لموعدٍ آخر

لموعدٍ آخر

اسماعيل نصرة/ سوريا

* إلى الراحلين اختناقاً

"كنت أختنق، لم أكن قادرة على تحديد سبب اختناقي، تراني أختنق من ضيق المكان وانعدام الهواء فيه، أم إنني أختنق من تلك الكتل المائيّة المالحة التي تتهاوى نحوي؟ أنفاسي متقطعة، صوتي مصلوب ينزّ أنينه على مهل، كلّ شيء فيّ يودعني، أصوات/ شهقات من حولي تزيدني اختناقًا، وتلك الأيدي التي ترتفع ولا يبين منها إلاّ الأصابع، تخنقني، صوت بكاء الأطفال يعرّش في حلقي كدبابيس ويخنقني.. موج البحر يشدّ على روحي يطالبها بالخروج، رائحة الموت في هذا المكان المغلق، اصطدام رأسي بالأبواب المغلقة، العتمة.. العتمة.. تضرعات الناس إلى الله تخنقني بأسئلة عن يده التي تضنّ علينا بالعون.. كلّ شيء يضغط عليّ ويهزمني..".

استيقظت على شهقة، ودموعي المالحة تذوب في فمي، جسدي يرشح  أمواجًا من العرق، أكاد أختنق، هرعت إلى الشرفة، غير أنّ الجوّ كان يبخل بأيّ نسمة تنقذني مما أنا فيه، وكأنّ الشمس نثرت في الجوّ أمزجة بخارية خانقة.

صور موتي تلاحقني، تراها النهاية!!؟ أسعل بقوة، لأطرد شبح الموت عنّي، فأصطدم بجفاف حلقي فيجرحني السعال.. أفتح فمي، أعبّ الهواء الساخن فيه، يتعثر الهواء بأشواك نبتت في حلقي فيرتد كصدى خانق..

أسرعت إلى المطبخ، فتحت الثلاجة، كانت تختزن الحرّ أيضًا، فلا كهرباء تنقذها من موتها هذا، أخذت عبوة ماء سكبتها كلّها على رأسي، وبدل أن ينقذني الماء، تدفقت قطراته كلّها لتسدّ منافذ الهواء إليّ، بحركة سريعة أملت رأسي ورشقتها أرضًا، نظرت إليها، تتماوج في الأرض، وغرقت مجددًا في كابوسي، أمواج متقطعة تنهال نحوي، تقبض على أنفاسي..

بحثت عن صوتي الضائع، كان يحشرج فيّ ويئن وكأنه محبوس في قمقم الموت.. أخيراً نبت بصرخة، ونبهني إلى ضرورة استخدام بخاخ الرذاذ يبدو أنّها نوبة ربو صيفيّة، ستودي بي إلى موت موجع إن لم أسرع. تشجنت رئتاي فارتعشت بكلي، كدت أتهاوى أرضًا، غير أنّي تشبثت بنتف هواء تتسلل في أنفي بين لحظة وأخرى.. ولكنني ما زلت أتآكل اختناقًا.

بدأت عمليّة البحث عن بخاخ الرذاذ، كنت بلا وعي أقاوم كلّ الجنون الذي يريد الإطاحة بي، في حلقي تسلق الصبّار، ونفث العلقم روحه فيّ، كنت في رحلة البحث تلك أترنح، وأهوي، وكأنني في خضم بحر هائج، تسحبني موجة نحو العمق، فيقترب الموت، وتنتشلني أخرى نحو السطح فيلوّح الموت مبتسمًا. 

الغرفة بدت لي خالية من الأوكسجين، وكأن شخصاً ما مدّ أنفاسه وسرقها كلّها وعبّأ المكان باللاشيء، أخذني كابوسي إلى الاعتقاد بأنني في سيارة مغلقة يقودها الموت، يضربني بجدرانها مع انحناءات وانعطافات الطرق، ويتركني محمومة الروح بشهقات لا أفرط بها خشية نهاية قريبة.

لا أدري لم أقاوم الآن!؟ وأنا التي كانت كلّما مرّت أمامها صور الموتى تتمنى لو أنّها بينهم، هي شهوة الحياة مازالت تسكنني إذن! يالي من كاذبة!

بقي لدي بضع خطوات فقط وسأصل إلى عبوة الرذاذ، خطوة... وسحبتني موجة صوب قاع البحر، شهقت، فسحبتني أخرى إلى سطحه، خطوة... والموت المتهور يصفعني مرّة أخرى في هذا الصندوق الغبي، خطوة أخرى.. ثمّة نور، هي هناك، تلوح لي، تمدّ أصابعها تمامًا كأصابع الغرقى في حلمي ذاك، مددت يدي إليها لأنقذها بل لتنقذني من موتي الواثق هذا!
 
وصلت.. نعم وصلت، أمسكت البخاخ، وبما تبقى لديّ من قوّة كبسته عدّة مرات، سرى السلام في روحي، وارتعشت بعد أن ولجت الحياة في أوردتي، ونجوت.. نعم لقد نجوت غير أنني تهالكت في زاوية الغرفة.. واستسلمت لغيبوبة الحياة!

"لم أغرق، شخص ما سحبني من الماء، أو ربّما هو البحر لفظني بعد أن سئم من اللعبة بيني وبين الموت، تلمست جسدي وقد تورم من كثرة الضربات التي أصابته في تلك الشاحنة، ولكن.. ما الذي جاء بي إلى البحر!؟هل كنت في الشاحنة أو في البحر!؟

وقفت على قدميّ.. ومشيت.. مشيت بين أجساد كثيرة مرمية على شاطئ البحر، لوهلة ظننتها مجموعة من الأسماك سئمت بحرها الغاضب وقررت الانتحار على شاطئه هربًا. ولكنّهم كانوا بشراً.. بل جثثاً، وكأنّ البحر نبت جثثاً.. جثثاً لأناس أعرفهم، أو لا أعرفهم. بدأت أتلمّس جباههم وأنا أصرخ فيهم: هيّا استفيقوا لقد نجونا.. نجونا.

بُحّ صوتي.. ولم يستجب لي أحد منهم، حتى تلك الطفلة ذات الشعر الفاحم، والمربوط بعقدة حمراء كلون قميصها، كانت  صامتة، تحتضن الموت وهي مكورة في وضع جنيني، لم تعر اهتمامًا لصرخاتي، لم تستيقظ من موتها رغم أنني وعدتها بأنني سأجلب لها مثلجات الشوكولا ودمية جميلة تشبهها..

نهضت ، تلمست جسدي، قرصتني.. صفعتني،  وحين شعرت بالألم، حضنتني وهربت.. هربت منهم ودموعي الشاحبة تعمي الطريق عني فأرتطم بكلّ شيء. ركضت سريعًا، أتعثر وأنهض، حتى وجدتني أمام شاحنة تتكدس فيها الجثث أيضًا..

لقد كنت هنا بينهم، رائحة الموت النفاذة هذه مازالت تسكن أنفي.. جدران هذا المكان المعتم تعرف رأسي وأضلاعي فقد أنهكتني ضربًا.. لقد كنت هنا بينهم.. ولكنني لم أمت معهم، جثتي ليست هنا لقد نجوت أيضًا.. صرخت بهم: هيااا انهضوا لقد نجونا.. اسمعوني.. أقسم لقد نجونا..

لم يجبني أحد..كنت وحدي الناجية.. وقد ادّخرني الموت لموعد آخر ربّما!