لمَ لا يلتحقون بـ

لمَ لا يلتحقون بـ"داعش"؟

حرق السفارة الألمانية في السودان، على خلفية أحداث الفيلم المسيء 2012

لم يدهشني رفض صاحب محل برمجيات يافع، نَسْخ أسطوانة أغاني لأحد الزبائن، بحجة "حرمة الغناء"، بقدر ما أثار انتباهي رد فعل الزبون نفسه، إذ بدا متفهمًا بل خاضعًا لذلك الرفض، بإطلاقه عبارات مؤيدة لصاحب المحل، وهو يدعو لنفسه بالهداية مثله!

ما تحت قشرة المجتمع السوداني، وعلى الأخص شريحة الشباب، فراغ كئيب مستعد لتقبل أكثر الأفكار تطرفاً

كنت أيامها أحاول تخيُّل نوع العاطفة التي دفعت بشباب سودانيين في مطلع العشرينيات من العمر، للسفر من أجل الالتحاق بتنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، معتمدًا على المشترك بيني وبينهم بحكم تعرضنا لذات المؤثرات منذ 1989 وإن بدرجات متفاوتة.

جعلني موقف الزبون، وهو فوق الخمسين، أعيد التفكير من جديد في ما حدث خلال ربع القرن الماضي هنا في السودان، ومهَّد التربة النفسية للسودانيين بنوع من التديُّن يقبل كل أنواع بذور التطرف، إن كان "داعش" أو "القاعدة" من قبل، إذ بدا لي أن الضرر أعمق مما أعتقدت، لاسيما في أوساط الفئات العمرية التي كانت هي ذاتها وقود انتفاضة أيلول/سبتمبر 2013 الدامية.

في الخرطوم، قد تخدع المظاهر، ولا يحيل الشارع السوداني، من يتأمله، إلى حقيقته: فقراء حد الرثاثة يثقون بالنظام الذي أفقرهم، لدرجة استعدادهم للموت من أجله، ميسورون يفكرون في الهجرة، وقد تجد مرتكبي موبقات وتاركي صلاة، غاضبين على من يهاجم الجماعات الإرهابية، مؤمنين أنها على حق وهي في حالة "جهاد" ضد الكفار ولا يجب أن تخضع للتشكيك من أحد!

لفهم هذا التناقض، علينا النظر، أولًا، إلى الأثر العميق الذي أحدثه البقاء لربع قرن تحت وطأة حكم ديني عسكري، يبث دعاية دينية مكثفة طول الوقت، ويُخضع أجيالًا صارت هي شباب اليوم، لنظام تعليم ديني كثيف لا مكان فيه للتفكير، أو لقبول الآخرين.. ما النتيجة المنتظرة من هذا كله؟ لا أظنها نتيجة مبهجة! ولنفكر، من ثم، في هذا: إن مواليد عام استيلاء الإسلاميين على السلطة بقيادة البشير، 1989، أنهوا دراستهم الجامعية منذ ثلاث سنوات، ومن كانوا في الصف الأول الابتدائي في ذلك العام، هم الآن فوق الثلاثين من العمر، ومن كانوا في نهاية المرحلة الابتدائية هم اليوم على أعتاب الأربعين.

قد تتفاوت نسبة التأثير، لكنَّ الآباء وأبناءهم تعرضوا، منذها، لذات المؤثرات المُجملة من مفكري نظام الإسلاميين في عبارة "إعادة صياغة الإنسان السوداني"، لتنتج في النهاية تلك الأجيال المكسورة، التي فتحت وعيها على دعاية التسعينيات المحتفية بالموت باسم الله في جنوب السودان، المقهورة بالخوف وبدهس الكرامة اليومي في الشارع والسوق والجامعة، المكتوية بالفساد الذي يُنبتُ عمارات وسيارات وأموالًا من العدم، ويصنع أناسًا من لا مكان.

هي أجيال أغلقت أمامها كل الطرق فيممت صوب الله تحاول إبرام صفقة "ما"، بطريقة "ما" معه، ترياقًا لحياة لا تكاد تُسمى حياة، فأين سيجدون لإبرامها أفضل من تنظيم يمنحهم نموذج دولة الإسلام الذي ظلوا يتوقون إليه من قصص السيرة ومناهج التعليم والحكايات الشعبية؟

يمكنني وصف ما تحت قشرة المجتمع السوداني، وعلى الأخص شريحة الشباب، بأنه فراغ كئيب مستعد لتقبل أكثر الأفكار تطرفاً، إذ لا يبدو أن ثمة أملًا في "الدنيا" يمكن أن يسعى خلف بريقه أحد، وأدت التنشئة الدينية، القسرية والاختيارية، إلى التماسٍ لا واعٍ لنعيم "آخرة" تزيل البؤس عن البعض، وتشبع "أشواقًا" أسطورية لآخرين. فصار يلتحق بـ"داعش" أبناء الأسر الثرية التي بُنيت على أساسات دينية، وأبناء الأسر اليسارية التي ابتلعتها المهاجر لتفاجأ بأبنائها قتلى الحلم بنعيم ديني.

ورغم أن التحاق شباب سودانيين بـ"داعش" لم يصل لمرحلة الظاهرة، إلا أن ذلك لا ينفي أن التربة هنا مهيأة، وتتهيأ أكثر بمرور الوقت، لقبول ما يشبه "داعش" أو يناقضه في ظل التطلع لجديد "ما". فالسودان كان دائمًا معتنقًا، تابعًا، في ما يتعلق بالأيديولوجيا والدين، فما إن يظهر جديد في "مركز الهوية" حتى ينشأ فرع له في السودان! فهي لعنتنا التي حملتها إلينا خيول الغزاة قديماً ولم تغادرنا إلى اليوم.

هو مشهد "سائل" كما يوصف، تسبح فيه تماسيح الفساد، وتعقد فيه صفقات غامضة باسم الشعب وباسم الله، وأحيانًا بلا اسم. مشهد ينصرف عنه الشباب إلى أنواع مختلفة من الغياب؛ تصوّفًا، تطرفًا، مخدرات، وما بين ذلك، فلمَ لا ينضمون إلى "داعش" أو أيٍّ منتج آخر؟