"لم نكن أحياء قطّ" لباسل الأمين: بين الغرق في التوثيق والخروج عن اليوميات
23 أغسطس 2025
بات من الملحّ جدًّا الحديث عن اليوميّات في ميدان النقد والبحث، فمعظم الشعراء والمبدعين في العالم باتوا يتقاعدون " كتابة " من خلال كتابة يوميّاتهم، خاصّة أنّ بعضهم يبدأ هذا النوع من الممارسة الكتابيّة بمصارعة الوحدة والمرض والماضي والذكريات، وبعضهم الآخر يبدأ من الحاضر مساره الكتابيّ كي يوثّق ما تبقّى له من ملاحظات وإدراكات وغيرها. وقد كتب عدد من المبدعين يوميّاتهم دون أن يتعمّدوا ذلك، منهم الشاعر الأميركي تشارلز بوكوفسكي الذي بدأ وفقًا لكتاب فن اللامبالاة كتابة القصائد النابعة من تأثر بمحيطه، ليبدأ بعدها بكتابة نفسه وهو بين جدران منزله الأربعة، ما جعله يخلق حالة إبداعيّة مغايرة.
كتب عدد من المبدعين يوميّاتهم دون أن يتعمّدوا ذلك، منهم الشاعر الأميركي تشارلز بوكوفسكي الذي بدأ وفقًا لكتاب فن اللامبالاة كتابة القصائد النابعة من تأثر بمحيطه
وعلى الجانب الآخر وإذا أردنا العودة إلى اليوميّات ككتابة، فهي تستند من الناحية التقنيّة على النثر كشكلّ كتابيّ، والمكان والزمان كعنصرين أساسيين، وعلى الثيمة أي الموضوعة التي لا بدّ أن تربط اللحظات والأفكار. وهذا ما يحيلنا إلى عدّة نماذج حديثة سارت على هذا المنوال منها كتاب " لم نكن أحياء قطّ" للشاعر والصحفي باسل الأمين (مرفأ للثقافة والنشر – 2025)، حيث عمل الأمين على اختيار الحرب الإسرائيليّة الأخيرة على لبنان كموضوعة؛ يعود خلالها إلى ذاته وأفكاره وتساؤلاته، فضلًا عن تأويله وتفسيره لبعض المفاهيم والأفكار والظواهر، لكنّ الأمين خرج بشكل لاواعٍ عن اليوميّة كمفهوم أدبي وعلمي، وعن الموضوعة التي اختارها حيث جذبته الذات وما يدور في فلكها من تساؤلات وتكهنات.
التوثيق والغرق في العموميّات
بدا نصّ باسل الأمين منسجمًا مع نفسه وأجزائه، من خلال الأفكار والتماسك اللغوي وارتباطه بالأقوال والاقتباسات التي وضعها الكاتب كتصدير (عتبة) لكلّ يوميّة. سلوك كتابيّ يعكس مدى ارتباط الكاتب بالمعرفة ومدى قدرته على عنونة الحدث واعطائه هويّة عاطفيّة، ومن خلال القسم الأوّل من الكتاب، شهدنا نوعًا من صياغة الموضوعة وتأطيرها ضمن نطاق الحرب الأخيرة على لبنان، بدءًا من تفجيرات البيجرز، والدمار الذي ألحق بالبيوت سيّما بيت جدّ الكاتب في شقرا وصولًا إلى وقف إطلاق النار، لكنّ الكاتب وقع في فخ التعميم، سلوك يذكّرنا بما قاله الشاعر شوقي بزيع في وصفه للشاعر عمومًا: "يومئ للمعنى ولا يقربه". وهذا ما فعله الأمين، حيث اقترب من تفجير البيجرز وأشار إلى وجود جرحى ومصابين دون أن يسير على نفس المنوال ويتناول أحداث أخرى من الحرب مثل اغتيال رموز المقاومة، حركة النزوح وموت الأفراد جوعًا وعطشًا على الطرقات، التشرد، حتّى تدمير بيت جدّه لاحظه الأمين في كتابته عبر التلفاز، ما يجعل النّص هنا يفقد الجانب الحسيّ الاجتماعي الميداني، فضلًا عن ذلك، عمل الأمين على تأطير المناخ الكتابي ضمن نطاق الحرب، لكن سرعان ما يعود إلى مفاهيم عامّة عدّة مثل: الخوف والقلق والخسارة والحزن، ما جعل بعض النصوص تعاني من ترنّح على صعيد الموضوعة، بين الانكفاء نحو الذات أو معالجة الحالة الجماعيّة التي تعيش تحت صدمة الحرب.
