك الفكرة عن جهلٍ تام بالواقع واستخفافٍ شديد بحياة الجنود والبحارة والطيارين، الذين كان سيتم إرسالهم للقيام بتلك المخاطرة المتهورة، وهو ما ينطبق على الكثير مما ينطق به ترامب فيما يتعلق بالسياسة الخارجية. لكنها، على العكس، لا تكشف عن جهلٍ بالتاريخ القريب للسياسة الخارجية الأمريكية.

اقرأ/ي أيضًا:

كيف سيتعامل مرشحو الرئاسة الأمريكية مع سوريا

 لماذا ترامب هو مرشح الأحلام لداعش؟