لم يكن حبًّا فحسب

لم يكن حبًّا فحسب

مارك بيريز/ تونس

"ألا يمكنك أن تكتب دون أن تذكر لون عينيها؟".

أرسلتُ له بهذه الكلمات وأغلقتُ نافذة الدردشة على فيسبوك.

قذفتُ بكلماتي بعد أن انتهيت من قراءة مخطوط لمجموعته القصصية، دائمًا ما يقول لي إنني قارئة جيدة، وإنه يثق في قدرتي على التمييز بين النصوص الجيدة والسيئة ومتأكد أنني لن أجامله.

كانت لي طقوسي الخاصة في القراءة، فلا أبدأ الكتاب إلا متى أحسست أنني جاهزة، منذ قرابة شهر أرسل لي المخطوط لكنني تجاهلته أو خفت أن أقرأه، شيء ما بداخلي منعني، وكلما سألني تعللتُ له بضغط العمل والإرهاق الذي أعانيه بعد يوم طويل و شاق.

لم يتعد عدد الأقصوصات الستة، شرعتُ في القراءة صابة تركيزي على الأحرف والجمل، كنت أبحث له عن أي خطأ أو تركيب يمكنٌني من النيل منه هو ذلك المتبجح بلغته التي لا تضاهى. انقضت أكثر من ساعة ولا أزال أمام حاسوبي، دونتُ بعض الملاحظات على دفتر بجانبي ثم واصلتُ القراءة.

آخر أقصوصة والأطول في كامل المجموعة، جحظت عيني وأنا اقرأ السطر الثالث، تراجعتُ إلى الوراء قليلًا عاضة على شفتي ممسكة القلم في قبضتي بقوة إلى أن سمعتُ طقطقته في كفي.

ألا يستطيع عدم الحديث عنها؟ ألا يستطيع عدم ذكر لون عينيها؟ ثم انطلقتُ في شتم وسباب طويل طوال قراءتي لنصه الأخير.

أشعلت سيجارتي الثالثة بعقب سابقتها، أغلقتُ الملف ثم فتحتُ حسابي على الفيسبوك، بعض الرسائل لم اهتم لأمرها، و إشعار بأن غدًا هو عيد مولده.

أكره يوم مولدك، عندما ترسم تلك الابتسامة على وجهك وأنت تحتفل هناك بعيدًا، وأنا هنا أعد عدد المهنئين الذي يتكاثر كالبكتيريا تحت صورتك وأنت تحمل كأس الويسكي من دون ثلج. لطالما قلت لي إن خمور بلادي لا تسكرك، وأن قبلة مني تجعل عقلك يتأرجح على حبل النشوة كبهلوان، حاملًا مظلة بيده وباليد الأخرى كأس ويسكي بطعم ماسخ.

هكذا تكون الليالي وأنت غائب تطل علي أحيانًا بكلمة تلقيها في صندوق أزرق يحدث صوتًا كصوت ارتطام حجر بسطح بحيرة راكدة لم تعرف تدفق جريان الماء. لهذا أحب الجداول، يخيل لي أن مياهها نقية متجددة متدفقة كتدفقي أنا فيك. هناك حيث يوجد ذلك الجبل بقمته الجليدية أين يعانق سفحه جدولًا بمياه شفافة... شفافة كروحي، كجلدي الذي حفظت مواقع الشامات فيه.

في ليلة مولدك يتمطط الزمن، أجلس خلف حاسوبي أراقب من وراء شاشته تلك القطعة المعدنية التي تتأرجح من الساعة المعلقة جيئة وذهابًا ببطء شديد مثلما كنت تفعل عندما تلجني فأشهق جاحظة العينين رافعة رأسي للخلف في حركة تزيد من بروز نهدي أمام وجهك المتعرق.

لو تعلم كم تمنيتُ وأنت تفعل ذلك ألا ينتهي موعد لقائنا، أن يتمطط الزمن أو يختفي تمامًا، ونعلق في اللازمن كحدث لا يرغب في الانتهاء الى أن يمضي موعد يوم مولدك ساعتها يمكننا العودة لأنني لن أكون مجبرة على عد عدد رسائل المهنئين والنظر إلى صورة آخذتها لك إحداهن، رغم محاولة إخفاء أثرها من محيطك إلا أنني أراها تمسك بهاتفها المحمول مبتسمة ملقية القبلات هنا وهناك، وهي تلتقط لك صورة عيد ميلادك وأنت تشرب الويسكي دون ثلج.

تبلغ البرودة سبع درجات الغيوم منقشعة والنجوم تزين السماء رغم أننا في الشهر الثاني من السنة لا رياح باردة تدخل من النافذة، فتحتها حتى يخرج دخان السجائر من الغرفة فكما تعلم أنا أدخن خلسة عن أغلب من أعرفهم إلا القلة من المقربين جدًا، وأغلبهم من الرجال فلا ثقة لي في الإناث منذ أن لدغتني تلك العقرب في ذلك الصيف البعيد من طفولتي، يومها تعلمت ألا أثق في أية انثى حتى وإن كانت من الحيوانات.

أنت كالفاكهة الحرام تغويني فأحيد عن الصراط، لليلة أنا أيضًا أشرب الويسكي دون ثلج. يكفيني أن تثلج داخل قلبي، سأشرب حتى أسكر وأفقد الإحساس بالأشياء وإذ ذلك يفقد المشروب طعمه في فمي فلا أرى وجه من أمتطي وأبصرك مكانه. هو أيضًا لن يكون موجودًا، لن يتعدى حضوره قضيبًا منتصبًا أمتطيه إلى أن أُفرغ شهوتي ثم يختفي من محيطي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أنين أعواد الثِّقاب

كجرار قديمة تتكسر