وقف إطلاق النّار والانتقال إلى موضوعة أخرى
يحاول الأمين من خلال كتاباته في هذا العمل أن يعطي اليوميّات طابعًا فرديًّا ذاتيًّا خلال الحرب القائمة، وهي نقطة تحسب له خاصّة وأن خلق عالم داخل عوالم المتشابكة تحت حدث عصيب ليس بالأمر اليسير، بل هو ذات طابع ابداعيّ محض، لكنّ وضع الأمين لعبارة "وقف إطلاق النّار" بخطّ عريض وكبير، يعيدنا إلى الموضوعة الأساس، أي الحرب وما بعدها من نتائج وظواهر وانعكاسات... عاد الأمين مجدّدًا إلى ذاته، وهو أمر خلق إشكاليّة أخرى وهي "كيفيّة الخروج من الحالات الاجتماعيّة الجماعيّة التي تخصّ الجمهور إلى الهواجس الفرديّة"... يحاول الأمين من خلال الكتابة أن يبقى محايدًا، ألا يدخل في الثيمات التي تتطلّب منه مواقفًا وأفكارًا وتطلّعات، لكنّه في بعض النصوص تغافل عن رصد الحالات الجماعيّة التي تتطلّبها ثيمة الحرب، كونها تستهدف الكل لا الأفراد بأنفسهم بصيغة مستقلّة.
بدا نصّ باسل الأمين منسجمًا مع نفسه وأجزائه، من خلال الأفكار والتماسك اللغوي وارتباطه بالأقوال والاقتباسات التي وضعها الكاتب كتصدير (عتبة) لكلّ يوميّة
نقاط القوّة في هذه العمليّة الكتابيّة، تبدأ أوّلًا من خلال التدوين، حيث عمد الأمين إلى كتابة الحرب على اعتبارها جرثومة تدخل إلى مناعة التفكير والتمحيص. هذا الإنكفاء نحو الذات أعطى الكتابة طابعًا شخصيًّا يتلاءم مع أدبيّات اليوميّات، فالفرد ينبغي في اليوميّة أن يكون حاضرًا وملاحظًا ومثقفًا يدرك ما يحصل ويحفظه عبر لغة واضحة ومرنة، وهي مقومات توفّرت في نصّ الكاتب الآتي من عالم الشعر.
انتظرنا في هذا النّص أن نرى باسل الأمين الصحفي، فحتّى لو لم يكن قد عاش الحرب والقصف في القرى الجنوبيّة والبقاعيّة وضاحية بيروت الجنوبيّة، فإنّ استعانته بشهادات أو قصص سمعها، كانت ستسد الفجوة والخلل الذي كاد يتسع بين الموضوعة التي اختارها والكتابة التي شرع في توليدها تحت عنوان "أدب اليوميّات".
يحاول نصّ الأمين "لم نكن أحياء قطّ" أن يحاكي الإنسان بعد الخسارة والندم والألم. هو تخطّ لكلّ أهوال الحرب، والانتقال من الحرب الكبرى إلى حروب الذات والنفس المتلاحقة. ورغم هذا التراقص على تحديد الموضوعات وتأطيرها، إلّا أنّ الأمين نجح من خلال مدوّنته بوضع تساؤل كبير على صعيد اليوميّات وهو: "هل اليوميّات فضاء حرّ أم نصّ مقيّد؟". الاجابة ستتحدّد حتمًا من خلال التجارب التي ستأتي من أقلام مبدعين معاصرين.