ليالي النحس في فيينا

ليالي النحس في فيينا

وزراء خارجية أمريكا وروسيا وتركيا والسعودية في فيينا (Getty)

ثمة ارتباط وثيق عند العرب بين اسم العاصمة النمساوية وأغنية "ليالي الأنس في فينا" للسيدة "أسمهان"، فما أن يُذكر أسم فيينا حتى ترى العربي "يدندن" مطلع الأغنية وقد علت وجهه تعابير الفرح ، رغم أن المعظم منا لم يزرها، ولم نعلم حتى أنها في تلك الحقبة من الزمن، وأقصد أربعينيات القرن الماضي، كانت مدينة نازية، ومن ثم غزاها الروس وأصبحت تحت قبضتهم. 

ينبئ الاجتماع الرباعي الذي ضم الروس والأمريكان والأتراك والسعوديين في فيينا بأن مسلسل الدمار سيستمر

وهنا سأستميح عذرًا الشاعر أحمد رامي -كاتب كلمات الأغنية- لمخالفتي رأيه قليلًا بأن فيينا مرتع ليالي الأُنس، فما حدث في الأيام الماضية من اجتماع رباعي ضم الروس والأمريكان والأتراك والسعوديين بخصوص الأزمة السورية، ينبئ بأن مسلسل الدمار سيستمر في حلقاته وأن طبول الحرب ستُخيفنا في الفترة المقبلة.

الاجتماع الذي عُقد بعيدًا عن رعاية الأمم المتحدة، بدا وكأنه استعراض روسي للقوة بشقيها العسكري والسياسي، فقد أتى لافروف إلى اللقاء بعد زيارة الأسد الى موسكو فيما بدا نصرًا سياسيًا ودبلوماسيًا للدببة الروسية، إذ كسرت تلك الزيارة عزلة الرئيس السوري وساعدت على إيصال رسائل مهمة للفاعلين بالأزمة السورية مفادها أن بشار الأسد باقٍ في السلطة، ولا نية للتخلي عنه في هذه المرحلة. وهذا ما ترجمه لافروف صراحة حين سُئل عن مصير الأول فأجاب أن الشعب السوري هو وحده من يحق له القرار بذلك.

سيتبادر الى ذهن قارئ هذه الكلمات سؤال مهم وهو: هل انتصر الروس في لقاء النمسا أم لا؟ وإذا كان يحق لي الجواب فسيكون نعم، لقد نجح وزير خارجيتهم بالبقاء على موقف بلاده، ليس هذا فحسب بل تحققت لهم خطوات هامة على صعيد تقوية دعم الأسد في سوريا، وسط حياد أو تخبط أو لا مبالاة أمريكية تمثّلت بكلمات وزير الخارجية جون كيري واصفًا اللقاء بانه بنّاء ومُثمر، ناهيك عن عدم وجود خيارات مطروحة لدى السعوديين والأتراك في ظل سوء إدارة الولايات المتحدة لهذا الملف. 

كثيرة هي مكاسب موسكو من هذا الاجتماع، فقد سعى لافروف إلى استبعاد قطر من قائمة اللاعبين الإقليميين، وعمل على توقيع اتفاق تفاهم عسكري مع الأردنيين يضمن عدم فاعلية الخاصرة الجنوبية لدمشق، وكذلك إعطاء الروس معلومات استخباراتية مهمة حول تنظيم "داعش"، وبقية الفصائل المسلحة على الأراضي السورية. كما نجح بدعوته ضم كل من إيران ومصر إلى الاجتماعات القادمة، لثقته المسبقة بدعم كلا الدولتين للعمليات الروسية في "الشام".

نجح الروس في فيينا بالبقاء على موقفهم وتقوية دعم الأسد، وسط حياد أو تخبط أو لا مبالاة أمريكية

أما على صعيد الموقف السعودي فقد رجع وزير الخارجية عادل الجبير بخُفي حنين كما يقال، حيث أنه لم يأت بجديد، فقد أكّد على موقف بلاده الرافض لبقاء الأسد على سدة الحكم، دون أن يحدث أي تقارب يُذكر كان يرجوه عقب زيارة ولي ولي عهد بلاده الى بوتين. وليس الموقف التركي أفضل حالًا، بل على العكس فأنقرة اليوم تعيش حالة من الأزمات الداخلية والخارجية، تبدأ بحرب أردوغان على حزب العمال الكردستاني واستحقاق الانتخابات التشريعية، وتكرار الانفجارات والخوف على عائدات السياحة المقدرة بـ30 مليار دولار، ولا تكاد تنتهي بأزمة اللاجئين والخوف من التحالف الناشئ بين أكراد سوريا بقيادة صالح مسلم والولايات المتحدة الأمريكية.

لقد اتفق الجميع على العودة مجددًا للاجتماع وعينهم على مجريات الأرض، وعلى ما سيحصل بين الفرقاء هناك، وهذا يعني بطبيعة الحال أن وتيرة المعارك ستزداد في الأيام القادمة؛ ذلك أن السعودية وتركيا لن تسمحا لقوات النظام بالتقدم على حساب المعارضة مهما كلفهما ذلك، مما سيتطلب دعمًا ماديًا وعسكريًا سيُرى أثره على المدى القريب، وإلى أن ترجح كفة على أخرى، سننتظر نتائج الميدان وردة فعل الأمريكيين -إن وجدت- وأعداد جديدة من الضحايا المدنيين!

اقرأ/ي للكاتب:

موسم الحج إلى موسكو

بوتين وسورية.. أول الرقص حنجلة