لوحة الأشباح

لوحة الأشباح

بدري بايكام/ تركيا

حين فرغت من التجوال في رواق لأعمال فنية متعددة لمستشرقين من القرن المنصرم أمثال رينيه وسارشيو ونركيز، عرجت على لوحة استحوذت على اهتمامي للرسام الفرنسي جيروم. كانت الأروع في اختيار الألوان فضلًا عن دقة التصوير للشخوص والحركات وعدم إغفال جانب الضوء. إنها لوحة بائع السجاد بالقاهرة.

كان المكان مغلّفًا بألغاز غامضة وأسرار تحوم بين الزائرين، وتُبلور عالم من الاستقصاء الفني والتاريخي، وأنا الخبيرة بإحصاء مكاسب الدهشة والانبهار وإن كان ثمّة شيء ورثته عن جدّي، وهو شغفه بالأعمال الفنيّة، خصوصًا تلك الرسومات التي تختزل البراعة والخلق، إضافة الى ولعه باقتناء ما تيّسر له من اللوحات التي ترزح تحت وطأة الغرابة والتفرّد بحسب أهواء وأمزجة أصحابها.

لقد كنت وريثته الوحيدة في تركة باهظة طالما اعتبرتها كنزًا لا يُقدّر بثمن، يزداد بريقه ولمعانه بالتقادم، ممّا جعل عائلتي تُشبّهني بتلك العين التّواقة إلى الولوج في اللوحات المُعلقة هنا وهناك، بين مختلف الأمكنة، وتأكد لديهم هذا الحدس الفني، وأنا أوغل في تجلياتها وأسرارها وأترجم لغتها التجريدية، لكن رغم ذلك لم يُجدني هذا شيئًا حين فرّطوا في أغلب اللوحات بطرق مختلفة، لكنني بقيت طافية في الأعلى، ولم أنحدر نحو الاستغناء عن شغفي، وحرصت على مواكبة الاعمال الفنية من خزف وتصوير ورسم.

حين وصلت المنزل، جلست في جوف غرفتي، وغرقت في سحابة تأمل كمن يرشق روحه في بوابة الذاكرة ثم يحركها باتجاه ما، عسى أن يعثر عن جوهر الحقيقة عبر وسيط حسي يسعفه من بؤر التشتت.

 في غمرة ذلك شعرت بهزة عنيفة، وأدركت لاحقًا ما كنت أبحث عنه جرّاء هذا المشوار الاستثنائي، كمن تجذبه رائحة معيّنة أو شيء بعينه مُعّلقًا ضمن إطار على حائط ما ولكنه لا يظهر للعيان. قطع شرودي صوت والدتي المدوّي وهي تهتف من الداخل: انني اُعدّ العشاء... إذا أردتِ أن تأكلي تعالي!

نهضت من مكاني لكنني لم أتجّه الى المطبخ. لقد هرعت إلى مستودع صغير في منزلنا مُخصصّ لأغراض غير مستعملة مثخنة بأثقال الزمن وصروف الأيام. كنت كمن يستجيب الى نداء ما، يتشّهى سبر أغواره بين الأشياء المركونة بهذه الطريقة من عدم الأهمية والازدراء. إنها لوحة قديمة لجدّي. أذكر أن أمي نفرت منها حين لمحتها مُعلّقة في الصالون، وطلبت من أبي أن يرمي بها بعيدًا، ودرءًا لأي جدال عقيم بينهما نفّذ طلبها دون تردّد.

اندفعت أبحث وازيح كومة الألعاب والأدوات القديمة. أريكة بالية ومقعد مُحطّم. فردة حذاء ذو كعب عال، وقفاز مبتور الأصابع. كان جوّ المستودع مُعتّمًا ومخيفًا، والنافذة مُسمّرة لا ينفذ منها ضوء أو هواء. لكنني كنت مشطورة بين الجزع والشجاعة في محاولة مستميتة لإيجاد اللوحة. ثم استندت إلى الحائط فاصطدم رأسي برّف طويل وشعرت برغبة في الخروج.

سقطت نظّارتي فوق خزانة صغيرة، أذكر أنها كانت بحوزة جدّي... رفعت النظارة ولمحت فيها تقوّسًا طفيفًا فشعرت بالغيظ وحاولت أن أهدئ نفسي، وفجأة رسخ في ذهني شيء واضح وقوي! اللوحة تقبع هنا. أطلقت قهقهة جوفاء وأنا أسحبها من قعر الدرج بأصابع مرتعشة كأنني أنبثق في تفاصيلها المضطجعة طوال سنين عجاف. ثم سطع منها بريق حررّني من الشرود في لحظة فارقة لأتأمل هذه الملامح الغامضة المعجونة بالألوان والملتصقة بالحكايات كأنها أشباح عالقة، لكنها تستحوذ على الركن الذي يُصدّرها في شكل تجريديّ، لتخرج من معطف الشخوص وتحرك الساكن في بطون اللوحات. إنها تكاد تنفذ الى أعماقي وكأنها تترّقب وصولي لتأخذني إليها للدرجة التي أرعبتني.

لكنني أجزم أنها لم تكن أشباحًا طارئة، إنها تشير إلى علاقة بالأحداث التي تأتي بها حالة شجن ما، أو تفاعل جماليّ تتناوب على خلقها ريشة ما تجعلها محتدمة، رغم أنها بريئة لكنها سجينة بين نتوءات الماضي السحيق، وانطباع مشهدي جعلها مقيدة لا تجلو كل الفضاء المتاح لها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ثلاثة ارتجالات لمهرِّج سكير

الحذاء