لهذه الأسباب لن تنتج الطائفية إلا حربًا أهلية!

لهذه الأسباب لن تنتج الطائفية إلا حربًا أهلية!

كاريكاتير عن الطائفية في لبنان (Peter Schrank)

المواطن اللبناني يشعر بالتناقض بين قيمه الفردية وبين مجتمعه اللاقيمي. المواطن مطالب بأن يكون صاحب كفاءة في نظام لا يعير اهتمامًا بالكفاءات، ولا يجد له مكانًا فيه. 

المطلوب من الشعب اللبناني أن يكون "كلنا للوطن"، والوطن مملوك لعائلات ومؤسسات تستخدم الحس الطائفي لاستعباد المواطن

اللبناني مطالب في كل لحظة بألا يؤمن بالطائفية، بينما يجد دستور الدولة وإداراتها تشترط عليه أن ينتسب لطائفة ما كي تعطيه حقه. المواطن مطالب بأن يؤمن بأن هناك دولة لجميع اللبنانيين، بينما يجد فئات تتصرف كأنها الدولة وفوق الدولة.

اقرأ/ي أيضًا: عن الاحتراب الأهلي اللبناني و"الشطّافة" 

اللبناني يعلم بأنه لا يستطيع أن يحصل على عمل إلا بعد أن يمنحه النائب ورئيس الطائفة والعشيرة، الواسطة والبركات. كيف يمكن للمواطن أن يكون صاحب ضمير بينما يرى حرية شراء الضمائر علنًا ويرى الموظفين المحسوبين على الزعماء يأكلون الأخضر واليابس؟

لقد أصبحت شعارات الوحدة الوطنية والتعايش المشترك شعارات فارغة من المعنى، يكفي أن نلقي نظرة إلى المناهج التعليمية في المدارس الطائفية، غاياتها وأهدافها، حتى ندرك حجم التمزق الذي نحن فيه، فكل طائفة لها منهجها التربوي التعليمي المؤدلج للطلاب، كي يصيروا أشخاصًا مخلصين للطائفة. 

المطلوب من الشعب اللبناني أن يكون "كلنا للوطن"، والوطن مملوك لعائلات ومؤسسات تستخدم الحس الطائفي لاستعباد المواطن فيصبح الشعار "كلنا للطائفة".

إن المواطن الذي لم تتلوث يداه بجرائم هذا النظام مدعو للهجرة في كل لحظة، لأنه يعيش الغربة في وطن لا يحترم سوى الطائفيين، وطن يسخر منّا بتعليمنا في كتب التاريخ والتربية بأنه بلد "الإشعاع والنور"!

اللبناني مطالب بالتصديق بأن لبنان دولة ديمقراطية فيها برلمان وانتخابات دورية ونظم دستورية ومحاكم قضائية عادلة، أما الواقع فيعكس أن كل الدولة بنيت على أساس طائفي، أساس خطأ غير متين سرعان ما سيتهدم على رؤوس اللبنانيين.

لبنان بلد مبني بأكمله بذهنية "الدكنجي" الأنانية الضيقة، بلد يعيش المواطن فيه بلا مواطنية، فلا يجد سبيلًا غير الانتماء لجماعة وفق رابطة عقائدية تحقق تطلعاته وتأمن له الحماية والانضواء؛ هنا مربط الفرس، الجريمة جماعية وكلنا شركاء فيها.

أغلبية اللبنانيين على مواقع التواصل الاجتماعي لا يجيدون الرقص سوى على حبال الكلمات، ويجاهرون ليلًا ونهارًا برغبتهم في بناء الدولة. 

حسنًا، إن كانت الأغلبية الشعبية تريد الدولة فمن أين انبثقت هذه الطبقة الحاكمة؟ ومن أين تستمد هذه المنظومة شرعيتها؟ وكيف لا يثور الشعب ضد جلاديه؟ لا بل يتمسح بهم! وكيف يقبل هذا الشعب بأن ينام في المزابل؟ الإجابة بسيطة: إنها المنظومة الطائفية -المستترة والعلنية- تنخر شعبنا المحكوم من طبقة اقتصادية مصالحية عابرة للطوائف وتستغل شعوره الطائفي أبشع استغلال.

الشوارع تضيق بالنفايات، والروائح تملأ فضاءات البلد من شماله إلى جنوبه. في عام 2015، حققت أزمة النفايات الوحدة الوطنية، لأن الغالبية الشعبية بدأت بالتساؤل: كيف يمكن لفقير مسحوق أن يقتل مسحوقًا فقيرًا يشبهه في حرمانه من النظافة، والحرمان من الشعور بالأمن والأمان بحجة العقيدة والمذهب والبيئة والمناطقية؟!

في لبنان إذا كان معك قرش سوف يسحبونه منك، وسوف يسحبون روحك أيضًا، المهم ألا يدخر المواطن شيئًا، ويعيش "كل يوم بيومه" وأن يدعو: "ربي أعطني كفاف يومي".

