لوبي آل سعود في واشنطن.. ماكينة تبييض جرائم ابن سلمان

لوبي آل سعود في واشنطن.. ماكينة تبييض جرائم ابن سلمان

ملايين الدولارات يدفعها ابن سلمان لتجميل صورته في الولايات المتحدة (يوتيوب)

نشر موقع "The American Conservative" تقريرًا مطولًا عن الملايين التي دفعها ابن سلمان، وسابقوه، للترويج لصورة مضللة عن السعودية في الولايات المتحدة، للتأثير، ليس فقط على صناع القرار، وإنما أيضًا على الرأي العام الأمريكي. في السطور التالية ننقل لكم التقرير مترجمًا بتصرف.


عندما يبدأ ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، جولته عبر الولايات المتحدة في الأسابيع المقبلة ستدعمه الصحف ووسائل الإعلام السائدة، وهو يطأ بقدميه السجادة الحمراء المترفة، التي بسطها له البيت الأبيض والكونغرس ووزارة الخارجية، في واشنطن.

استخدم ابن سلمان مزيدًا من شركات الضغط والعلاقات العامة لحشد الدعم والتأييد له في الداخل الأمريكي مع وصول دونالد ترامب للحكم

ولما لا وقد دفع ثمن كل ذلك، فغالبًا لا يمتلك زعيم على قيد الحياة هذا النوع من آلة العلاقات العامة المصممة خصيصًا للتمهيد لزياراته الخارجية، كما هو الحال مع ابن سلمان. والأمر ليس هو فحسب، بل السعودية عمومًا، التي استفادت على مر السنين بمليارات الدولارت التي استثمرتها في شركات العلاقات العامة التي تحشد التأييد وتمارس الضغط في واشنطن، وكذا مؤسسات الدراسات والأبحاث المتخصصة، بل والجامعات أيضًا.

اقرأ/ي أيضًا: ترامب في السعودية.. ركضًا وراء المليارات وهربًا من الفضائح

وقد خلقت كل من هذه المؤسسات صورة خاصة عن السعودية، ليس لمجرد تبرئة ساحتها مما جنته يدها، وإنما لإبعاد أي أخبار سلبية عنها، والدفع لتشكيل السياسات الأمريكية لصالح السعودية.

قال بن فريمان، محلل متخصص في أساليب حشد التأييد وجماعات الضغط والتأثير، في مركز السياسة الدولية: "اتسمت السنة الأولى من إدارة ترامب بأهمية بالغة بالنسبة للسعوديين، فلقد أضافوا العديد من الشركات الجديدة إلى لوبيهات الضغط وشركات العلاقات العامة القوية بالفعل التي تحشد لهم الدعم والتأييد، وتمكنوا من التودد إلى إدارة ترامب بطريقة لم يستطيعوا فعلها أبدًا مع إدارة أوباما".

وفي الأشهر الأخيرة، قاد ابن سلمان حملة قمعية، هدفها توطيد حكمه، سجن فيها أمراء ورجال أعمال وشخصيات عامة سعودية، وخطف رئيس الوزراء اللبناني، وقاد حصارًا ضد قطر. 

في الوقت نفسه، يسعى ابن سلمان إلى إخضاع اليمن عن طريق القصف والتجويع، بشن حملة جوية واسعة النطاق، وحصار تسبب في وضع إنساني كارثي هناك، إذ أسفرت العملية العسكرية في اليمن عن ما لا يقل عن 10 آلاف قتيل، وتشريد ملايين آخرين، في حاجة ماسة إلى المعونات الغذائية، ويعانون من تفشي وباء الكوليرا.

ولكن عند سؤال الكثيرين في واشنطن عن السعودية، سيُعبّر الكثير منهم عن وجهات نظر متفاوتة ومختلطة، مُشيرين دائمًا إلى القرار الذي يسمح للمرأة السعودية بقيادة السيارة، وافتتاح دور السينما للمرة الأولى، والمساعدات التي قدمتها مُؤخرًا إلى اليمن، والتي هي مجرد "خدعة مضللة" كما وصفتها لجنة الإنقاذ الدولية.

هذا ويُعد الحديث عن المساعدات وتخفيف معاناة اليمنيين، أمرًا مثيرًا للسخرية بشكلٍ خاص، لأنه وفقًا لتقرير شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، تعاقد السعوديون مع شركة "بوز آلن هاملتون - Booz Allen Hamilton" التي تعمل كمتعاقد رئيسي مع وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، للمساعدة في تصميم خطة المساعدات، التي أُعلن عنها في نفس الوقت الذي شنت فيه السعودية عشرات الغارات الجوية الجديدة على مدينة صنعاء، في السادس من شهر شباط/فبراير، والتي أسفرت عن المزيد من القتلى في صفوف المدنيين، حسبما أفادت التقارير.

