لن يبيعوا العراق

لن يبيعوا العراق

متظاهر عراقي يطالب بمعاقبة مرتكبي جرائم القتل في بغداد (Getty)

عاد العراقيون الى الساحات مجددًا، الساحات التي تعرفهم وتحفظ أسماء شهدائهم، وتترنم معهم بأهازيجهم ومطالبهم التي تختصر مطالب الشعب العراقي بحقه في الحياة، أي في حقه أن يكون. أما ما يميز هذه العودة فهو إطار عملها، جغرافية حراكها، وشعار حملتها الداعي إلى انهاء الإفلات من العقاب.

تمثل استمرارية حراك العراقيين اليوم قرعًا إضافيًا على جدران خزان القهر، يقول الشباب من خلاله إنهم وإن باعتهم الدنيا فهم لن يبيعوا العراق

في العنوان، قد يخيل للبعض أن عنوان حملة الشباب العراقي، بجناحيه المقيم والمنفيّ، مشتق من "اليوم العالمي لإنهاء الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة بحق الصحفيين" الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 2013. والأغلب أن النشطاء المبادرين إلى إطلاق الحملة أرادوا أن يقولوا للأمم المتحدة وللعالم إن الإفلات من العقاب في العراق مسألة تطال الجميع وليست محصورة فقط بالصحفيين. ومن جهة أخرى، فأن الشعار-الهدف يُلخص مطالب الشباب العراقي الذي انتفض في تشرين الأول/أكتوبر من العام 2019 ولم تجابه مطالبه في الحق بالعيش الكريم إلا بالقتل المباشر في التظاهرات، أو عبر كواتم الصوت والإخفاء القسري، بحيث راح قرابة الألف عراقية وعراقي ضحايا لوصفة الشرّ القائمة على الإخضاع والترهيب والتصفية الجسدية.

اقرأ/ي أيضًا: شاهدٌ على الثورة.. عندما ولد العراق من ساحة التحرير

 في مشهد الأمس، خطت حملة انهاء الإفلات من العقاب في العراق أولى خطواتها عبر تظاهرات حاشدة في مدن العراق الرئيسية، لكي تؤكد مرة جديدة على حيوية الحراك الذي بدأ في تشرين الأول/أكتوبر واستحالة تطويعه وتطويقه، وأنه ما من شيء أو قوة تستطيع أن تُوقف انطلاقة الأحرار نحو ما يصبون إليه.

أما جديد المشهد العراقي فهي الوقفات التي نظمت في بعض عواصم العالم ومدن تواجد العراقيين في الخارج. إذ دائمًا ما شكّل المنفى طوق نجاة فردي للهرب من صلف الدكتاتور وعبثية الموت المجاني في العراق، أما أن يبدأ عراقيو الخارج في تشكيل وعي جماعي فاعل يتناول احتمالات الوطن الأصلي بشكل يتكامل مع مشاريعهم الفردية، فذلك مؤشر بالغ الأهمية، يبنى ويُؤسَّس عليه، وما بعده لن يكون كما قبله.

تشكل آليات تبلور فكرة الحملة الحالية وانتقالها إلى حيز التنظيم والفعالية على الأرض نقلة نوعية في عالم ما بعد الربيع العربي. باستطاعة المطلع على الاستخدامات المختلفة لوسائل التواصل الاجتماعي إبان الربيع العربي أن يجزم في دورها الإخباري والتواصلي خلال الأحداث المختلفة. أما ما حدث ويحدث مع أشقائنا العراقيين فهو تحويل هذه الوسائط إلى فضاء آمن وخلّاق يسمح بإنتاج الأفكار، وبلورة البرامج، وتحديد أشكال التنظيم والتجهيز للعمل المباشر في عدة بلدان وفي آن واحد. وفي الوقت نفسه، تضع الحملة الحالية، وما سبقها، وما سيليها بالطبع، العراقيين في سياق ثورات الربيع العربي، حيث تغدو الميادين واحدة، والحناجر واحدة، والهدف الأوحد والأكبر هو إنهاء الاستبداد بكل أشكاله ومعانيه، من أجل الدخول إلى زمن الحرية.

وإذا كان عالم اليوم لا يمكن تخيله من دون التسويق الرقمي، والتجارة الإلكترونية والتمويل الشبكي، فإن ما يقوم به العراقيون يؤسّس لنوع جديد من العمل السياسي الشبكيّ القادر على كسر حلقة التمويل والاستتباع. ونجاح هذا النموذج سيعزز من إمكانية تعميمه على دول الجوار.

استمرارية حراك العراقيين اليوم تمثل قرعًا إضافيًا على جدران خزان القهر، يقول الشباب من خلاله إنهم وإن باعتهم الدنيا فهم لن يبيعوا العراق.

 

اقرأ/ي أيضًا:

آية منصور: أن تخاف أمرٌ طبيعي في العراق

العراق.. دقت ساعة الثورة؟