في لبنان ممنوع الادخار، يجب أن تبقى أموالك متداولة في السوق، ومن يد إلى يد ضمن حركة السوق والعرض والطلب. المعادلة تقول: الفقير سيصبح أكثر فقرًا والغني سيتضاعف رأسماله. لا طبقة وسطى في لبنان، لا حياة كريمة، فإما العيش بمحاذاة خط الفقر أو العيش مع المترفين.

عبر هذه المعادلة يفقد الفكر فعاليته ويشل العقل وتنخفض المبادرات الفردية ذت الكفاءة بسبب انشغال أغلب شرائح المجتمع بالمعاش اليومي: التلهي بالكهرباء، والخضوع لعصابات اشتراكات الكهرباء، والرضوخ لعصابات شركات الهاتف اللصوصية، والتفكير بكيفية تأمين مياه للخدمة فمن يحصل على مياه غير كلسية أو مالحة يعتبر محظوظًا. كل شيء في لبنان بنقود. الخدمة الوحيدة المجانية هي تنفس الهواء، و"أكل الهواء" والتفوه بالهراء!

يدرك النظام أهمية الفقر كحالة عامة صارخة، لتثبيت نفسه من خلال ربط مطالب الفقراء به، باعتباره يقدم الخدمات كعمل خير لا كواجب عليه وكحق للمواطن/تمامًا كالتوظيف في دوائر الدولة والقوى الأمنية؛ هذه الوظائف التي تعطي "الأمان" إذ لا أمان خارج منظومة الدولة التي هي أساس النظام وحاميه. 

الدولة تخدم الطائفة ومصالح الطائفة، ولا حاجة للدولة إن لم توضع في خدمة الطوائف والطائفيين وتأمين مصالحهم.

وحين يسيطر الخوف من المستقبل على المواطن يسعى للارتباط أو التسلق للوصول إلى دائرة الدوائر الصغرى، أي المركز أو المحرك الأساس للنظام، وعادةً ما يكون مركزًا سياسيًا أو اقتصاديًا يُحكم بالمال والأعمال. 

بما أن التقسيم الطائفي هو المهيمن، تكوّن في لبنان عدة مراكز ومحركات أساسية تخضع لها كل طائفة، وحول كل فريق سياسي طائفي تنشأ مجموعات حمايته ضمن دائرة سياسية صعبة الخرق، ثم تأتلف المراكز الجامعة والنقيضة في آن واحد مع بعضها البعض حين تتلاقى مصالحها البنيوية.

ويبقى الصراع هامشيًا، ما دام الفقراء هم وقوده، ولكن لا يسمح للنار بأن تشتعل بالكامل لتحرق الجميع. التوازن مطلوب حتى في خضم الحروب والقتل، إذ لا يسمح بانهيار النظام، ففي أي لحظة يشعر النظام بالخطر تلتئم المراكز لإعادة صياغة هدنة جديدة أو شكل جديد للحكم.

لا بوعزيزي في لبنان ولا ثورات ولا حركات شعبية أو مظاهرات ولا تحركات فكرية يسارية وعلمانية وشيوعية ووطنية يمكن أن تثمر؛ تبقى التحركات ضمن إطار مجموعات الضغط لكن مدى تأثيرها هامشي. لقد أثبت لبنان أنه قلعة شامخة في وجه التغيير الجذري، والتجربة دلت أنه من أعقد الأوطان العربية اجتماعيًا.

خنق المواطن إذًا بواسطة الفكر اليومي التبسيطي البديهي هو الحل! الوظيفة والكهرباء والماء والهاتف والصرف الصحي والمدارس والطبابة... إلخ. تهدم مؤسسات الدولة جميعها وترتبط بأشخاص وقوى سياسية ضيقة تقدم أفعال الخير لأنها قوى خيّرة. فكيف يمكن للخلق والإبداع أن يجد طريقه في بيئة كهذه؟ بيئة تنهش فكر الإنسان قبل لحمه. 

في لبنان، نعيش صراعًا سياسيًا على تقاسم الدولة وليس تدافعًا حول بنائها. والحديث عن أن ما يحدث من صراعات هو من أجل مصلحة الوطن، فيه استخفاف بالعقول، لتعاميه عن أصل المشكلة: النظام الطائفي.

ولا يساهم نمط التفكير الثنائي: "بيتك/بيئتنا، مذهبك/مذهبنا... إلخ"، في بناء الدولة، وإنما يقتلعها من جذورها إلى الانتماءات الضيقة، ولا يضيف إلى المطلب الوطني أي بعد أخلاقي.

 أثبت لبنان أنه قلعة شامخة في وجه التغيير الجذري، والتجربة دلت أنه من أعقد الأوطان العربية اجتماعيًا

لنتصارح إذًا: نحن شعب طائفي بامتياز، ولا يمكن أن تقوم قائمة لدولة في ظل هكذا منظومة اجتماعية طائفية. من هنا لا يعود الاستغراب من اشتعال الحرب الأهلية، إذ لا يمكن أن تنتج الطائفية إلا الصدام الأهلي في نهاية المطاف.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل العلمانية كافية لمواجهة الطائفية في لبنان؟

طاولة الحوار اللبناني وانقلاب موازين القوى