آثار غارة جوية نفذتها طائرات التحالف السعودي (الأناضول)
آثار غارة جوية نفذتها طائرات التحالف السعودي (الأناضول)

كما أشار مراسلو شبكة إيرين، إلى أن خطة المساعدات رفضت دعوات الأمم المتحدة المتكررة لرفع الحصار المفروض على ميناء الحديدة، والذي هو بمثابة شريان الحياة للمدنيين في الشمال الذي يُسيطر عليه الحوثيون. وفي المقابل تسعى الخطة إلى زيادة تدفق البضائع في المناطق التي يسيطر عليها التحالف السعودية.

وكما هو الحال دائمًا، فما هي إلا خدعة نفذت بدهاء من قبل شركات العلاقات العامة البارعة التي تنطوي في هذه الحالة على مساعدة من الشركات الأمريكية والبريطانية. ما يجعلها ليست خطة لتقديم المساعدات الإنسانية، وإنما مجرد غرض دعائي.

وبالفعل بدأ التمهيد لزيادة ابن سلمان، كما الحال مع الصحفي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، ديفيد إغناتيوس، الذي أجرى مع ابن سلمان مقابلة مطولة في الرياض، خرج منها باستنتاج مثير للاهتمام، وهو أن "هناك حالة نضوج ثقافي" شعر بها من المقابلة!

دفعت السعودية الملايين للترويج لصورة مضللة عنها في واشنطن، تركز على ما أراد ابن سلمان تصديره عن نفسه مثل السماح للمرأة بالقيادة

على كل أسهب إغناتيوس في مدح ابن سلمان في عموده الأسبوعي بصحيفة واشنطن بوست، في مقال أشار فيه لكل شيء فعله ابن سلمان تحديدًا ليشار إليه باعتباره مصلح، ولم يذكر أي شيء آخر من واقع القمع والانتهاكات الحقوقية الجسيمة في البلاد، أو الجرائم التي يرتكبها ابن سلمان يوميًا في اليمن.

اقرأ/ي أيضًا: دفاعًا عن حقوق المرأة أم تطلعات ابن سلمان؟!

وقال دينيس روس، الذي عمل كمبعوث أو مستشار في الشرق الأوسط في كل إدارة رئاسية منذ رونالد ريغان، في مقالة رأي نشرتها صحيفة واشنطن بوست مؤخرًا، إن "محمد بن سلمان هو القوة الدافعة للتغيير في السعودية"، مُضيفًا: "ابن سلمان لا يحاول فقط تحويل المجتمع السعودي إلى شيء أكثر انفتاحًا وتسامحًا، بل يبشر بمكانة جديدة للمرأة". ومن الواضح أن مزيدًا من هذا المديح الدعائي، سيكون له أثره في زيادة نفوذ ابن سلمان بواشنطن.

وما يُميّز السعودية هي الثروة النفطية الهائلة، ومن المعروف للجميع أن المال يمكنه شراء النفوذ، وهذا ما تقوم به السعودية، سواءً عبر معارضة القانون الأمريكي الجديد الذي يُحمّل قادة آل سعود مسؤولية وفاة الأبرياء في أحداث 11 أيلول/سبتمبر، أو عبر حشد مؤسسات الفكر والرأي الصديقة -جنبًا إلى جنب مع الإمارات العربية المتحدة التي تقوم بفعل المثل- لإكساب المضايقات ومهاجمة دولة قطر صبغة قبول ثمنه المال. 

وربما لا يكون روس قد حصل على مقابل مادي مباشر على مقاله المدحي الأخير، ولكنه كزميل في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى للمحافظين الجدد، فيبدو أنه منغمس في سلسلة متشابكة من المصالح السياسية الخارجية مع اللوبي السعودي.

قال بن فريمان، إن "المملكة العربية السعودية من أكبر الجهات الفاعلة في مجال النفوذ الأجنبي. وأعتقد أنه ببساطة لفهم اللوبي السعودي بصورة أوضح، ينبغي فهم اللوبي الأجنبي بشكلٍ أعم. وأعتقد إن الرأي العام يستحق أن يعرف الحقيقة".

يترأس فريمان مبادرة التأثير الخارجي الجديدة في المركز للسياسات الدولية، وتتمثل مهمته الأولى في تحديد النفوذ الأمريكي في المملكة العربية السعودية من خلال الحصول على السجلات التي ينص عليها قانون تسجيل العملاء الأجانب، والتي يُمكن أن تقدم لمحة خاطفة لائقة (وإن لم تكن كاملة) عن مدى التأثير السعودي في الولايات المتحدة.

وليس من المستغرب أن الشركات الأمريكية التي تعمل لصالح السعودية كثيرة بالفعل، إذ أظهر البحث الدقيق الذي أجراه فريمان، في أحدث السجلات المتوفرة طبقًا للقانون، من شهر أيلول/سبتمبر عام 2016 حتى شهر آب/أغسطس عام 2017، أن هناك ما يصل إلى 29 عقدًا منفصلَا من قِبل 25 شركة مختلفة بلغ مجموع قيمتها 15.9 مليون دولار أمريكي.

يقول فريمان: "تُمثل تلك الشركات أهم الشركات المتخصصة في حشد التأييد والضغط والعلاقات العامة". هناك مجموعة بوديستا (Podesta Group)، التي كان يديرها سابقًا مؤيد كلينتون الديموقراطي توني بوديستا، والتي توقفت بعد 30 عامًا من العمل في أواخر عام 2017، بعد وقت قصير من تعرضها للتدقيق في التحقيق الذي أجراه روبرت ميلر حول التدخل الروسي المزعوم في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي فاز فيها دونالد ترامب، باعتبارها واحدة من الشركات التي تعاقد معها بول مانافورت لحشد الدعم نيابة عن الرئيس الأوكراني آنذاك فيكتور يانوكوفيتش (في نفس الوقت الذي عارضت فيه إدارة أوباما يانوكوفيتش).

وقعت مجموعة بوديستا عقودًا بقيمة سنوية قدرها 2.2 مليون دولار مقابل خدمات العلاقات العامة وحشد الدعم والتأييد للسعودية في الكونغرس.

وفي الوقت نفسه، وقعت شركة سكوير باتون بوغز (Squire Patton Boggs) رفيعة المستوى، التي تضم بعض القيادات السابقة البارزة في الحزب الجمهوري مثل، جون بينر وترينت لوت من بين أفضل المؤثرين في الشركة، عقدًا بقيمة 100 ألف دولار شهريًا للدفاع عن الحكومة السعودية في الكونغرس، بإجمالي مبلغ قدره 1.2 مليون دولار. كما وقعت شركة "دي إل إيه بايبر - DLA Piper"، التي تضم أيضًا أعضاءً شغلوا مناصب كبيرة في الحزب الجمهوري سابقًا مثل وزير النقل السابق راي لحّود وعضو مجلس الشيوخ الأسبق، ساكسي تشامبليس، وعضو مجلس الشيوخ الديمقراطي الأسبق، جورج ميتشل، عقدًا إضافيًا بقيمة 85 ألف دولار شهريًا "لمساعدة وزارة الخارجية السعودي على تعزيز قدرة الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية من أجل النهوض بالمصالح الأمنية الوطنية المشتركة".

ومن جهتها، وقعت شركة غلوفر بارك جروب، التي أسسها جو لوكهارت، السكرتير الصحفي للبيت الأبيض في عهد الرئيس كلينتون، والتي تضم كذلك الديمقراطيين دي دي مايرز وهاورد ولفسون، عقدًا بقيمة 100 ألف دولار شهريًا في عام 2016، نظير تقديمها الاستشارات القانونية والسياسية والإعلامية للحكومة السعودية.

وتستخدم تلك الشركات مصداقية موظفي القطاع العام الذين انتقلوا للقطاع الخاص (أو ما يُعرف بسياسة الباب الدوار) للاختباء ورائها. وعبر دفع بعض الأتعاب الدائمة لهم، تضمن هذه الشركات بشكل ما قدرتها على الاستعانة بموظفي الحكومة السابقين المخضرمين إن دعت الحاجة. تضم القائمة كذلك حشدًا من الشركات الأخرى التي تجني قدرًا مشابهًا من المال، لكن بطرق أكثر غموضًا.

ومن ضمن هذه الشركات، مجموعة كورفيس (إم إس إل غروب)، التي تعمل مع السعوديين منذ 11 أيلول/سبتمبر 2001. وتلقت كورفيس حوالي 14.7 مليون دولار عام 2002 مقابل "توعية" العامة بأن السعودية –التي هي المصدِّر الأكبر لمذهب الوهابية الإسلامي المتطرف- لا علاقة لها بالقاعدة، أو الـ19 خاطفًا، الذين كان لـ15 منهم أصول سعودية!

ومؤخرًا، كانت كورفيس إحدى الشركات التي تلقت الملايين من لوبي آل سعود لمواجهة قانون جاستا، الذي سعت عائلات ضحايا هجمات 11 أيلول/سبتمبر لتمريره، لأنه كان سيسمح لهم بأخذ السعودية إلى قاعات المحكمة بسبب صلاتها المزعومة بالخاطفين.

ومُرر قانون جاستا في 2016، لكنه مُرر بصيغة مخففة عن المقترح الأصلي. وبالرغم من ذلك، استمرت الحكومة السعودية في إنفاق الأموال على الجهود الهادفة لضمان ألا تحصل هذه العائلات على قرش من التعويضات. وتمثلت إحدى مخططاتهم سيئة السمعة في إرسال قدامى المحاربين الأمريكيين إلى واشنطن للضغط على أعضاء الكونغرس من أجل تعديل القانون.

والعام الماضي، اكتشفنا أنّ كثيرًا من هؤلاء المقاتلين السابقين الذين تم التواصل معهم عقب رحلاتهم الباذخة المدفوعة إلى واشنطن (بما في ذلك العشاء الفاخر والإقامة في فندق ترامب) بأنهم لم يعلموا أن هذه الأموال جاءت من السعودية، إذ إن السعوديين استعانوا بمحاورين أمريكيين للتواصل مع قدامى المحاربين وإخبارهم أن قانون جاستا من شأنه أن يعرض أفراد القوات العسكرية وقدامى المحاربين للمسائلة، وهو أمر غير صحيح البتة، ويصف بن فريمان هذا الأمر بأنّه "الأكثر غموضًا وشبهة على الإطلاق".

وأشار فريمان إلى أن السعوديين أنفقوا عشرات الآلاف من الدولارات في الفترة ما بين 2016 إلى 2017، على الجهود المناهضة لقانون جاستا، بما في ذلك نشر مقالات للرأي كتبها قدامى المحاربين وغيرهم في الصحف المحلية. وبينما كانت الشركات، مثل كورفيس، تحاول مواجهة القانون، كانت تسعى في الوقت ذاته لإقناع الكونغرس ووسائل الإعلام باستعداء قطر ومعارضة النفوذ الإيراني في اليمن لتبرير الحرب السعودية المدمرة هناك!

يواجه عباس خديم، الباحث العراقي في الدراسات الشرق الأوسطية الذي شغل سابقًا مناصب تعليمية وبحثية في كلية الدراسات العليا البحرية في كاليفورنيا وجامعة ستانفورد، والذي يوشك على إنهاء فترة عمله كزميل مقيم في مدرسة جونز هوبكنر للدراسات الدولية المتقدمة؛ صعوبة في البقاء في واشنطن والعثور على وظيفة أخرى. ويقول إنه قد أضحى من الصعب وجود مفكر مستقل بوجود الكثير من الأموال السعودية والإماراتية المرتبطة بمراكز الفكر والجامعات هناك.

وقال خديم في حديثه لـ"The American Conservative": "الأشخاص مثلي، الذين يمارسون هذا النوع من العمل، يحصلون على المال من مراكز الفكر وكذا الجامعات، وكلها ممولة من طرف السعوديين".

وأضاف: "بالنسبة لي، ألاقي صعوبة في تناول الطريقة التي تتعامل بها السعودية مع الإرهاب"، مشيرًا إلى الحرب في اليمن وحصار قطر. وتابع أيضًا قوله: "ما من قدر من المال يمكنه دفعي للترويج لإحدى السرديات، دعمًا لأحد أو ضده. لا يهم. ولذا لا أملك وظيفة".

وقد أفاد راين غريم من صحيفة ذا إنترسيبت العام الماضي، أن الإمارات  أعطت 20 مليون دولار لمعهد الشرق الأوسط في الفترة ما بين عامي 2016 و2017.  ووفقًا لوكالة أنباء أسوشيتد برس، فإن الإمارات تدير شبكة من "مراكز التعذيب" في اليمن، حيث يُشوى المعتقلين أحياءً حرفيًا.

في عام 2015، أطلقت مصادر التمويل السعودية والإماراتية مركزها الفكري الخاص بها، وهو معهد دول الخليج العربية، الذي يعمل كآلة دعاية تقدم للسعودية والإمارات الدعم الكامل والقوي.

عشرات مراكز الفكر والأبحاث بل والجامعات، في الولايات المتحدة، باتت أقرب لكونها تعمل لصالح السعودية التي تدفع لها الملايين 

وفي هذه الأثناء، ساهمت العائلة المالكة السعودية والمستثمرين وأقطاب الشركات، في السنوات الـ12 الماضية بمبلغ 10 ملايين دولار لكلية ييل للحقوق و20 مليون دولار لجامعتي هارفارد وجورج تاون على حدة، بالإضافة إلى ملايين آخرى لكليات وجامعات أمريكية أخرى، معظمها لبرامج ومراكز الدراسات العربية والإسلامية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

محمد بن سلمان.. صعود سريع لأمير طائش يهدد البلاد والمنطقة!

توماس فريدمان.. تنظيف دكتاتورية ابن سلمان القذرة بالجملة